قصة

قليل من الدفء

تختلط رائحة العرق بالكحول، برطوبة دبقة، الأضواء تتلاحق في ألوانها الحمراء والبنفسجية، تتلوى تحتها كأفعى، ينقبض جسدها بجنون شهواني، تتكشف أجزاؤها بلا مواربة ولا يسترها سوى خيوط دقيقة عند التقاء الفخذين، ينز جسدها عرقاً ويلمع عن مجرى يمتد ما بين نهديها حتى سرتها التي لمعت بقرط فضي مغروس في حاشيتها.. يرتج المكان من وقع اهتزازات مؤخرتها المشدودة، يتوهج فوقها وشم لجناحي ملاك ناري، تتلاحق الألوان ويرتفع صوت الموسيقى بإيقاعها المتعدد الأعراق، يرتفع النبض مع الإيقاع ويزداد اقتراباً من الذروة ولكنه لا يصل. لا يستطيع ان يلمسها، فقط تلاحقها الأعين. تلمس الشفتين، الرقبة الطويلة، النحر الناعم، حتى خصرها الدقيق ويتلاشى البصر عند تلك النقطة المختفية وراء نقابها الشفاف مشرعة للوهم مساحة لرسم الصور. يرتفع الصخب مجدداً وتظهر في الصورة أجساد أخرى، سيقان عاجية ترتفع في الهواء، تحوم فوقه، تلتف حول رقبته، تخنقه برحيقها المدفون في الغياب، ترتفع أصوات أخرى، أصوات غليظة، وتظهر الصورة من وراء الأضواء والعتمة، رجال يجلسون على الأرائك الجلدية الداكنة يلاحقون الأجساد العارية بحياء.. أجساد بيضاء.. سمراء، سوداء، تتشابه جميعها في هذه الظلمة المتوالية بسرعة.. فجأة تتوقف الأجساد عن الحركة وتتوقف الأضواء عن التراقص وتتوقف الموسيقى.. وترتفع أصوات الرجال بصخب مطالبة بالمزيد من..

– اوي.. ماذا تفعل هنا.. ألم توصل الأكل الذي طلبناه.. عد إلى جحرك، لكي تشاهد عليك أن تدفع أولا.. عد إلى بلادك أيها الأبله..

صوته الغليظ.. ووجهه الأغلظ جعله يعود من رحلته المكبوتة.. أسرع بالخروج من القبو الذي يشغله المهلى الليلي.. صاعداً الدرج الضيق إلى الشارع المزدان بأضواء عيد الميلاد ورأس السنة، تلسعه رياح الشمال مخترقة جلده الصحراوي الأسمر.. تمتم وهو يعود إلى داخل المطعم الذي يعمل فيه ” قليل.. قليل من الدفء..”

أشعل سليم عود الثقاب الأخير وقرب اللهب من طرف سيجارته الملفوفة، فمنذ مدة وهو يحاول أن يقلل من عدد السجائر التي يحرقها كل يوم لا خوفاً على صحته وإنما لارتفاع أسعار ماركته المفضلة من سجائر المارلبورو الحمراء. سحب نفساً من سيجارة اللف بينما كان يجلس على برميل زيت الطهي الفارغ في الزقاق الخلفي للمطعم.. حاول أن يتلذذ بنفس السيجارة الأول إلا أنه سرعان ما أخرجه وبصق على الأرض المبلطة الداكنة وتمتم بصوت مسموع.

– تباً.. مذاقها مقزز.. كان بالإمكان إضافة قطعة من الحشيش إليها ليصبح لهذا العذاب طعم مختلف..

لم يتوقف سليم عن كيل الشتائم لكل ما يحدث حوله منذ أن وطئت قدماه انجلترا ومن ثم استقراره بمدينة مانشيستير محاولاً أن يجد وسيلة للاستمرار والتنفس.

عندما وصل أول مرة اعتقد انه نجح في الهرب بمسافة شاسعة من شوارع وأزقة حيه بطرابلس التي لم تلمسها يد القدر لكن أمله خاب عندما وجد نفسه يقترب من الأزقة المظلمة ومن روائح الشحم الحيواني المتعفن ودبق الزيوت على ارض هذا الزقاق.

لم يعتقد أنه سيحتفل بعيد ميلاده الأربعين وهو يرتدي قميصاً لم يغسل منذ أسابيع ويعتمر قبعة ملونة ببلاهة، لو رآه أي من أصدقائه القدامى بهيئته الحالية لأصبح موضوعاً للتندر وتزجية الوقت تحت عمود الكهرباء في شارعهم.

