دراسات

قصيدة النثر في ليبيا*

في منتصف سبعينات القرن الماضي، صار من المقبول قراءة هذه النصوص التي لا تمت للوزن ولا تتماش معه، وإن كان البعض قد ألمح أن بدايات السبعينات ذاتها شهدت ممارسة البعض لمثل هذه الكتابات، إلا إن (قصيدة النثر) بدأت كنص يفرض نفسه على أعمدة الصحف وصفحات المجلات في النصف الثاني من السبعينات بشكلٍ يؤكد حضورها وحضور شعرائها، الذين كانوا إما شعراء اختاروا قصيدة النثر (وهنا تكون القصدية هي المحرك، في الكتابة بهذا الشكل)، وإما شعراء أرادوا خوض تجربة الكتابة خارج الوزن بعد أن كتبوا النص التقليدي والتفعيلي (وهنا تكون القصدية بغاية التجريب).. لكن الثابت أن فترة الثمانينات1.. هي الفترة الخصبة، والفترة التي تكونت فيها (قصيدة النثر) في ليبيا وشكلت من خلالها منهجها واتجاها، بحيث كانت هذه الفترة فترة التجريب الكبرى التي كتب فيها الشعراء وتحركوا فيها في أكثر من اتجاه، حيث شهدت هذه العشرية صدور أولى مجموعات (قصيدة النثر)2، وكانت للشاعر “عبداللطيف المسلاتي” بعنوان (سفر الجنون/1) الصادرة في طبعتها الأولى بتاريخ 1980، عن المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، وتشير التواريخ المثبتة في نهاية القصيدة الأولى أنها نشرت في العام 1976، منشورة في ثلاث مطبوعات محلية هي: صحيفتي الأسبوع الثقافي والفجر الجديد، ومجلة الفصول الأربعة.

الثمانينات لم تكن مجرد عشرية عادية بالنسبة لحركة الشعر الليبي، لقد كانت أحد أخصب المراحل إنتاجاً، فنشرت في هذه العشرية 40 مجموعة شعرية، بينها 15 مجموعة شعرية (قصيدة نثر) بنسبة تمثل 37.5% وهي نسبة مرضية لمجموع سبعة شعراء توزعت مجموعاتهم الشعرية كالتالي (بحسب الإصدار الأول للشاعر):

1- عبداللطيف المسلاتي، مجموعتين شعريتين: سفر الجنون/1، سفر الجنون/2.

2- محمد الكيش: مجموعتين شعريتين: عن بهية والزمن الأخضر، كتاب المراثي.

3- محفوظ أبوحميدة: مجموعة شعرية واحدة: يبتغيك الفؤاد قريبة.

4- عبدالرحمن الجعيدي: ثلاث مجموعات شعرية: أحبك من البحر إلى دمي، أغان على أرصفة الضياع، مقاطع ممزقة للوطن والحب.

5- فوزية شلابي: خمس مجموعات شعرية: في القصيدة التالية أحبك بصعوبة، بالبنفسج أنت متهم، فوضوياً كنت وشديد الوقاحة، عربيداُ كان رامبو، والسكاكين أنت لحدها يا خليل.

6- عائشة المغربي: مجموعة شعرية واحدة: الأشياء الطيبة.

7- زاهية محمد علي: مجموعة شعرية واحدة: الرحيل إلى مرافئ الحلم.

وموازاة لهذه المجموعات كانت حركة النشر من خلال الصحف والمجلات، تؤكد حضور (قصيدة النثر) وحضورها القوي، الذي يعبر كونها الشكل الذي أخذ أكثر الشعراء إلى عوالمه.

