طيوب البراح

قلبُ أب

رواسي إعشيبة

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي


وبينما كنت سارحةً في أصفاد الماضي، تذكّرت طفولتي التي لم تكن مبهرة لكنّها لم تكن عادية أيضاً تحمل بين ثناياها الكثير من السّعادةِ، والذكرياتِ المبهجة، فأنا ابنةُ أبي الوحيدة كنتُ ولازلتُ أميرتهُ المدلّلة، لم يكن أباً قاسياً أو متحجّر القلب بل كان رجلًا صنديدًا وأب تتمناه كل فتاة لحنانهِ وحكمتهِ البالغة.

ولن أنسى ما حدث منذ سنواتٍ قليلة؛ عندما كبرتُ قليلًا كان يرغب من خلجاتِ فؤادهِ أن أرتدي الحجاب حباً وليس رغماً عني، فكان يحببني فيه كلّما سنحت له الفرصة في ذلك، وكنت في كل مرّة أقوم بتأجيل الأمر مع فتح بابٌ آخر للحديث عنه وبقيتُ على هذا الحال لفترة ما، فلم يسأم هو منّي أو يفقد الأمل.

لكنها المرّة الأولى التي لم أحاول فيها تغيير السّيرةِ عندما حدّثني عن ذلك بل حقاً اقتنعت بهِ وأحببت الأمر؛ حين قال لي: إذا كنتِ تملكين ماسةٍ ثمينة ماذا ستفعلين بها ابنتي؟

حينها استغربتُ سؤالهِ ولكني مع ذلك أردفتُ قائلة: سأحافظ عليها من أي خدشٍ أو أذى يفقدها جمالها أو جزء منها، وسأخفيها في مكانٍ آمن يحجبها عن أعين النّاس حتّى لا يطمع فيها الآخرين.

أخذ يبتسم ويصفق لي بحرارةٍ وفرح حتى ظننت أني قمت بإنجاز أو حل سؤال لم يستطع الإجابة عليه أحد من قبلي.

فابتسمتُ لفرحهِ دون أن افهم قصده من ذلك.

حتى قال موضحاً لي: تماماً يا أميرتي لهذا الأمر بالضّبط كنت أطرح عليكِ أن ترتدي الحجاب فأنتِ ماستي الغالية والوحيدة في هذه الحياة لا شيء أثمن منكِ بتاتاً، أردت أن أحافظ عليكِ من أي فتنة أو خدشٍ يصيب قلبكِ.

أردت أن تخفي محاسنك فلا يطمع فيكِ الكبير والصّغير، أن أحجبك عن أعين الفاسقين.

والآن يا أميرة قلبي لن أقول لكِ ما تفعلين وما لا تفعلين.

لطالما أجبتِ عن السّؤال بنفسك، فلكِ الحرّية الآن فيما تشائين فأنا قد بينت لكِ الطريق وجعلتُ القرار بين يديك.

فأذهلني أبي كعادتهِ وأبصرتُ من ناظريه هذه المرة، فما كان منّي إلّا أن قمتُ في اليوم التالي عند خروجي من البيت بارتداء الشال على رأسي وغيرت طريقة ملابسي فشعرت بنهرٍ فائض من الراحة والسكينة يجريان في أعماقي وأنا أسير بكل وقار.

فاهتدى قلبي إلى الطريق الصّحيح بعدما قد كنتُ تائهةٌ عنه ورأت أعيني الجمال الحقيقي..

فكان هذا درساً من دروس أبي الذي تحمل ذكرى مرصّعه بالياقوت في جوف ذاكرتي.

ولا يزال هو الملك في قصتي لطالما كنتُ فيها أنا الأميرة.

مقالات ذات علاقة

نهاية فوْضى .. !

المشرف العام

البلد الظالمة لأهلها

المشرف العام

طارق الليل

المشرف العام

اترك تعليق