رمى سليم بعقب السيجارة على الأرض ولم يعبأ بسحقها بحذائه، وحدث نفسه “ليذهبوا إلى الجحيم يكفي أن أولئك الأوغاد يحسدونني على وجودي في هذه البلاد ويتمنون ألف مرة أن يكونوا مكاني..”

قطع تفكيره صوت جهوري ينادي عليه في الجانب الأمامي من المطعم.

– اوي.. أين أنت يا صاحبي..؟!!

سارع سليم بالدخول إلى المحل مغلقاً الباب الخلفي وراءه حتى وصل الواجهة الأمامية ليلمح (توني) أحد أفراد الحراسة الخاصة بالملهى الليلي المجاور للمطعم.

كان (توني) شاباً قصير القامة، غليظ البنية يرتدي بدلة حراس الملاهي الليلية السوداء، حليق الرأس ويتحدث بلهجة شمالية خشنة، وإلى جانب عمله في حراسة نادي التعري في عطلة نهاية الأسبوع فإنه يعمل مع البلدية في تسجيل ومخالفة السيارات، كما أنه وكحال جميع من يعملون في مهنة الحراسة، عضو في عصابة لتهريب التبغ والمخدرات والأسلحة البيضاء.. سلم (توني) على سليم بحرارة وتابع قوله:

– كيف حالك يا صاحبي.. وكيف هو العمل ؟!!

رد سليم بانجليزية تشوبها لكنة ليبية واضحة:

– لا بأس.. وكيف هو العمل معك أنت كذلك؟!

أجاب توني بحدة:

– العمل إنه كالخراء..!! أبناء العاهرات يسرقون جهدنا كل يوم ولكن ما العمل..؟!

قطع حديثه المسترسل فجأة ليتابع..

– هل من الممكن أن تعد لي بتيزا حجم 9 بوصات بالصلصة والجبنة فقط، فأنا جائع منذ الصباح وها نحن نقترب من السابعة مساءً والطقس كالخراء اليوم.. سأرجع بعد خمسة دقائق لأخذها.

اخرج ورقة عشرين جنيهاً وأعاد سليم له باقي المبلغ ليتابع عمله في إعداد الطلب بشكل تلقائي، فقد مضى عليه في هذا العمل أكثر من عشر سنوات حتى أصبح يتقزز من منظر البيتزا عندما يراها في المحال الأخرى ولا يستمتع بأكلها إطلاقا.. فتح الفرن لتلفح وجهه الحنطي حرارته التي ذكرته بحرارة يوم صيفي في طرابلس، أحس حينها بطعم الغبار والعجاج يترسب في حلقه.

لم يخطط (توفيق) بأخذ قيلولته في المطعم هذه الظهيرة فهو لم ينم منذ البارحة، والمكان الوحيد للراحة هو مخزن صغير بعلية المحل بالكاد تستطيع التحرك فيها مقرفصاً. استلقى على ظهره فوق الأرضية الصلبة محدقاً في السقف محاولاً تناسي رائحة الغبار وبقايا دخان الشواء والطهي، لم يتبق من التفاصيل الصغيرة سوى بعض الاهتزاز ليعود إلى قريته بضواحي بريشتينا بكوسوفو. محتمياً من هجمات جيرانه الصرب.

مضى عليه الآن عشر سنوات في مدينة مانشيستير، لجأ أهله إلى ألبانيا المجاورة في بداية الحرب أما هو فقد تسلل عبر كرواتيا إلى ايطاليا ومنها وصل إلى فرنسا وبينما رجع من يعرفهم إلى كوسوفو مع عودة الاستقرار للبلد إلا انه تابع طريقه شمالاً وكأنه يهرب من صوت القصف والمدافع، في فرنسا اشترى بطاقة هوية ألمانية مزورة وقطع القنال الانجليزي ليصل لندن ومن ثم ذاب في فوضى المدينة المتناقضة. وكأن مزيداً من الشمال سيخلصه من حزنه وسيقربه من بيتهم الريفي ليجد نفسه في مانشيستير وفي علية المطعم يتنفس الغبار وينتظر أن تحين فرصة لشمال جديد.