وإن عدنا إلى بدايات (قصيدة النثر) في ليبيا وظهورها كشكلٍ أدبي، نرى أنهُ لم تثر حولها أياً من المناقشات أو الحوارات، حتى إنها لم تتعرض للمواجهات الحامية التي تعرضت لها (قصيدة النثر) عربياً، حتى إن بعض هذه الخلافات تم استيرادها من تلك المواقع التي حمى فيها الخلاف، وإن كانت بعض الحوارات الحامية حدثت فعلاً ضمن نطاقات ضيقة ومحدودة من خلال اللقاءات، لكنها كانت تفتقر إلى محاور النقاش الأساسية وأيضاً لتشبث كل طرفٍ بما له، لذا فإننا نستطيع القول أن (قصيدة النثر) في ليبيا لم تعاني الكثير من أجل أن تتميز نصاً وشاعراً، بل إن هناك بعض الشعراء الذين تخلوا عن الوزن باتجاه انفتاح (قصيدة النثر) على عوالم أكثر اتساعاً.. ونستطيع القول أن هذا النص عاش بتجاور تام مع أشكال الكتابة الشعرية الأخرى، دون أن تكون أياً من صدامات (النثر× الشعر)، ولعلنا نعيد هذا إلى طبع الثقافية الليبية الذي يفتقد حقيقية للعمق الذي يمكنه من اتخاذ موقف ثقافي تجاه أياً من أجناس الكتابة أو الإبداع الجديدة، فطبيعة التكوين الثقافي الليبي طبيعة التأثر، والتتلمذ (حتى هذه اللحظة نكاد نلمس الكثير من مظاهر التتلمذ والتأثر).. وطبيعة التلميذ تجعله دائماً وفيَّ السمع لكل ما يقوله له أستاذه، وهو (الشرق) الذي كان الأستاذ الأول للثقافة في بلادنا، فلقد ظلت ليبيا تعيش حالة من ألا توازن حتى الخمسينيات، لتتمتع بنوعٍ من الاستقرار يكفل لها النظر إلى داخلها وإلى شؤونها، للوقوف على أرضها ومن ثم الانطلاق بثبات.. طبيعة التتلمذ هذه كانت تعني في مستوى موازي عدم النظر إلى ما يمكن أن يتكون من رصيد، ولأنه لم يتم الالتفات إلى هذا الرصيد إلا متأخراً (في تسعينات القرن الماضي)، فإننا ظللنا ننظر إلى الشرق الرائد الذي لا يكذب أهله، ومصدر النور الوحيد الذي منه تأتي المعارف والعلوم.. ولقد تأثر الكثير من شعراءنا بشعراء الشرق حد التناص، سواء على مستوى الأفكار أو على مستوى النصوص.. وفي نهاية الستينيات يكتب أحد النقاد، أن الشعر في ليبيا بعد أن أنفلت خارج حدود الوزن والصورة الشعرية العربية، تحول إلى شعر (نواقيس وصلبان)، مشيراً لأثر بعض المطبوعات مثل: (الطليعة)، (الكتاب)، (الآداب) البيروتية، في تكوين النص الليبي، فكراً وشكلاً.

