قصة

قطعة لحم


كان يهمُّ بالترجل عن سيارته ليرى ما الخطب الذي ألمَّ بها في هذه البقعة النائية؛ لكن فوج الذئاب القادم جعله يسارع إلى سحب قدمه وإحكام إغلاق الباب والنوافذ.

أنثى تصعد مقدمة السيارة، أنيابها تطقطق على الزجاج الأمامي وهي تحاول تمزيقه ظناً منها أنه قطعة لينة!.

بقية الذئاب تحاصر السيارة من كل جانب، صوت أقدام على سقف السيارة، أحس الدكتور أنه في مأمن منها، ولكن السؤال الفاجعة: إلى متى سأصمد في هذه السيارة الحارنة؟!

إلتقط هاتفه، خطوط التغطية معدومة تماماً، في الدرج لا يزال مسدسه يرقد وفي جوفه رصاصة واحدة، فتح النافذة بقدر ما يُخرج فوهة المسدس، الطلقة اليتيمة أفزعت الذئاب، لكنها سرعان ما استعادت توازنها وعادت لتطوق السيارة من جديد!.

أحس بأنه وحيد في هذا الكون، تخلى عنه كل شيء؛ ألقابه.. شهاداته.. خبراته.. معارفه.. جاهه.. مكانته.. أمواله.. نسبه.. إنتماءاته.. ولاءاته.. كل ذلك لم يعد يفيد لأنها غير معتبرة لدى معشر الذئاب، فهي الآن لا ترى فيه سوى قطعة لحم كبيرة مليئة بالدهن تكفي لإطعامها هي وجرائها لليلة كاملة!.

كتلة اللحم تلك كانت مليئة بمشاعر الإحباط والخوف والحزن.

كتلة اللحم تلك كانت مجردة من لقب الدكتور، والحاج، والسيد، وأن كل ما صنعه في نصف قرن من الزمن سيزول بقضمة واحدة من ذئب جائع، وخلال ساعات قليلة لن يبقى منه شيء، ولا حتى قبر يدل على أنه كان هنا!.

ومن إمعان حظه في السوء أن الذئاب لا تُقدد، ولا تدخراللحم!.

بدأ البرد يتسلل إلى مفاصله، بحث عن شيء ليأكله، قطعة شوكولا عارية من غلافها كانت قد تركتها ابنته، طبعت عليها آثار حذائها، إلتقطها بعناية، ومسح عنها الغبار وأكلها.

مع مرور الوقت يزداد الأمل عند الذئاب وينقص عنده، وكأن الأمل في بندول أعلاه عند الدكتور وأدناه عند الذئاب!.

الجميع يبحث عن النجاة، نجاته هو هلاك للذئاب، وهلاكه نجاة للذئاب، هو يريد أن يعود إلى بيته سالماً، وهي تريد أن تعود إلى صغارها غانمة.

انتظار الموت أسوأ من الموت نفسه، ومع كل دقيقة تمر كان الدكتور يفقد خيطاً من خيوط الأمل التي كان يرقع بها ما تبقى من كيانه!.

الأنثى تجتهد لاقتحام الزجاج بكل قوتها، وهو يهش بيديه لإخافتها، كان يرى أثدائها فعرف أنها حديثة الأمومة، وهذا ما زادها شراهة وشراسة!.

في هذه الأثناء صعد أحد الذكور ليساعد الأنثى في مهمتها، ثم إلتحق بهما ثالث، بدأ زجاج السيارة يتخلخل!.

أيقن الدكتور بهلاكه، ذكريات لا معنى لها بدأت تتسلل إلى مخيلته، فقد الإحساس بكل شيء حتى بقطعة اللحم التي طالما اعتنى بها، والتي طالما مثلت كيانه في المحافل!.

أحس باللاشيئية، بالخواء، بالفراغ، وكأنه في حالة (النيرفانا) التي يصفها الرهبان البوذيون، أو حالة (الفناء) التي يصفها المتصوفة!.

أحس بأن جاذبية الأرض تتخلى عنه بعد أن تخلت عنه جاذبية الحياة، شعر وكأنه يصعد إلى أعلى تاركاً كل شيء، ألقابه.. مكانته.. جاهه.. وأمواله الكثيرة ليتقاسمها ورثته.. وقطعة اللحم الكبيرة المليئة بالدهن لتتقاسمها الذئاب الجائعة!. 

مقالات ذات علاقة

اثنان

محمد العنيزي

قصتان قصيرتان

غالية الذرعاني

العالم ينتهي في طرابلس

عائشة إبراهيم

اترك تعليق