تنامى لسمعه صوت السلم المعدني وهو يوضع على حافة العلية وصوت خطوات ترتفع على الدرجات. ظهر رأس يعتمر قبعة، لم يتبين (توفيق) في استلقائته المعتمة من يكون صاحب الرأس. فجأة غمر الضوء المكان وتبين (توفيق) صوت سليم وهو يقول:

– توفيق.. توفيق.. هل مازلت نائماً ؟! هل تعرف أين أجد نقوداً معدنية؟! هناك زبون في انتظار أن ارجع له باقي ما دفعه ولا أجد ما يكفي من القطع المعدنية في الخزينة. انه ينتظر منذ وقت طويل.. لقد اشترى بيتزا سبعة بوصات وسندويس دونير كباب وعلبتي مشروب..و…..

– حسناً.. حسناً.. يا الهي ألا تتوقف قليلاً لتأخذ نفساً، سوف انزل.. قاطع توفيق بحدة حديث سليم المتواصل وجلس متربعاً، مسح وجهه بيديه عدة مرات ثم نظر بعينين مجهدتين إلى المصباح المتدلي من السقف بالقرب منه فأعماه الضوء الباهر.. انتقل بصره إلى حافة فتحة الخروج في الأرضية ليجد رأس سليم ما يزال يحدق به. صاح:

– أمازلت هنا ؟!!، عد إلى مكانك قد يدخل احد ويسرق شيئاً. سأنزل حالاً.

راح رأس سليم ينخفض وهو ينزل، زحف توفيق على ركبتيه ويديه حتى وصل أعلى السلم، وضع قدمه اليمنى على الدرجة الأولى وألحقها بقدمه اليسرى، نظر إلى آخر العلية ليلمح جرذاً رمادياً ضارب إلى السواد وهو يتحرك بكل ثقة بالقرب من موضع استلقائه الذي حتماً ما يزال دافئاً.. شعر بالأرض تهتز من تحته وأحس بأن السلم الحديدي يفقد توازنه على البلاط الأملس، سمع صوت السلم المعدني وهو يرتطم بالبلاط بحدة لحقه صوت سقوط جسده على حوض الغسيل بالأسفل ومن ثم البلاط، وقبل أن يفقد وعيه صاح بصوت يائس..”تباً للجرذان”.

تركز بصره بتيار الماء وهو يندفع من حنفية حوض الغسيل، يتناثر فوق أكوام الصحون والأوعية المعدنية المختلطة ببقايا الطعام، لحم مشوي، شحم متخثر، بقايا طماطم وسلطة والكثير من الصلصة الحمراء والبيضاء، إنه اليوم الأول ليونس في عمله بالمطعم، فلم يمض على وصوله إلى بريطانيا سوى بضعة أسابيع في رحلة جعلته اقرب إلى القبر منه إلى هذا المكان. ساعده أبن عمه الذي يسكن مدينة مانشيستير منذ عشر سنوات للحصول على عمل في هذا المطعم الذي يمتلكه طبيب ليبي، فهو لم ينصحه بالعمل والتدرب في مطاعم العرب الآخرين الذين يمتلكون عدد من المطاعم في منطقة راشوم المشهورة بمحلات الأكل من مختلف الجنسيات فهم حسب قوله “سيركبون على ظهرك ولن يمنحوك سوى الفتات أما هنا فعلى الأقل ستتعلم الصنعة ومن ثم تأتي للعمل في أي مكان..”.

لم يكن يونس حزيناً هذا اليوم ولكنه شعر بالراحة عندما تذكر ما حدث لرفاقه في رحلة تسللهم إلى بريطانيا، أو بالأحرى تهريبهم كبضاعة بشرية، فعندما قرر هو وثلاثة من رفاقه الوصول إلى هذه الجزيرة قادمين من مالطا التي استقر فيها بضعة أسابيع بحثاً عن عمل، اتفق مع أحد المهربين المالطيين والذي قبض خمسمائة دولار على “الرأس” وأشار عليهم بأن يأتوا إلى احد المستودعات في أطراف الجزيرة حيث انظموا إلى عدد من المتسللين الآخرين من مختلف الأجناس، بعض الأفارقة، ثلاثة ألبان، مغربي والبقية كانوا من الصينيين. تم تحميلهم جميعاً في حاوية صغيرة الحجم حملت على سفينة متوجهة إلى ميناء ساوث هامبتون الانجليزي.

لم يعد يتذكر الكثير مما حدث خلال تلك الرحلة ولكن بعد عدة أيام في بطن الحاوية المظلم لم يخرج من هذا الغياب سواه وزميله المغربي أما الباقي فتم شحنهم إلى مشرحة جلالة ملكة بريطانيا العظمى.