لكن السبعينات بدأت تشهد التغيير الفعلي، والتأثر أكثر، لتكون الثمانينات شكل هذا التأثر الجديد، فبعد أن كان التأثر بما يأتي من الشرق في شكل نتاجٍ أدبي (شعر، قصة، رواية)، بدأ التأثر في مستواه الثاني بالترجمات التي بدأت تأتي مواكبة للأسماء الشعرية الغربية الكبرى، والتي فتحت الآفاق ناحية معاني جديدة للصراع وأكثر فلسفةً، لتكون أسماء من أمثال: بودلير، إليوت، رامبو، بابلونيرودا، كافكا، لوركا.. وفي مستوى ثاني كتاب وروائيون من أمثال: أرنست همينجواي، تولستوي.. أهم المحركات والمكونات الجديدة.. فإن كانت حركة النص الشعري في ليبيا لم تعول على رصيدها (بفضل الأستاذ)، فإن (قصيدة النثر) نشأت بانقطاعٍ تام عن مكانها محلياً، باتجاه النموذج العربي والنموذج الغربي (مترجماً)، لذا بمجاوزة ربكة الظهور الأول في السبعينات، فإن الخطوة الثاني كانت آكد ناحية تأكيد فاعلية النص، ولو اتجهنا إلى للمجموعات الصادرة في هذه الفترة أكثر تجريباً وتعويلاً على النص، ناحية كونه الشكل الذي سيكون محل التجربة، أو الإطار العام للتجربة.. وبذا فإننا في هذه البداية سنلمح بشكل واضح سعي النص باتجاه تبني فلسفته الخاصة، كما تقدمه تجربة “الشاعر/عبداللطيف المسلاتي” باعتماده بشكل مبكر تقنية (حساب الفقرات).. ومجرد الرصد كما في تجربة “الشاعر/محفوظ أبوحميدة”، أو أن تتعدد إحالات النص، وتتجه صوب البحث في الموروث العربي بشكل واضح كما في تجربة “الشاعر/محمد الكيش”، أما النص بشكله المستقل فقد قدمه “الشاعر/عبدالرحمن الجعيدي” في شكله الخالص للنص، بينما يتحول النص إلى رغبة الخروج والثورة في تجارب الشاعرات “عائشة المغربي” و”زاهي محمد علي” وبشكلٍ مميز من خلال تجربة “الشاعرة/فوزية شلابي”.. وأن كان النص في غالبه يجنح عند الشعراء باتجاه استخدام الفقرة، أو التفقير، إلا أنه حتى هذه اللحظة ظل يعول على عمودية البناء، بحيث يخلص النص في بنائه إلى البداية والنهاية.. لكننا بالدخول إلى التسعينات نكون قد دخلنا بتجربة (قصيدة النثر) خطوة جديد.

وإن سمح لي بالوقوف قليلاً.. فإني أنبه إلى إن (قصيدة النثر) في شكلها الخارج عن الأنظمة، والطامح أكثر ناحية التغيير، كان يوازي رغبة الانطلاق لدى الأنثى، ومحاولة قفزها السور الدائر حولها، لذا فإنها آمنت بهذا النص إيماناً كاملاً، بأنه الشكل الأقدر على منحها الصوت الذي تريد، والعالم الأكثر رحابة دون قيود3.. لذا فإن عشرية الثمانينات (تحديداً أواخر السبعينات) شهدت ظهور أكثر من شاعرة.. لتقدم الثمانينات مجموعة أخرى من الشاعرات، وهكذا.. ولو قرأنا هذا الظهور من وجهه الآخر، بقراءة النص، لأمكننا الوقوف على إمكانيات (قصيدة النثر) التي تم استثمارها في كتابة النص.

أمّا لو وازينا المشهد من خارج المجموعات المنشورة، من خلال ما ينشر في الصحف والمجلات، لأمكننا التأكد من مشروع النص الجديد الذي بدأ يكتب، والذي بدأت تتأكد معالمه من خلال محاولات متميزة، لبعض الشعراء من الاشتغال بهذا النص (لعل من ميزات الثقافة الليبية إنها لا تنحاز للكتاب كثيراً، فالكثير من إرثنا الثقافي لازال موجوداً في الصحف والمجلات، حتى إننا يمكننا اعتبار أن ثقافتنا المحلية أكثر ما اعتمدت كان على الصحف والمجلات، لذا فإني أعول عليها كثيراً في قراءة المشهد الشعري في اكثر آفاقه اتساعاً.. إنه البحث عن قاعدة تضمن الأكثر لا الكثير)

وكذا كانت التسعينات، درباً أكثر إيكاداً للتعويل على هذا النص.. فظهرت مجموعة من الأسماء المهمة، في المشهد الشعري الليبي، إضافة إلى مجموعة الثمانينات (أو من بقى منهم معولاً على الشعر)، ويمكننا أن نلمس في التسعينات الخط الثاني في (قصيدة النثر)، إذ صار النص أكثر انقطاعاً عن منجزه السابق، فبعد أن كان التراث ومحاولة خلق إيقاعات تعويضية في (قصيدة النثر)، تم الانحياز أكثر للنثري، أو ما يمكننا أن نسميه (الإخلاص للنثر) باعتماد اللا إيقاع، أو حالة الإيقاع إلا متزنة. فصار الانحياز أكثر للتعويل على آليات السرد (بدا النظام السردي واضحاً عند مجموعة من الشعراء، منهم: “مفتاح العماري”، “عمر الكدي”، “حواء القمودي” وفي مستوى مقابل “عبدالمنعم محجوب”) وفي مستوى موازي الأخ بنظام التفقير وأسطر أو الوحدات (وهذا بشكلٍ واضح عند: “محمد الكيش”، “محي الدين محجوب”)، أو بالانقطاع إلى النثر أو النثرية (ويعتبر الشاعر “عاشور الطويبي” أحد أهم الأسماء)، أو النص المتعدد الآفاق، وهو يزاوج بين نظام السرد وآلية القطع والمجاورة (وهو ملمح يتفق في أكثر الأسماء، ونتمكن منه بقوة عند: “سالم العوكلي”، “عبدالسلام العجيلي”، “عائشة المغربي”)، ولعلكم لاحظتم أني أخص من الشعراء من توفر لديهم القصد في كتابة (قصيدة النثر)..

وأقف مجدداً.. خاصة مع التواجد القوي للخط الثالث (أسمح لنفسي كثيراً بجواز التسميات)، وانحيازه التام لهذا المنجز الحداثوي.. حيث تأكدت بهذه الصوت خصوصية النص بشاعره، ودوران هذا النص في ذاته، وارتكابه اليومي، بأكثر حدة وعلانية..

لكن أهم ما يميز المناخ الثقافي في بلادنا، أو النص الشعري في ليبيا، هو صفة الفردانية أو فردانية الصوت، بحيث إنك في هذا المشهد تستطيع أن تستمع لجوقة تتمتع بقدرٍ كبير من التميز على مستوى الأصوات، وفي ذات الوقت تنتظم في لحن واحد، هو شكل المحيط العام، حتى لكأننا نستطيع أن نقرأ النصوص جميعها في نصٍ واحد.

وإن كنا لن نستطيع قراءة هذه التجربة في هذه المقاربة العجول، إلا أن الغاية باستكمال هذه المقاربة هو ما يمهلنا للقاء قريب.

*          *          *

_______________________________________

هوامش:

* جزء من دراسة عن قصيدة النثر في ليبيا.

1- في هذا نشترك وتجربة (قصيدة النثر) في المغرب العربي، الذي لا يختلف كثيراً بالحال عنا.

2- في العام 1975 صدرت مجموعة (خمائل الصمت) للشاعر/الشارف الترهوني، وهي مكتوبة خارج أوزان الخليل، لكننا لا نستطيع أن نضمها إلى (قصيدة النثر) كونها أقرب إلى الخواطر، أو النثر الشعري.

3- وردت هذه الإشارة بأكثر توضيحاً ضمن الورقة المقدمة ضمن فاعليات (ندوة الكتابة النسائية في ليبيا-27-29/5/2000) بعنوان: (كيف تكلمتِ الخطاب؟).

صحيفة المشهد- تصدر عن رابطة الأدباء والكتاب الليبيين- السنة: 01- العدد: 07- التاريخ: 2-4-2003- أسبوعية

 

مقالات ذات علاقة

قراءة في الرواية الليبية.. من كتاب أكسفورد «تقاليد الرواية العربية» (2/7)

محمد عقيلة العمامي

القصة الليبية القصيرة أنواعها وخطاباتها النوعية

عبدالحكيم المالكي

ليبيا واسعة – 15 (ترفاس)

عبدالرحمن جماعة

2 تعليقان

ابوصهيب 1 أبريل, 2014 at 07:59

انتاج عبداللطيف المسلاتى ينتمى لشعر التفعيلة وليس لقصيدة النثر يا رامز.

رد
المشرف العام 1 أبريل, 2014 at 09:37

أخي الكريم.
أنا أتحدث عن تجربته في سفر الجنون

تحياتي

رد

اترك تعليق