النقد

قصيدة النثر.. الصَّوت والصَّمت وإشكاليات التَّلقي

 

سواء اختارت قصيدة النثر لنفسها زمن ظهورها ورسمت ملامحها وطبيعتها أم اختار لها الزمن لحظة الولادة والتَّمدد فخط مسارها وحدد توجهاتها، أم أرادها مبدعوها هكذا  شكلاً ومضموناً وغاية؟. تلك وغيرها تساؤلات رصدت لها معطيات فنية ونقدية تلك إجابات نراها تقف أمامنا مانعاً يحول دون إعادة طرحها أو الانشغال بها اليوم، كيف لا وقد أصبحت قصيدة النثر بوضعها الآني بما لها وما عليها واقعاً إبداعياً احتل مكانه بين غيره من الفنون الإبداعية المعاصرة.

فمنذ قرابة نصف قرن أو أكثر شرعت قصيدة النثر توطد مكانها فوق صفحة النص الشعري الحديث فشايعها مناصرون لها مبشرون بها، وانبرى آخرون يدقون طبول الرفض لها والاستهانة بطموحاتها. تلك هي قصة نشأة قصيدة النثر العربية التي ما تزال إلى يومنا تُنصب بسببها حلبات الصِّراع، لكنها مع ذلك كله قد فرضت نفسها حتى على المعارضين لها، فساقتهم إلى رحابها يشيدون بشعرائها، ويفسحون لها في دراساتهم وأبحاثهم مساحات تقترب كمًّا وكيفًا مما يُفسح للقصيدة العمودية وقصيدة التَّفعيلة.

وقد رأى كثيرون أن فعل النثريين -كما يسمونهم- ليس إلا  تنثيراً للشِّعر، وهذا فهم خاطئ غير مسندٍ ببيان، بل يتعدَّى الخطأ إلى التخطئة، إذ إنَّ الاحتكام لهذا الوصف ينفي صفة الإبداع نهائيًّا عن شعراء قصيدة النثر ويحيلهم إلى مجرَّد عالة على نتاج الآخرين يعبثون به ويفككونه ليشكلوا منه قصائدهم. ولو أخذنا القول بحسن النِّيَّة لقلنا إنَّ هذا القول باطل أثبت حقًّا، فشعراء النَّثر ـ تأسيسًا على هذا الحكم ـ أي (تنثير الشِّعر) قد تجاوزوا مرحلة شعريَّة الشِّعر إلى شعريَّة النَّثر، وبمعنى أكثر وضوحًا: إنَّهم بلغوا من التَّجربة الفنيَّة شأوًا جعلهم يجرِّبون توظيف تقنيات النَّثر بما اشتملت عليه من حِدَّة ولا مباشرة وكثافة وإيجاز على الشِّعر ليخلقوا لغة شعرية لا تعدم الإيقاع ؛ لكنَّها لا تحفل بديمومته، أو التَّعالق الحتمي بين شقَّيه (الصَّوتي والدَّلالي) وتقيم للانقطاعات والتَّعرجات قيمة فنيَّة لكنها ترفض استباحة المعنى والعدول عن منطقيَّة التَّركيب والتَّعبير والتَّصوير.

فشأن قصيدة النَّثر وأساس عملها ومنتهى غايتها يكمن في إصباغ الشِّعريَّة الدَّافئة على النثريَّة الجادة لخلق نمط جديد له شكل ومذاق خاصين ؛ ليكون الأمر أشبه بعملية التَّلقيم (التَّطعيم) للفاكهة ؛ حيث يُطعَّم صنف بآخر لغرض التَّحسين،كأن يُطعَّم الخَوخُ بالمشمش ليعطى مذاقًا ثالثًا يجمع بين المذاقين الأولين، فيمنح الطَّاعم لذَّة إضافيَّة تشعره بتجدُّد النَّكهة وانتعاش الإحساس.

وقد عدَّ كثير من أهل الشعر وخاصته تلك التحولات في النَّص الشِّعري سواء أكان في نمطه، أم في شكله ومضمونه، واتجاهه ؛ نتيجة طبيعيَّة حتميَّة لحال العصر، ومآل واقع المجتمعات، وما يطرأ على وضعها من تغيرات ترسم سمة وجودها وبيان شأنها  سموًّا كان أم دنوّاً، تقدُّمًا أم تخلُّفًا، انتصارًا أم هزيمة أو انكساراً، استقرارًا أو اضطرابًا، نظامًا أو فوضى، وضوحًا في الهدف والغرض  أم غموضًا وشتاتًا ؛ فكيف يكون لبعضهم العودة بعد ذلك لانتقاد شكلٍ شعري يتوافق مع هذه الأوضاع، أو يتقاطع مع بعضها على أقلِّ تقدير !؟

إن التَّصدي والرَّفض لأي لون من الإبداع يسير في الدَّرب ذاته الذي يسير فيه العصر أو الذي هو عليه ؛ يعدُّ نكرانًا لصلة الأدب بالمتلقي، وتأثر الحالة الإبداعيَّة بالمحيط الذي تولد فيه التَّجربة الشُّعورية وتنضج بين أحضانه.

وكان لنكسة 67  دور أساس في تأصيل الاتجاه الرمزي في الشعر العربي، وتحديد أطره وملامحه بوصفه اتجاهاً فنيًّا جديدًا شكل العديد من التَّجارب الشعرية لدى عدد من شعراء العربيَّة، بما أحدثته من صدمة نفسية وفكرية غيرت كثيراً من الأيديولوجيات السائدة في المجتمعات العربية، وأنشأت لدى الشعراء خاصة اضطرابًا نفسّياً وقلقاً وجودياً سيطر على الوجدان العربي بكامله حتى غدا وقعها (الصَّدمة) المحرِّك والموجِّه لشعوره المؤثر في أحاسيسه، المموِّل لقرائح شعرائه الذين لجأوا إلى الرمزيَّة كوسيلة تعبيريَّة يوارون بها سوءة واقعهم.

وليست قصيدة النَّثر العربيَّة بمنأى عن التَّأثر بالواقع العربي، بل هي نتاجه، واستنادًا إلى مفهوم تأثر حركية الإبداع بحالة المجتمعات، فإن وجودها في كيان الأدب العربي شأنٌ صحي وصحيح لا يمكن رفضه كونها تعاطت مع الموجود النَّفسي والاجتماعي والاقتصادي والثَّقافي والحالة غير الخاضعة لوضعية ممنهجة، وغير المحكومة بأطر مرتبة منتظمة بسبب ما عانته من كرِّ الحادثات عليها التي تزامنت مع الحقبة ذاتها بعوامل خارجية وداخلية التي شهدت ظهورها الفعلي. ” ولقد تأثر الشعراء العرب بهذا النوع الأدبي؛ إذ وجدوا فيه خلاصا من قيد الأوزان ومتنفسًا شعريًا خالصًا ومستقلاً، يواكب التحولات  الحضارية الحاصلة”1.

ولزامًا ليخلو النتاج من أي معوِّق يهلهل أو يعرقل التعاطي معه بالقدر نفسه المحفوظ للمُنتَج ؛ أن يتوافق فكر المجموع المُشتَرِك في العملية الإنتاجية (الإبداعيَّة) ومخزونه وتوجهه ليُوجِد ويُفعِل ويخدم عناصرها بالتنبيه والانتباه لماهيتها، وتحديد أطرها التي قد تكون بلا تاريخ ومكان ميلاد فيما سلف من معرفة أو اتصال ؛ ليخطَّ هذا التكاثف ومن ثم الإدراك والاستحسان شهادة ميلاد لها.

  والتَّغيُّر سُنَّة الكون التي تسري على كلِّ شيء فيه  فهو يلحق بالإنسان وكلِّ ما يتصِّل به أو ما ينتج عنه. وتتعدَّد التَّغيرات وتتنوع وتتطور وتعم لتشمل الآداب، لتُفْرَزَ أنواعٌ جديدة لم تكن معروفة أو متداولة فيما سبق لتضاف إلى رصيد الإنسانيَّة ، ومن ذلك على سبيل الإيلاء للاختصاص قصيدة النثر وما ينتج تحت مسمَّاها، وتوافقًا مع خصائصها من إبداع إنساني، وهو ما يشكِّل صلة الوصل بين الأطراف جميعها، من حيث إنَّ النَّص المنتمي لقصيدة النثر أساس لنشأة هذه الصِّلة ؛ فإنَّ التغيرات ذات العلاقة به شكلاً ومضمونًا وأداءً تترك أثرها على مرسِله أولاً، وهو ما يجعل النَّص الشِّعري بالمنظور الخارجي والقراءة الظاهرية مشبعًا بالذاتية الأحادية التَّجربة، وهو ما يضع عددًا كبيرًا من المتلقين في بؤرة التنازع القيمي والمعرفي ؛ تأسيسًا على المخزون المُعيَّن على مدَّخرات الذَّاكرة من نصيبها من الموروث أو ما التقط من مفاهيم أفرزها المطروح المتداول.

ولقد واعترضت قصيدة النثر العربية صعوبات عدة في إنبات علاقة متوازنة بالمتلقي كونه يستمد علاقته بالشِّعر من مرجعيته التي حددها في موروثه من الأدب العربي وبخاصة الشعر الذي هيمن على ذاكرة العربي وشكَّل حافظة انتمائه، وهو الذي يعتمد الوزن والقافية وما ينتجان من إيقاع ركنين أساسيين له ولنوع  العلاقة به وكيفية التعامل معه والسماع أول الكيفية لما يحدث من أنغام تطرب لها النفس وتتهادى لها الأحاسيس لما فيها من موسيقا ألفتها الأسماع واعتادها الشَّاعر وسيلة مثلى لسوق أفكاره والبوح بتجاربه وما يخالج مشاعره وينمو فيها ؛ فيخلق بذلك أثرًا يحاكي نفوس سواه، وكذلك لما تعتمد من شكل اعتمد استراحات مفصلية تفصل بين شطر وآخر وبيت شعري والذي يليه تربطهما وقفه متشابه الحروف والحركات  تكون بمثابة مفصل إيقاعي يشد وثاق النَّص بعضه إلى بعض وهذا ما ليس موجودًا في قصيدة النثر التي انتهجت بدائل أخرى لتحقيق هذا الغرض. ولم يَحُلْ هذا دون اتهامها بأنَّها ” تفتقر إلى عناصر الجرس والإيقاع والانتماء إلى أرض تراثية قومية”.2 مع أنَّه لم ينل من حضورها بفاعلية في المشهد الشِّعري العربي.

ولعل كيفية التَّعامل مع قصيدة النثر وكثرة الفجاج التي جاء منها المتناولون لشأنها رسَّخت لإشكاليات تلقيها، وحالت دون فرص التغيير أو التَّغير المفهومي للأدب عند المتلقي ليمكِّنه من التعاطي معها كما يجب أن يكون التَّعاطي مع الشيء في ذاته معزولاً عن أي مقارنة مجحفة بسواه لا تراعي الزمان والمكان وأثرهما على كلِّ شيء والإبداع، وأولياؤه أول الشيء، ولذلك ينبغي أن يحصل توافق بين متغيرات الشَّاعر المُسبَّبة بتغيرات المحيط ومَنْ يخاطبه (يُرسِلُ إليه) وهو المتلقي أينما كان.

ويُلزِم الوعيُ أن يكون التغير الحداثي ضرورة تلحق الجمع المؤلِّف لكيان الإبداع الأدبي الإنساني لنزاهة الحكم وبراءته من الخطل والجور الحكمي المبني على قصور التفكير والتنوير، والمدعم بالانحياز والمواقف الخاصة التي قد تُحمَد لصاحبها إذا كانت نيته الحفاظ على الأصل كونه انتماء وهوية دون إلغاء أو تعطيل لكلِّ جديد، ودونما النظر لمحامده لحساب الجمود وعدم المساس بالجاهز المبوَّب حتى ولو بالإضافة لتغذية التراث الذي سنخلِّفه لأجيالنا القادمة الذين من حقهم علينا ألا نترك لهم فجوة في عمر الإنسانية قد تمتد – بهذا العقم الفكري – من أول تاريخ الأدب المنتمين إليه حتى عصرهم.

وإنَّ الفصل بين المتلقي العربي وقصيدة النثر قبل اكتمال نضجها والمعرفة الحقَّة بها دونما موقف مسبق سيؤدي إلى إحداث مسخ في نموِّها وتشوُّها خَلْقيًّا في استيعابها، وهو ما تظهر علاماته في تعدد رؤى المتصدِّين لها، وهو ما أنتج تعددية التَّلقي وأشكل فهمها والعناية التحليلية المُنصِفة لها، الأمر الذي خلق بلبلة حولها أهدرت ـ في المدى الأدنى ـ طاقات إبداعيَّة جادة تحوي في مضامينها تجارب شعورية، اختار أهلوها هذا الشكل الأدبي وسيلة لطرحها على الآخر (المتلقي) سعيًا منهم في خلق ثنائيات من التجارب الشعورية، بغاية  إعانته على فهم واقعه ومشاركته إياه، وتقريب أحداثه منه بأسلوب فنِّي عبر تعابير دلالية وتصويرات جمالية يطرحون من خلالها أفكارهم، ويعرضون ما آلت إليه مشاعرهم جراء ما انعكس في دواخلهم ؛ ليدفعوه خارجًا في شكل إبداعي يرجون التفاعل معه ليتحقق هدف الأدب. وليقولوا إنه “لم يعد ممكنا أمام هذا الوعي الجديد لعلاقة الإنسان بالعالم من حوله، أن تظل الرؤية التجديدية رؤية شكلية لا تمس جوهر العمل الشعري”3

ويرصد الواقع رؤيته للعلاقة بين المتلقي والنَّص الشِّعري المنتمي لقصيدة النَّثر ويحدِّدها في أن المتلقي فيما مضى من عمر قصيدة النثر في الغالب هو متلق لم يتغير نفسيًّا في تفسيره وتعامله مع ما طرأ على الآداب من متغيرات فرضتها طبيعة العصر وظروف مَنْ يمارسون فعل الحياة ـ بغض النظر عن شكلها ـ  بتعاقب أيامه ؛ مع متغير قصيدة النثر ليستوعب مكوناتها الفنيَّة كما هي ودون اللجوء لاستحضار الذهنية المنطوية على الأنواع الأدبية الأخرى للتعاطي وفق عقد صلات ومقارنات شعورية لتذوق المادة الإبداعية وفهمها، وتحرير وجود نفسي في العالم من خلالها.. فهو لم يعش بعد حالة التَّغير التي يعيشها الشَّاعر ـ شاعر قصيدة النثر المبدع حقًا دون سواه ـ ولم يعِ أبعاد توظيف لغة النثر لخدمة النَّص الشِّعري وفي مقدمها: أن النثر لا يكتفى في التعامل معه بالوقوف عند الكلمات ؛ وإنما يحيل لقراءة ما وراءها للاطلاع على ماهيات غير ظاهرة، واستشفاف معانٍ مخفيَّة تحتاج لتكثيف الإبصار الذَّائقي لسبر دلالتها. المؤشرات تقود إلى أن المتلقي العام الذي يشكِّل زاد الحضور والانتشار لأي عمل إبداعي لا يفقه ذلك ؛ بل إنه لم يُقِم له لذلك بالاً معتمِدًا على ما أُشبع به من أفكار ذاتية المنشأ والغرض.

وإن كانت قصيدة النَّثر لا تحفل بالوزن (الإيقاع الخارجي) على أساس اللزوم ؛ إلا أنّها تحفل بهما في سياقها العام على أساس الأهميَّة التَّقنيَّة الضَّامنة لحيويَّة الوعي الفنِّي المُنجِز لعملية الإبداع وفاعليتها بما يتوافق والنَّوع، وما يحتاج من تحفيز فنيِّ يمنحها الخصوصيَّة ومن ثم القيمة،  ومن هنا يتخلَّق الوجود الفعلي للركن الثَّالث المهم في عملية الإنتاج الإبداعي برمتها (المتلقي).

ويجد  الشَّاعر في القصيدة النَّثرية متسعًا يُسهِّل مهمته في انتقاء المتجاورات اللَّفظية بغض النَّظر عن تناغم إيقاعها الموسيقي المتكافئ مع ما هو مجدول سلفًا من تفعيلات تشكل ما عرف قديمًا وحديثًا بـ (الوزن)،  ومع هذا فإنَّها تفرض عليه ضرورة أن يحسِّن انتقاء الصورة التعبيريَّة، ومن ثَمّ حُسن تشكيلها، وأن يحرص في الوقت نفسه على سبكها ؛ حيث إنَّها تمثل موسيقا النَّص، وهي التَّي تكفل له نسبته للشِّعر، لذا فإنَّ الشَّاعر المُجيد يعمد إلى الاستعارات اللُّغوية التي تمنحه بعداً دلاليّاً أوسع يختلف عن البعد الظَّاهر، ويستعصي على القراءة السَّطحية، ويُحفِّز على القراءة العميقة التي تدفع باتجاه استنباط المعاني واستخراجها من أصدافها، مما يساعد على الكشف عن عمق الانفعال الوظيفي الذي قاد الشَّاعر إلى هذه التَّجربة الشِّعرية، التي تمخضت عن نتاج إبداعي طرحه في طريق مفاهيمنا، لنعيش الحالة ذاتها، مما قد يمنحنا القدرة على إنتاج نصٍ موازٍ لإبداعه من خلال التَّحليل والتَّعليل، دون أن ننسى أن براعة الشَّاعر في الاستخدام اللغوي في قصيدة النَّثر بخاصة تقع بمثابة العلامة الدَّالة، والمحور الارتكازيّ لأي تفسير لفظيّ يستشف بدعم من سواه، ويتحقق هذا بتحقق معرفتنا بأنَّ التراكيب اللُّغوية هي « تلك التعبيرات التي يمكن تحليلها على أسس شكلية بوصفها شاملة لحقلين دلاليين »4   ولسنا بمنأى عن الصواب إذا فهمنا أن كلَّ ما يستعان به لتجسيد فكرة، أو تكثيف معنىً يدخل في نطاق الاستعارة « فالرموز والعلامات والإشارات هي في جوهرها محركات استعارية »5.

    ويمكننا إذا ما سرنا  في طريق مغاير (حداثي) لخلاف ما في الذاكرة من موروث ذي علاقة بالإيقاع الذي يكون (الوزن) مسبِبًا له، وهو السِّمة البارزة المبرَّزة في الشِّعر، أنن نصل إلى إيقاع خفي تمتد جذوره إلى التجربة الشُّعورية لينصهر في كلِّ مكونات النَّص الشِّعري، ويدفع المتلقي  لبذل جهد مضاعف لاستنباط آلياته وتحديد اتجاهاته كونه ليس محكومًا بمعايرة وزنيَّة (تفعيلة) ؛ وإنما بانفعالات نفسيَّة تشكِّل حلقة الوصل بين (المُرسِل والمُرسَلِ له وما أرسِل ).

فالكلمة المُحكمة التوظيف تعدُّ من أهم مقومات الطَّاقة الشِّعرية، وبها – وبالتلاقي مع سواها – تتولد معانٍ لم تكن لتوجد بدونها، كما أنَّها تمثل الأسلوب الأنجع، الذي يُرسَمُ به الحد الفاصل بين القدرات الإبداعية، فليس بإمكان غير الشَّاعر، أو من يوازيه من مالكي الملكة الإبداعية، أن يخلق معنىً مرادفاً للمعنى الأصلي، ومغايراً له في الوقت ذاته، وهو ما يترتب عليه حدوث إيقاع.

وكذلك الأفعال الموظَّفة بنحوية ودلالية مغايرة كتضمين المضارع زمن المستقبل، وتحميل الأمر معنى الرجاء الاستعطاف وكلُّ ذلك مُنتِج إيقاع وشاحن له والمتلقي الجاد سيمكنه استخلاصه والمكث في دائرة أثرة..

وتفضي محاولات البحث إلى تمَثُلِ أشكال إيقاعيَّة مستنبطة من قراءة النَّص الحديث (قصيدة النثر)، والوقوف بشيء من قصدية الطرح على رؤى مستخلصة من مضمون العمليّة الإبداعيّة، وإشعاعات هذه العملية التي تشيِّد مرافئ للاستئناس ومن ثم الفهم،:

علامات التَّرقيم:

يُلجأُ لعلامات التَّرقيم في الشِّعر الحرِّ، وكذا الحال بالنسبة لقصيدة النَّثر، لتمنح القارئ دلالات أعمق تعجز القصيدة عن طرحها عبر ما تعتمد عليه من كلمات، يكمن والغرض من استعمالها تقوية الخطاب بامتصاص ما فيها من إشارات تعين في ترسيخ الدَّفقة الشُّعوريَّة، وتفتِّح وتجسِّد معان أوسع يكون المتلقي أكثر تكثيفًا وتشعبًا لمدلولاتها من المبدع نفسه الذي يكون حبيس فكرة معينة حدَّدها انفعاله مسبقاً ؛ أمَّا المتلقي فهو صاحب أفق تأويلي تخييلي ينفتح على كلِّ الاحتمالات، منها ما قصده الشَّاعر، ومنها ما لم يقصده، وبذلك تتحقق الرؤية المشار إليها آنفاً المتمثلة في قدرة المتلقي المتمرس على إنشاء نصٍ جديد موازٍ للنَّص الأصل بما يستخرجه من معان عبر تعاطيه مع ما يحمله النَّص المقروء من بني الإيقاع واحد منها.

الشَّاعر (عبد اللطيف المسلاتي) أخرج خلاصة تجاربه الشُّعوريَّة التي أسهمت معايشته لواقع ينفر منه في تغذيتها في تجربة شعريَّة تختلف عن المطروح من حيث البناء الخالي من الإيقاع الخارجي، ليعوِّض عنه بآخر داخلي عبر مقاطع متتالية انتشرت على مساحات محدَّدة من بياض الصَّفحات، ومنها قصيدة (شخوص الهزيمة)6  ، التي يقول فيها:

(1) في الزمن الثالث تأتي الفاجعة

وملوك من النسوة يأتمرون!!

(2) إن تجهر بالقول تحاصرك الظُلمة..

تصفعك الرِّيح الهمجيَّة ؟!

تتورم قدماك من الركض..

(3) وقد تذهب ريحك !!

قبل بلوغ القافلة الرُّشد؟

……

………..

(4) يراودني حلم:

أنَّ الأرض تُقاوم، تزأر، وتثُور..

…..

 (13) ما أشقى الإنسان بلا وطن…

ما أفظع هذا الوجع !!

أضحى بدهيٌّ أن يحتدم النقاش حول الشِّعر بصنوفه جميعها قديمها وحديثها لكنه بات يفضي إلى نتيجة متفق عليها بتفاوت مفادها: إنَّ الإيقاع للشعر ضرورة وتأثير العصر على الإيقاع حقيقة كون الأطراف كلَّها خاضعة للزمن وما يُلحِقه من تأثيرات، ولفرضية الانفعال مع  ما يمرُّ من أحداث وما تنتجه من شحنات تحرِّك الشُّعور فيتعاظم وقع الأثر ليؤسس لحالات نفسيَّة تتجاذب، وتتنافر مع ما هو كائن من أفعال سواء أكان منطلقها خاص أم عام ؛ لأن مصبها – لزامًا – أن يكون واحدًا، وإن تعددت المجاري باعتبار المشاعر والأحاسيس مُكوِّن فاعل في الوجود الإنساني، ومحرِّك لتعامل الفرد مع ما يلاقيه، والفرد مع المجموع. ولا يعني هذا أن الأحكام تتوافق في الدرجة وتتزامن في التقاطع مع المؤثِّر وتتوحد في نوعية الاستجابة ومعطياتها، فلكلٍ مستوى في الوعي والثقافة والإحساس والتَّأثر، ومهما تكن الحالة فإن مُحدِثَ الأثر ومموِّلَه (النَّص الشِّعري) يوحِّد بين المتلقين في التذكير بالتَّجارب الشُّعوريَّة واستنهاضها لتتقاطع مع تجربة مبدِع النَّص، ومن ثمَّ تعبِّر عن موقفها منه رفضًا أو قبولاً. فالحراك الشعوري منتجٌ للوعي بالقيمة الفنيَّة للمطروح، وتفعيلُه رهنٌ بآليات الطَّرح وكفاءة الطارح في توظيفها ؛ لتحاكي الأعماق فتهز الوجدان، ومن ثَمّ الاندماج في العملية الإبداعية بالانفعال الشعوري مع ما تعكسه الشِّعرية المتواترة من أثر، وما ينضجه الإيقاع من تكافل بين تخييله وما يريده المبدع وما يُعبر عنه النصَّ. كما أنَّ له (الإيقاع) إسهامٌ مشهود في تحديد الموقف بحكم أنه الخالق للتوترات النَّفسيَّة بالإيحاء والتَّوقع…

الصَّوت:

هو أول حلقات الكلام ؛ إذ إنَّ من مجموع الأصوات (الفونيمات) تتكون الكلمة، التي تؤدي مع مجاوراتها إلى خلق المعنى وتعدده، وأهمية المبدع تتجلى في كيفية نظم هذه الأصوات لتؤدي الغرض الفني الجمالي الذي لزامًا أن يختلف عن العادي المتعارف عليه. إن لمسألة تجانس الأصوات، أو تنافرها في الكلمة الواحدة، ومن ثمَّ في الجملة، وما يمكن أن يوحي به ذلك، ومن هنا يكون لها تأثيرها الحتمي في تشكيل الإيقاع، الذي يُرشِدُ إلى فهم العمل الفني، واستيعاب أبعاده ودلالاته من توازن، وتقابل، وترابط… ومن ذلك ما ورد في قصيدة (عندي من التَّسبيح فاكهة) للشَّاعر (خالد درويش         )، حيث يقول:

لا تسرعي وقتي ووقتك للسَّلاسل

خطوُنا، تحت الغريق بريق

عسجدةٍ ليغرق أو لِيَنْفِقَ إن تأمل في سمائه نحونا

رضع الفطام وصام عنا لا يؤده

جزء تبدد كالأرامل

لا وقت للوقت ارتئي حلمًا

لكي نعاود حُلْمَنا

لا روح للريح المسافر قبل حبك. ليلُك السفر المريد

بلا أيائل يجتاحني كزكام

صيف أو بريد ساهر عرف الدروب ولم يحاول

طوبي لمن قادته عيناك ثانية  ويصبح البحر الأرومة

والسؤال بلا فواصل7

تكشف القصيدة عن الحالة النَّفسية للشَّاعر المتقاطع مع واقعه، فهو غير راضٍ عنه، وفي الوقت نفسه ليس بقادر على التَّخلي عنه، وهو ما يجعله يبحث عن السَّير في دروبه عمَّا يمنحه الاستقرار النَّفسي لكن دون جدوى، ويغذي ذلك المستوى الصوتي المنبعث من تأثيرات حرف (السِّين) الذي يدل على الديمومة الحركية بدءًا من العنوان ؛ فالتَّسبيح حركة مستمرة، وكذلك السُّرعة، وتتالي السلاسل، والسَّفر، والعسجد الدائم البريق، والسماء الفضاء اللامتناهي، والسَّهر، والبحر، والسؤال الذي بلا فواصل…قد شكَّل هذا التوالي في الاستخدام الصَّوتي ترنيمات متتابعة تقحم المتلقي في النَّص وتجعله مكمِّلاً له بوعيه بمحتواه وانتباهه لمدلولات كلماته وتراكيبه، وهو غاية التَّجربة التي لن يصل إليها المتلقي إلا بتبني الوسيلة المعينة (الإيقاع) الذي كانت الكلمات وما تتألف منه وما تؤلفه وسيلته..

ويعدُّ التِّكرار عنصرًا بارزًا في الإيقاع، بل إنَّه يشكِّل في بعض النُّصوص إضاءاته الدَّالة عليه، وأساس تكثيفه لخلق توتر شعوري يتوازى مع المد التَّصاعدي للانفعالات التي تحدثها الدَّفقات الشِّعريَّة المتوالية. وهو متنوع بين المفرد والمركب، وبين الحسِّي والمعنوي. وأنموذجه في قصيدة النًّثر قصيدة (النَّوافذ المغمضة) للشَّاعر (سالم العوكلي) التي يقول فيها:

ألف مرَّة

فكَّت ضفائرها

ونشأت قميصه المدنى

ألف مرَّة.. ولا يعود

ألف مرَّة

كانت وحدها

وحدها في النَّافذة

ألف مرَّة

طرَّزت فاكهتها

بالحناء.. والرَّعد

لقد كرر الزمن (المعنوي) ليعطي دالاً حسيًّا تكشف عنه الصُور المتتالية التي تكشف عن حالة انتظار تجلَّت معالمها في مراسم الاستقبال؛ بدءًا بفك الضفائر لإعادة ترتيبها…

  وكذلك قصيدة (سلالم) للشَّاعر (عاشور الطُّويـبي) ضمن قوله:

هنا سلم يؤدي إلى حانة الغرباء

 هنا سلم يؤدي إلى مأدبة الفقراء

هنا سلم يؤدي إلى ساحة فارغة

هنا سلم يؤدي إلى مقصلة نشطة

هنا سلم يؤدي إلى غابة مقفلة

  فالتَّكرار – هنا – خالق تفاعل تصاعدي يتوافق مع درجات السَّلم صعودًا، فينتقل بنا من مكان إلى آخر أعلى في الارتفاع حسيًّا، وأشدُّ في الوقع معنويًّا…

السَّرد والحوار:

لقد اعتمدت قصيدة النَّثر – بحكم صلة الرَّحم النَّوعية بالنَّثر- على السَّرد مستفيدة من خاصيتها في بنيَة النَّص ؛ فكانت لبَّ انشغالها واشتغالها. والحوار جزءٌ من السَّرد وللسرد فيها إيقاعاته. ويكثر استخدام شعراء قصيدة النَّثر لهذه التقنية. من ذلك قصيدة (تأمل) للشَّاعر (عاشور الطويـبي) الذي يقول:

ثلاثة

في جحيم الشَّمس

الخائبة تحركوا

فرَّت الاتجاهات

وبامتداد المغامرة

تراجعت أصواتهم مع الرِّيح في الصَّحراء

تشتت الرَّمز

انغلقت الإشارة

ألقى للنسيان وجه طفولته البعيدة

وتمدَّد على جسد النَّشيد الفحم

والوقت بالباب يحمل زوَّادته من الورود والنَّخيل

وواد يحفر في التُّراب مجدًا زائفًا

على أطرافه تهليلة عرس آهات عبيد8

يسيطر السَّرد على أسلوب الشَّاعر في طرح رؤَاه عن انقطاع ليبقي على صلة تلقينا لنصِّه في ترقُّبٍ مستمرٍ حتى بلوغ النِّهاية…

استنطاق الفراغ:

من العلامات اللافتة في التَّجريب في الشِّعر المعاصر علامات (البياض) الكامل، أو علامة التَّرك… وهذه مناطق صامتة. ويفعل الشَّاعر ذلك عن قصد لخلق مساحة نصيِّة كبيرة أو صغيرة دون إعمال السواد فيها كي يدعم نصَّه قوة تعبيريَّة إضافية قد تكون بلاغة الصَّمت فيها أقوى من بلاغة الكلام، وبغيته من وراء ذلك إشعال جذوة التأويلات عند المتلقي، وتعميق الدِّلالات لأبعد درجة يمكن أن يصل إليها خيال المتلقي بما يقيم الصِّلة بين الامتلاء والفراغ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، قد يكون ذلك – عند بعض الشُّعراء- عجزًا عن الإتيان بما يكمل الصُّورة كما ينبغي لها، فيترك فراغًا وهو يُدرك أنَّ المتلقي (المبدع) سيبذل جهدًا لإكماله بما يتوافق مع تجربته الشُّعوريَّة. وبهذا يستنطق الفراغ بعد أن يحوّل إلى دفقات شعرية تواكب فكرة النًّصِّ ومغزاه.