لم ينزعج يونس من اضطراره للقدوم قبل الخامسة فجراً وفي ظلام الشتاء البارد لكي يقوم بتنظيف المطعم الواقع وسط المدينة، لم ينزعج من فوضى المكان بعد ليلة صاخبة لمرتادي الحانات والنوادي الليلية المجاورة وكميات الأكل الملقاة على الأرض أو القئ في احد الأركان. لم ينزعج وهو يلقي بزيوت وشحوم القلي في البرميل الكبير بالزقاق الخلفي ولكن ما أزعجه أنه ما أن دخل المطعم وهو يشم رائحة عفونة سيظل يميزها إلى الأبد.. رائحة تفسخ.. رائحة تعفن.. رائحة تجيف.. ذكرته ببطن الحاوية التي ابتلعته مع جثث رفاقه الهاربين من الفقر والحروب إلى الموت والتحلل.

– كيف حالك هذا الصباح..؟!

لم يشعر يونس في استغراقته بسليم وهو يدخل للمطعم، لقد فاجأه فسقط صحن من يده ليتهشم على الأرض.

– المعذرة ولكنك فاجأتني.. أجاب يونس بوجل.

أردف سليم قائلاً:

– لا عليك.. يبدو انك لم تنتبه لدخولي هل أنت العامل الجديد، لقد حدثني عنك توفيق، أليس كذلك.. خوك سليم..

– نعم أنا يونس.. ولكنني توقعت أن أرى توفيق هذا الصباح.

أجاب سليم وهو ينظر إلى السلم المعدني المركون بالقرب من حوض الغسيل.

– لقد سقط توفيق مساء الأمس من على السلم وهو ينزل من العلية مما تسبب في فقدانه الوعي لبضعة دقائق. نقر سليم بيده على رأسه وتابع.

– يبدو أن جمجمته مصنوعة من الصخر فلم يصب سوى بجرح صغير في رأسه ولكنه أخذ إجازة لهذا الصباح وسيعود للعمل مساءً.

– أرجو أن يكون بخير.. قال يونس وهو يلقي ببقايا الصحن المهشم في برميل القمامة.

– هل انتهيت من التنظيف؟، هل تريد أن اعد لك كوباً من القهوة لكي تنتعش.

أحس يونس أن رائحة الموت تزداد اقتراباً، شعر بتسارع نبضات قلبه وبأنه يختنق.. حتى انه لم يسمع سليم جيداً.

– ماذا قلت؟ هل سألتني شيئاً؟!

كانت الرائحة تنبعث من برميل القمامة أزاح يونس بقايا الأكل لتظهر جثة جرذ متجيفة، تناهى له سليم وهو يعاود القول

– هل اعد لك فنجاناً من القهوة؟.

يتساقط الثلج بهدوء على حافة النافذة المطلة على الحديقة التي فقدت اخضرارها ليلاً لتكتسي بالبياض. يستلقي فوق بياض فراشه. ثلاثة أيام مرت لم يخرج فيها من حجرته. ثلاثة أيام وهو يحتضر. هذا ما أحس به، الهاتف لا يرن ولا احد من الجيران سيفتقده ليدق عليه الباب ويسأل عن حاله، لينقذه من الموت. بدأ الشلل يتسلل إلى قدميه وامتد حتى وصل إلى بطنه وصدره، لم يستطع أن يزحف إلى الحمام ليقضي حاجته. بدأ التجيف يتسلل إليه وهو ما يزال يتنفس. ها هو الآن يستنشق موته، يتغلغل في ثنايا عقله. عندما تساقط الثلج بكثرة قبل ثلاث أيام شعر بالفرح. فاجأه على شكل ألم في الصدر تفرع إلى ذراعيه، كان الفرح يذبحه، تساءل حينها كيف سيكتشفون جثته في هذه الفوضى التي يعيشها ولكن متى سيحدث ذلك؟! ربما عندما يتساقط الثلج مجدداً أو ربما في الربيع القادم.

راحت صورة المرأة العارية وهي تتلوى تحت الأضواء المتلاحقة تتكرر بين عينيه، “لا بد أنها النهاية” تمتم بخفوت.. لا مهرب الآن، فها هو يتنفس بصعوبة، وقبل أن يخرج الهواء الأخير، أيقن انه عاد إلى حيث يجب أن يكون دائماً، إلى موته الدائم..

عندما تساقط الثلج مرة أخرى كان ما يزال في مكانه يكرر موته اليومي بلا رغبة في الخلاص.

لندن – انجلترا

مارس 2008

مقالات ذات علاقة

خُلّيطة

عزة المقهور

الخروج من الغابة

أحمد يوسف عقيلة

الحِــرْبـاء

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق