متابعات

قليل الكلام.. حريص على طلب العلم

مجمع اللغة العربية في تأبين “أ.د محمد سعيد محمد”


أمس الخميس، ثالت أيام شهر أكتوبر الجاري، الشمس تغري بطقس موارب، ولكن الخريف يعلن عن حضوره بريح تعربد في شوارع طرابلس، الخريف جاف لكن مجمع اللغة العربية يمطر بأصبوحة تستنزل شآبيب الرحمة، وتزرع شجرة ذكرى وارفة لمن زرع شتول المعرفة في حقول عدة وظل خلال حياته مخلصا للعلم ومانحا عمره البهي للعطاء، هو الأستاذ الدكتور “محمد سعيد محمد“*.

الدكتور محمد سعيد محمد
الدكتور محمد سعيد محمد (الشبكة)

آيات من الذكر الحكيم ونشيد وطني، هكذا بداية حفل التأبين الذي أقامه مجمع اللغة العربية لتأبين أحد أعضائه، حيث كانت البداية مع الدكتور “محمد بالحاج” رئيس المجمع والذي طوّف بنا عبر دروب حياة هذا الرجل الكريم، الذي أبصر النور في (قرية محروقة) في مدينة سبها عام 1956م ودرس بها مراحله التعليمية، ثم ليشد الرحال إلى طرابلس لينجز رسالة الماجستير في الأدب الأندلسي، ثم تكون رسالة الدكتوراة والتي أنجزها في جامعة بالمغرب الشقيق، وليعود لأرض الوطن أستاذاً بكلية الآداب في جامعة سبها.
وخلال مسيرته التعليمية والعلمية تقلد العديد من المناصب وفي عام 2012/2013م، تقلد إدارة المركز العام للمأثورات ومنسقاً للدراسات العليا، وهو أيضاً عضو في نقابة هيأة التدريس بالجامعة الليبية، وعضو في اتحاد الأدباء والكتاب الليبيين، وعضو في مجلة سبها للعلوم الانسانية. وقد أشرف على أربعة عشر رسالة علمية في جامعة سبها، وأنجز عشرين دراسة علمية ظهر معظمها منشورا، وكتب تسعة عشر مقالة علمية نشرها في مجلات ليبية؛ مثل مجلة الثرات ومجلة الثقافة العربية ومجلة كلية الدعوة الإسلامية ومجلة الدراسات الافريقية، ونشر ايضا بمجلة المأثورات الشعبية التي تصدر بالدوحة. وشارك في الكثير من الملتقيات الليبية المحلية وأيضا في ملتقيات عربية بالخرطوم والشارقة وتونس والجزائر والدوحة.
وختم الدكتور بالحاج كلمته عن الفقيد العزيز قائلا:
هذا هو محمد سعيد محمد، عطاء علمي متواصل تعددت مناحيه ، وخدمة لثرات بلاده وكان كل همّه هو النهوض بهذا الوطن الذي ودعه مخلصاً في محبته.