وهناك البياض الخالص الذي يعمد الشَّاعر في إنشائه إلى ترك مساحة قد تصل إلى نصف صفحة، وربما إلى صفحة كاملة تسبقه أسطر، وتليه أخرى بغض النَّظر عن كمِّها، وهو تعبير يلجأ إليه بعض الشُّعراء لتصوير الحالة النَّفسية لديهم ؛ إما على أساس الانقطاع، وإمَّا الاغتراب المكاني، أو الزَّماني الذي استوجب التَّجاوز. وهو ما يدخل في باب الحذف الصَّريح، مثله مثل التَّرك… وأنموذج الحذف الصَّريح قصيدة (التِماعة) للشَّاعر (أحمد بلُّو) حيث يقول:

يليق بجرحك الآن النَّزيف

وبالتَّباريح القديمة والجديدة هذه الشُّهب

المضرجة الحروف

يا بلادًا أغوت القلب المكبَّل بالأسى…

ومضت تعدُّ القبر مهدًا…،

للَّذي أفضى بسرِّ شغافه للغيمة الحُبلى…

وأحلامِ العصافيرِ الصَّغيرة

وارتطامات الندى عند الهطول…

فأرَّقته الأغنية

…9

ومن أنماط الفراغ – أيضًا – الحذف الإيحائي المتمثِّل في حذف معنى المعنى  الذي يُستدل عليه بالانقطاعات الفجائية في مدلولات الجمل، مما يوحي بفقدان معانٍ كان ينبغي أن تكون حاضرة لتربط المعنى الإجمالي، وتتمِّم الفكرة، ويتمُّ ذلك بالإلحاح النَّفسي بضرورة استدعاء الغائب إلى فضاء الحاضر المحدِّد لأطره. وشاهـده قصـيدة  (مُباغتة)  للشَّاعر (عبد اللًّه زاقوب) في قوله:

تسري بي رعشة كحشرجة الكهرباء

اللَّحظة. يبتدئ الجرح بالانفساح

تفوح رائحة الدَّم خائرة.

وللحذف الإيحائي دوره في صنع الإيقاع بما يحدثه من انعطافات تولِّد انعكاسات نفسيَّة تستثير الفكر الذي يولِّد معانيَ مرادفة للتجربة الشُّعورية للمتلقي.. ومن أمثلته قصيدة (جاء الآن دور قلبي) للشَّاعرة: فوزية شلابي؛ إذ تقول:

لكم

يبدو

 المصباح

كبيرًا. في مسرح الممثل الواحد.

يا إلهي. ما هذا الرَّجلُ الضَّخم الجثَّة؟

إنَّه يضحك. يدلف في الفراغ.  إنَّه

في

الحفرة

يعوي

هكذا

هل أضع النقاط على الحروف. هكذا:

واحدًا

فواحدًا

فواحدًا

ستاره. انتهى التَّجريب.

جاء الآن دور قلبي:

مخروطي الشَّكل

صغير

حساس جدًا

وشهواني10

الفراغ والامتلاء (الحذف الصَّريح) = (السواد والبياض)، والسواد يحتفظ بظاهرية الزمان والمكان عبر الأفعال والظروف التي تشكل الزمن الفيزيائي ؛ أمَّا البياض فلا زمن له في ذاته إلا أنَّه خلاَّق زمن، وهو الزَّمن النَّفسي الذي يعكسه البياض على مشاعر المُتلقي وأحاسيسه، فتتكون بأثر منه التَّجربة الشُّعوريَّة للمتلقي، الذي يبادر إلى تكوين معناه المؤول والمستشف من تحليل دلالات المساحات البيضاء في النَّص تأسيسًا على العلاقة بالسواد، وما تمنحه من إيحاءات. كما أن الاستفهام، والشَّرطة يشكِّلان فراغًا ظاهريًّا، مشبعٌ بالامتلاء الباطن الذي يقع على المتلقي عبءُ إبرازه.

التَّشظي:

بالنَّظر في الواقع العربي المعاصر لا نرى غير تصحُّرٍ يطغى على مساحة الوجود العربي التي كانت في يومٍ وارفة الحضور، وكان عطاؤها كما ظلِّها يغطيان الكيان الإنساني بأكمله، لكنَّ الحال تبدَّل، وانشطر الكيان إلى كيانات، وكل كيانٍ يصارع داخله فعمَّ التَّشظي كيان المجتمع العربي، ومن ثمَّ انعكس على إبداعات شعرائه. وبما أنَّ قصيدة النَّثر العربيَّة ولدت ونشأت في أحضان هذا الشتات المجتمعي ؛ فحتمًا ستنال نصيبها مما اعتراه، لذلك كان التَّشظي ملمحًا بارزًا من ملامح تكوينها، وخطًّا بيانيًّا من خطوط  التَّجريب المتعدِّدة في الشِّعر المعاصر. واللاغرضية تشكِّل السبب الفني الأبرز لظاهرة التَّشظي ؛ حيث إنَّ النَّص الشِّعري لا يقف عند غرض محدَّد كما هو الشَّأن مع الأنواع الشِّعريَّة الأخرى. ويمكن أن تصلح القصائد ذات القيمة الفنية جميعها نماذج لذلك. ومن عينة ذلك قصيدة (اللَّهب) للشَّاعر(عاشور الطُّويـبي)، حيث استخدم (القلب) بوصف وظيفة لتكثيف الدِّلالة. إذ يقول:

ثمَّة ماء

يتقلَّب،

يهتز

وأسماك ترقص.

