من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي
النقد

قضايا الإنسان في الشعر الليبي المعاصر

إبراهيم اليوسف

الناقد د.سليمان زيدان
الناقد د.سليمان زيدان

يأتي كتاب قضايا الإنسان في الشعر الليبي (1970-2000) للكاتب د . سليمان زيدان كإحدى الدراسات الأكثر أهمية التي تتناول الشعر الليبي المعاصر خلال العقود الثلاثة المذكورة، هذه الفترة البارزة التي رافقت تلك التطورات الهائلة في حركة الشعر العربي والعالمي في آن واحد، في ظل استمرار هيمنة المنهج الواقعي في عوالم الفنون والإبداع والنقد .

وقد كانت المدرسة الواقعية منهجاً متكاملاً، في عالم الإبداع، لها رؤيتها الواضحة إزاء ما يجري من حولنا، متكئة على فهم خاص للعالم، ناهيك عن أن ضروب الإبداع المختلفة أفرزت نقداً موازياً، له حضوره اللافت وأنصاره في مواجهة الدعوات الرامية إلى ترجمة شعار الفن للفن، ليكون الفن بالتالي للمجتمع والإنسان .

ضمن هذه الرؤية تحديداً، من فهم العالم والإبداع، ووظيفة الأدب والفن تأتي دراسة د . زيدان الذي يعترف في مقدمته لها أنه اعتمد المنهج الواقعي في هذه الدراسة، لأسباب عدة يبينها- والكلام التالي للمؤلف – وهي: الشمولية، فهو يمثل فلسفة لجميع الطبقات الاجتماعية، وثانيها أنه لا يقتصر على الأدب فقط، بل هو في الأصل فلسفة اجتماعية، كما أنه في الأدب لا يقف عند جنس أدبي بعينه، رغم أنه تبنى الرواية في أول ظهوره، إلا أنه تعداها إلى الشعر والمسرح والرسم، وثالثها أنه أقرب منهج في التعامل مع الواقع الاجتماعي والتاريخي والشعبي بأصدق ما يكون، ورابعها أنه يمثل منهجاً في التأليف والإبداع، وكذلك منهجاً في النقد، فهو منهج نقدي وإبداعي كان له الفضل في أن يجعل النقد موازيا للإبداع بخلاف المناهج الأخرى التي غالباً ما تجد فيها انفصاماً بين التنظير والتطبيق .

كما أن المؤلف يتحدّث في أحد الفصول عن الواقعية وقضية الالتزام بالواقع، وتاريخ نشأة الواقعية وأنواعها الرئيسة، وعلاقة الشاعر والواقع، كما يتناول في الفصل الثاني علاقة الشاعر بالواقع السياسي، ومن بين ذلك القضايا الوطنية والقومية، أما الفصل الثالث فيخصصه عن الشاعر والاتجاه الإنساني، بما في ذلك الاتجاه الذاتي ونموذج البطل (وسوف تتناول هذه القراءة هذا الفصل تحديداً بشيء من الإسهاب) كما يتحدث الشاعر في الفصل الرابع عن القضايا الاجتماعية ومن بينها الفقر والعدل والظلم والحزن والأسى والموت والحياة، أما الفصلان الخامس والسادس فيخصصهما للغة الشعرية والتكرار، ولغة الحياة اليومية والاقتباس والتضمين، والصورة الشعرية والتشبيه والاستعارة والرمز .

تحت هذا العنوان يخصص المؤلف جزءاً من الفصل الخاص عن القضايا الاجتماعية، حيث يرى أن الفقر والجوع مادتان أساسيتان لشعراء الواقعية، ويمثلان أرضاً فينمو هذا المذهب فيها، ليبلغ مداه كلما غذته مآس جديدة في واقع هؤلاء الشعراء، ليس المحيط بهم وحده بل في ما يتعداه ليشمل كل الإنسانية . ويرى الدارس أن هذه الواقعية تشكل ذروتها عند عبدالمجيد القمودي صالح، وهو يرسل ما انعكس في داخله من حالة البؤس والشقاء لأسرة فقيرة يبدو أنه مر بها، أوسمع عنها، أو عاش الموت، فيقول ضمن قصيدة بطاقة إعانة:

صفيح . . . صفيح

لكوخ به ينفخ الفقر، تعول ريح

وطفل كسيح

وقلب جريح

لأم تمزقها ألف لوعة

وتحرقها ألف دمعة

وعبر الليالي، تذوب كشمعة

وستة أطفال لا يشبعون بكاء

والشاعر عبدالحميد بطاو يظهرالتزامه القوي تجاه كل ماهو إنساني-بتعبير الدارس ولغته والشواهد التي يجتزئها- وهذا ما يبرز في جل قصائده، ومنها هذه القصيدة التي اختار الواقع الذي يشكو منه عنواناً لها حوار حول المسرح الواقعي لقد صور الواقع من خلال وحدة المكان المسرحي، بدءاً من دخول وقت العرض، وانتهاء بإيضاح ما يرمي إليه من بيان لمأساة الإنسان المعاصر وحثه على وضع حد لهذه المأساة بقوله:

سيدتي

ما أن الوقت المعلن جاء

والحشد المنتظر الصاخب

كف الآن عن الضوضاء

وأنا أتساءل مرتبكاً عن كنه الأشياء

سيدتي

من يطفىء هذي الليلة أضواء الصالة؟

من يشعل أنوار المسرح؟

من يصعد فوق الخشبة؟

كي يبدأ كالعادة في الرقص

ويهتف في الجمهور

يرى د . سليمان زيدان أن لكل إنسان قضية، وقضية الشاعر محيطه الذي يسعى بأن يكون عمله منصباً على قضاياه، من خلال محاولات صياغة حياته، وتكييفها، ومعالجة سلبياتها ويضيف إن مادة الفن هي الإنسان في منظومة علاقاته المجتمعية، وما يحيط به من بيئة طبيعية واجتماعية . فالإنسان يعيد صياغة الواقع بأسره، ويظهر لنا أن جلّ الشعراء الليبيين قد فهموا رسالة الأدب وغاياته، فلم يخل ديوان لشاعر من تناول قضية إنسانية- والكلام لا يزال للمؤلف نفسه، ليس في محيط الوطن المولد أو الوطن الانتماء، فحسب، إنما في أرجاء الكون كافة – بلغة الدارس نفسه – وهذا ما يعكس إنسانية هؤلاء الشعراء ومنهم – على حد قوله – علي الفزاني الذي يستحق أن نطلق عليه اسم شاعر القضايا الإنسانية لما تشمل عليه قصائده من هم وطني وقومي وإنساني، فترى الحرف عنده يتوجع، والمعنى يتأوه هماً وغماً لمايعانيه بنو جنسه من محن يزيد من سوئها أن بني جنسه هم السبب لها .

بهذه المقدمة – حرفياً – يستشهد الكاتب د . زيدان في تقديم فصل الاتجاه الإنساني من دراسته التي كانت – في الأصل – رسالة دكتوراه، بعد مقدمة وستة فصول هي الواقعية وقضية الالتزام وعلاقة الشاعر بالواقع السياسي والشاعر والاتجاه الإنساني والقضايا الاجتماعية واللغة الشعرية والصورة الشعرية، وبعد أن يعدد الكاتب المذاهب الأدبية، يبين أن محورها جميعها واحد . ويرى أن كل ما سبق أن أشار إليه من علاقة ارتباط وثيقة بين الشاعر المبدع ووسطه الاجتماعي متوافر في قصيدة دمي يقاتلني الآن للشاعر علي الفزاني والتي يقول فيها:

وحين إليك هبطت تلقفني عرس

تتباطأ طعنة الموت في عنق القتيل فمن

يجهز الآن على العصب المتوحش

يقطع شبق الرؤية الملهم

دمي يقاتلني الآن وأغنيتي التي

حملت عشق التوهج والاقتحام

في مسافة النبض عبر القرون والمدّ في الحلك

. . . . .

وحين مشيت تصدعت الأرض

وقام من رحم الأرض زبانية

التعاقب الدموي

. . . . . .

أنت الذي يجرجر الأبرياء في ألق الفجر

يلقي بهم في سجنه الهمجي

يقول المؤلف معلقاً على المقطع السابق، وهو يعاين المشهد الذي يسعى بعضهم للحيلولة دون تحقيق حلمهم: ما إن هم الإنسان بالانطلاق ليحيا حياته، حتى وجد من هم عشاق للدم والفتك بالإنسانية يقفون في طريق انطلاقه، وكانت الدهشة أكبر، والجرح أعمق عندما تيقن الإنسان أن أباه كان وراء تفريق جموع الإنسانية، وجرّ الأبرياء إلى السجون وإسكات أصواتهم، باغتيال الحياة فيهم بأسلوبه الهمجي اللعين، في الوقت الذي كان يرتجي منه عكس ذلك، ولكن تبينت الحقيقة وعرف الشاعر الفزاني أن:

دم الفقراء وجع تمدد في علق البدء

وجذره الجبروت

ولم يزل آل ياسر يتساقطون

صور يلونها . . الجوع . والجهل . . والإرث . . وتغلفها

المذلة والسكوت

وبين نواجذ الفرس والروم

توابع يحاصرها عنكبوت

ويستمر الدارس في تسليط الضوء على تفاصيل اللوحة السابقة، بعد أن ينظر إليها من زاوية أخرى حيث هناك المستغل – بكسر الغين – والمستغل بفتحها يقول: وتبينت الفوارق بين غني وفقير، فكان ظالم ومظلوم وقاتل ومقتول، واستعار لذلك الصورة التي واكبت بداية الدعوة الإسلامية، وما حل بآل ياسر على أيدي سادة قلة، كما يذكر المؤلف قصيدة أخرى للشاعر في هذا الاتجاه وهي عاصفة في الباستيل العربي ويرى أنه يقف فيها موقف المناصر لرسام الكاريكاتير الليبي محمد الزواوي يقول:

ارسمْ على الأبواب والأسوار

العبث الذي يطوق المدار

ارسمْ لا تني

فحفنة الغبار

تزيلها . . . قوادم الأمطار

ولأن الشاعر هو الأكثر إحساساً من سواه بعمق الألم الذي يصيب أخاه الإنسان أينما كان، فإن الدارس يقول -حرفياً أيضاً- إن الجرح الذي أصاب إنسانية الشاعر، جراء ما ألمّ بزميله في الرسالة الإنسانية والواقع الذي صار عليه، جعل الشاعر يطلب منه الصمود ومواصلة رسالته الإنسانية في نقد الواقع العربي والثورة، ليذكره بأن الكون والإنسان معاً هماً هدف الإدراك وغاية المعرفة، ويبين له أن المكان لا يعني لأمثاله وجدرانه وأسواره المنيعة، ويبشره بأن هذا أمر عابر لا يصمد أمام صموده، وستزيله – ولايزال كل الكلام بلغة الدارس- مشيئة الأحرار يقول الزواوي أيضاً:

في بؤرة كهذه

في ضيقة كهذه

يغيب موكب النهار

ويستمر الدارس ليرى أن عنصر المكان يحدد مصير الفنان، حيث يقول: إن الظلم الواقع عليه، وتغيب حريته، بوصفه للمكان الضيق الذي يقبع فيه، وللمكان الأكبر الذي يضم هذه البؤرة بالمكان الذي تغيب فيه العدالة ويخفت فيه نور الحرية التي هي رمز لها بموكب النهار، وشمسه التي لا تصل إلى غياهب السجون كي يستشهد بمقطع آخر من قصيدة الزواوي:

يمامة تقرحت جفونها

ربابة تقطعت أوتارها

وريشة في موكب كسيح

من يشتري فراشة حمامة من سفر نوح

ويتابع الدارس رصد حالة الشاعرنفسه إزاء التناقضات الهائلة التي يترع بها الواقع المرير من حوله، الأمر الذي يدفعه إلى الوقوع في فخاخ التشاؤم مكرها، نتيجة انسداد الأفق من حوله، فهو – تحديداً ذلك اليمام المغرد- الذي يصلح لأن يكون الإنسان المعذب أيضاً، حيث يقول: قمة الأسى والتشاؤم من الواقع الذي يبكي فيه اليمام بدل أن يغرد، وتتقطع الأوتار بدل أن تصدح بأعذب الألحان، وأن آدمية الإنسان أصبحت لا تعادل شيئاً بل لا تعني شيئاً: ها أنت في الباستيل

تضيء في دهليزه قنديل

ويرى الدارس أن الشاعر الزواوي قد خاطب السجين من منطلق معرفته به، وبدوره في الحياة الإنسانية، وأنه باق مهما غيبوه وفي أي مكان غيبوه، فلقد أنار الباستيل السجن الذي حاولوا فيه إطفاء نوره فكان هذا الأمر عكس بغيتهم:

ثانية لوركا يموت وحده

عرس من الدماء عاد صاخباً

أنجيلا نشيدها على الربى مبدّد وأنت ترسم الدماء

الجائعون في فلا أوطاننا . . أولى بخبز السجن

والإيواء .

يدرك الشاعر كنه المبدع الفنان، وأنه ليزداد تألقاً حتى وإن زجّ به في غياهب السجون، أو تمت محاولة إطفاء صوته، وأن الشاعر ليخلد، وهذا ما يظهر من خلال تناول رموز إنسانية هي: لوركا- إنجيلا إلخ، حيث يقول الدارس: وإن ما اتخذ في حقك وحق مبادئك بتكبيل حريتك بقيد السجن، لن يثنيك، ويرى أن الجوعى في صحارى البلاد العربية أولى بقطع الخبز التي يجودون بها عليك في السجن، وأجدر بهم أن يفتحوا أبواب السجون لتكون مرافق في خدمة الإنسان . كما أن المؤلف يتناول الاتجاه الإنساني لدى شاعر آخرهو عبدالحميد بطاو في قصيدة سلة الفواكه ويرى أن السلة مكان ضيق محدود المساحة، يوحي بعمق القضية لما سيحدثه في النفس من معاناة، نتيجة هذا الانغلاق الذي قيد إحساس الشاعر، ومن ثم نقل عدواه إلى المتلقي، وقد بدأ الشاعر قصيدته بالتنصيص- والكلام للمؤلف والدارس-على حد قوله:

ترى هل نقلب في سلة الفاكهة؟

لنرى كيف دب إليها العطن

ويرى أن الشاعر بطاو يتناول من خلال قصيدته قضية إنسانية، فالمتغيرات الرديئة طالت كل شيء، فلم يعد ما يراه جميلاً كما هو، ما جعله يسخر طاقاته الإبداعية لتناول القضايا الإنسانية، وهو يؤكد مقولة د . محمد غنيمي هلال أن الشعر ليس مقصوراً على حدود اللذة الجمالية، ولكنه يجب أن يخدم قضايا الإنسان، ويتابع قائلاً: فنراه يبدي امتعاضه من الحالة الإنسانية وهو يصور العالم بفواكه فاسدة، بعد أن حصر الجميع داخل محيط سلة ضيقة، وله في هذا التشبيه غايتان: الأولى كانت إيجابية عندما كان المشبه به في حالته الطبيعية، والثانية أصبحت سلبية برأيه والكلام له عندما تغيرت الحالتان:

ترى هل نعيد الشريط القديم

بشكل بطيء . . بطيء . . بطيء

لندرك حجم تورطنا رغم حسن النوايا

بكل مسافر هذا الزمن

ونوقن أن ليس ثمة فرق كبير

إذا ما تأملت

بين الذي كان يصمت كي لا يدان

وبين الذي باع في خسة عرض هذا الوطن

وأن ليس ثمة فرق كبير

إذا ما تمعنت

بين الذي كان يكفرمن غيظه بجميع الطقوس

وبين الذي ينحني خاشعاً لوثن

ومن الأمثلة الأخرى التي يوردها الدارس قصيدة الموت فوق المئذنة للشاعر الفزاني نفسه، حيث يصور القضية الإنسانية من الأمد البعيد تصويراً بليغاً قوي اللفظ والمعنى، وتنم عن نفسية الشاعر وتعمقه في صلب الحياة البشرية وواقعها المرير وما عانته من القسوة والضياع .

كما يرى الدارس أن هناك اتجاهاً ذاتياً بالإضافة إلى الاتجاه الإنساني، إذ راح الشاعر يبحث عن الذات القلقة الحائرة المضطربة التي تخاف كل شيء، ما يفجر قضية وجدانية تمسّ صميم الإنسانية، وهي البحث عن الأمان في عالم فقد الأمان يقول الشاعر جيلاني طريبشان:

أخاف أخاف

أخاف الليل إذا ما جن

وأخاف المرأة

والأشجار المصلوبة في الشارع

وأخاف الناس . . إلخ

وضمن الاتجاه الإنساني الذي يراه الدارس فضفاضاً، لأنه يندرج تحته الكثير من القضايا العامة من سياسة واقتصاد وحب وحرب وحرية ومرأة وتعليم وفقر وحياة، يقدم المؤلف نموذج البطل ومن هذه الشخصيات التي يقدمها شخصية حنظلة عند راشد الزبير ووجدان شكري، كما يشير إلى قصائد تقف ضد الحرب والتفرقة العنصرية .

وفي النهاية يقول الدارس: إن القضايا الإنسانية عند الشاعر الليبي المعاصر لها أوجه عدة: الأول هو الوجه المتفائل الذي يمثله شعراء الثورة، والثاني هو الوجه المتشائم الذي يمثله شعراء القومية العربية الذين نظروا إلى مأساة الإنسان العربي بعد كل الثورات العربية التي قامت .

وإذا كان الدارس قد استطاع أن يقدم دراسة متزنة، شاملة عن قضايا الإنسان في الشعر المعاصر، خلال فترة زمنية محددة، فإن ذلك ينبع من تمكنه من أدواته النقدية، واستطاعته العالية على التفاعل مع النصوص المقدّمة، وتشريحها، وذلك ضمن زمان ومكان محددين، ليبين الملامح الرئيسة للقضايا الإنسانية التي يهجس الشاعر بها أينما كان، وتجلي ذلك في قصيدة الشاعر العربي الليبي .

كما أن هذه الدراسة التحليلية والموضوعية تعد رافداً مهماً، ووثيقة أكثر أهمية عن الشعر الليبي، لا غنى عنها للمكتبتين الليبية والعربية، في آن واحد، وتعد مرجعاً لكل دارس في هذا المجال.
__________________________

نشر بصحيفة الخليج.

مقالات ذات علاقة

النص الشعري النسائي الحديث في ليبيا

المشرف العام

محاولة سدّ النقص حتى اكتمال النص

المشرف العام

بينَ سَطوَتَينِ ..

جمعة الفاخري

اترك تعليق