نائب رئيس مجمع اللغة العربية الدكتور “عبد الحميد الهرامة” في كلمته التي عرّج فيها على ثراء العطاء الذي قدمه الفقيد في مجال (الأندلسيات) حيث كانت رسالتيه الماجستير والدكتوراة يستكشفان العوالم الثرية لهذا الأدب.
الأستاذ “عمار جحيدر”، الأمين العام لمجمع اللغة العربية، وخلال بحثه الذي طاف بنا في عوالم الدكتور “محمد سعيد”، والذي كان للترات في مسيرته الثرية براح اختص به الجنوب الليبي جمعاً ودراسة، وقد كانت البداية من قريته التي ولد بها (محروقة) والتي صدر ماوثقه عنها في كتابين هما: ذاكرة قرية الجزء الأول 1998م، الجزء الثاني صدر في 2001م، وقد اهدى الجزء الأول لأمه ولثلة من النساء من عائلته، والذي جمع به أغاني الرحى والعلم وترقيص الأطفال والختان والخرافات، وهي ما يؤثت عالم المرأة أو ما أبتدعته النساء كي يجعلن من اليومي والمتكرر سماءا من البهجة والغناء ، اما الجزء الثاني فقد كان الاهتمام بالرجل حيث نجد اغاني الطبل والمجرودة والتعابير الشعبية.
ثم كتابه (قراءات في أغاني قنانة)، و(سيدي قنانة) كما يعرف هو أول شاعر شعبي الذى ابتكر للضمير الشعبي أغنيته وهزج بمشاعره وبكى وجعه، تنوعت أغراض شعره بين الغزل والشكوى والمديح في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن عطاء هذا المنشغل بلملمة ثرات شعبه فقد ترك تحت الطبع كتابا بعنوان (أغاني ترقيص الأطفال)، وكتابا آخر بعنوان (الحرف اليدوية بين الحضور والغياب.)
أما الدكتور “رمضان القماطي”، من جامعة طرابلس فقد أخذته الذكرى إلى أول لقاء بالراحل في عام 1981م حيث التقيا طالبين في رحاب العلم بالجامعة، أما آخر لقاء فكان في يوم الاربعاء 19/12/2018 في الملتقى الأول للدراسات الأندلسية.
الدكتور “عبدالله محمد الزيات”، من جامعة سبها، فقد اهتم بعد ذكر مناقب الفقيد، اهتم برسالته للماجستير والتي كانت عن الشاعر (ابن شهيد الأندلسي)، ثم كيف اتخذ من المنهج التاريخي الوصفي الاستقرائي مسباراً لاكتشاف الجوانب المختلفة في دراسته للدكتوراة عن (شعراء قرطبة)، والتي حوت مصادر ومراجع بلغات مختلفة عن هذه الحقبة من تاريخ شعراء هذه الحاضرة.
الأستاذ “صالح عبد السلام البغدادي”، من جامعة سبها، تحدث عن رحلة العلم التى توجه فيها الفقيد العزيز إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، وكيف استفاد خاصة من ملازمته العالم المغربي الكبير “محمد بن شريف”، وذكر أن آخر مشاركاته كانت في اليوبيل الذهبي لمعرض الكتاب بالقاهرة.

حين تسلم الدكتور “على برهانة” دفة الحديث عن خدنه وصديق رحلة الحياة بدأ قائلا: تقول أغنية الرحى:
جيراننا عودونا
لاعيب لاحس راقي
ياريتهم وجعونا
مادام ناوين الفراق.
منذ التقينا صرنا معا اجتماعياً وعلمياً، جمعتنا حرفة الأدب في ربوع كلية التربية في جامعة سبها، بين الأدب الأندلسي والأدب العباسي، هو يمثل الإنسان القروي روح طيبة ومعشر مريح في سلوكه بساطة وعدم تكلف، وأنا نشأت في البادية ووجدت في هذه الصفات ما شدني إليه، ثم ذهابنا إلى المغرب الشقيق لدراسة الدكتوراة عمّق من علاقتنا، وحين عودتي إلى ليبيا كلفت بتأسيس المركز الوطني للمأثورات الشعبية، وكان كما عهدته خير معين لي، وباشرنا بمسح شعبي وكانت قريته (محروقة) أول منطقة نجمع موروثها من أغاني وألعاب وكل ما يشكل حياة الناس، كنا معا في كل الخطوات التي قمنا بها لاعداد الندوات، ثم ألّف كتابه (ذاكرة قرية) والذي قمت بتقديمه في جزءه الاول، وفي عام 2011م جاء وفد من وزارة الثقافة والمجتمع المدني وأعربوا عن عدم النية في نقل المركز إلى مكان آخر بل أن يبقى في مكانه الأول، واقترحت اسمه لإدارة هذا المركز لأنه أهل لذلك.
إنني افتقده فقداً كبيراً جداً.. وترك لي فجوة لا أجد لها سداً.
في ختام حفل التأبين قرأ ابن الفقيد الأستاذ “طارق محمد سعيد”، كلمة الأسرة، فشكر مجمع اللغة الغربية أدارة وأعضاءً على هذه اللفتة الكريمة وفاءً لروح والده، هذا الأب الكريم والإنسان الذى حوى من خصال العلم والمعرفة ما جعل منه نبراسا لأسرته تهتدي به وتفتخر، متمنيا أن يتم طباعة كل الكتب القيمة التي تركها منجزة تنشد أن تضاف لرصيده الثري.
__________________________________
توفي في 9 أبريل 2019، بمدينة سبها.

مقالات ذات علاقة

تراث الشعب في عدد جديد

المشرف العام

صالون الزيدان الثقافي وقراءات في كتابات سعيد خيرالله

سليمان زيدان

اِنطلاق مَهرجان الزّمن الجّميل الأَول للموسيقا في بَنغازي

المشرف العام

اترك تعليق