ثمَّة شمس

تقترب،

وتتدلى

وظلال تنوح11

 

المجاز:

المجاز صمت في ظاهره إذ إنَّه خلاف الحقيقة، صوت في باطنه عبر ما يقود إليه من دلالات ومعانٍ بما يُستخدَم من كلمات تعتمد في تكوينها على الأصوات. للمجاز أهميته في العملية الإبداعيَّة للنوع (قصيدة النثر) التي تطمئن إلى التغريد خارج إطار الحقيقة كي تصل إلى حقيقة ذاتها، فهي التي تتنفس بالحسيِّة الشَّاعريَّة، بينما تتغذَّى من معين النَّثر الذي يبحث عمَّا خلف الكلام، لا عن الكلام ذاته.

والمجاز صانع تأويلات تخيلية حاثَّة على الولوج إلى أعماق ما يطرحه الشَّاعر من أفكار تتطلب تعاملاً مع ما تشعه من رؤى تشكلِّ أساس التَّداعي ومتوالياته بوساطة اللُّغة الشِّعريَّة  المتبعة. وينبئ التَّخييل في الجملة الشِّعريَّة عن إيقاعات متعرِّجة تحفِّز المتلقي ليتتبع دروبها، ومن ذلك قول الشَّاعر (السُّنوسي حبيب) في قصيدته (توأمة):

الفكرة والكُفْرَة

توأمان للروح يلغيان التَّشابه

يضيآن وجه الزجاجة ويلتمعان

هذي الكُفْرَة قطرة ماء في طرف الكأس

ولطخة حبر في خاصرة الكرة الأرضيَّة

وسام يعقل ركبة عاشقها بالحبل

الجنة فوق كثيب الرمل12

وكذلك قول الشَّاعر (محيي الدِّين المحجوب) في قصيدته (كلُّ يومٍ):

أنا الذي شيدتني الأرصفة

عاجز عنك

أقود إليك سواقي وهمي

وما أملته رغبتي

ما كنت في رونق التَّمني

لأفقد عباءة وقاري

وألهث خلف طيف أو سراب

ما كنت لأراوغ أحلامي

كأني في بوحي قابل للذبول13

الرَّمز بوصفه إيقاعًا:

لحدس الشاعر ومهارته في استشفاف ما وراء الظاهر الحسي لبيان الباطن النفسي ؛ شأن كبير في خلق الصورة الرمزية وبعث إيحائها، من خلال استنباط العلاقة الخفية بين الرمز والمرموز، فـ ” الشيء الذي تمثله الكلمة أو ترمز إليه فهو مرموزها “.14 وهذا التشابه هو العامل القوي في عقد الصلات، وإدراك الغايات، فطرفا الرمز لا يؤديان الغرض الفني المأمول منهما، والمفروض عليهما، ما لم يكشفا عن مدى التقارب بينهما ونوعه، سواء ما يُسْتلهم بالحواس، أو ما يُقرأ من المعاني، وهذا هو الأقوى لما لـه من دلالة على عمق التَّجربة الشُّعورية للشَّاعر، مضافا ً إليهما ما تختزله ذاكرته من معلومات، يسحب منها ما يشاء وقتما يريد، مدعمة بما يملك من قدرات تخييلية، تمكنه من إضفاء أبعاد عميقة، وتأثيرات بليغة تدعم إبداعه وتفرضه. فإن ” غاية الصورة الرمزية ليس فقط أن تجلو إحساس الشاعر أو فكرته، بل إنها سابقة على الفكر والشعور”.15

إن الرمز يمتاز – وينبغي أن يمتاز –  بالحرية ؛ فهو يأبى أن يُقوقع في قالب واحد ليؤدي معنىً واحداً فقط، أو يلبس ثوباً واحداً لا يحق له خلعه، فيكون ملازما ً له معروفا ً به، بل هو تابع للناحيتين الفنية والجمالية اللتين يفرضهما اتجاه الإبداع الشعري وقصده، فالنار مثلا ً تكون رمزا ً للدفء عند شاعر، ورمزا ً للعذاب أو الهلاك أو الدمار، عند شاعر آخر، ورمزا ً للإعلام والهدى في استخدام غيرهما. وهذا ما جعل حضوره في الشَّعر الحديث لافتًا، ويتمتع في قصيدة النَّثر تحديدًا بقيمة عالية يُعتمد عليها اعتمادًا بيِّنًا في نسج الصُّور الشِّعريَّة. وإحداث الإيقاع الذي يرفع وتيرة التأثير النَّفسي ويوطِّد الصِّلة بين النَّص والقارئ. ومثاله قصيدة (الشَّاعر نيرودا وقنديل الدَّم) للشَّاعر: علي صدقي عبد القادر التي يقول فيها:

بيت في تشيلي يجري خوفًا، عند الشَّاطئ

يبكي. يتعثَّر. يغرق في البحر

كل الأطفال هنالك. ترفع إصبعها: لا

لم ترضع ثديا. لم تغمض جفنا للنوم

ومواني (تشيلي). ترحل في أعناق طيور البحر

سقطت عطشى في آبار منسية

نيرودا لم يصمت. مازال يغني. يحمل قنديله

يعطي الحب . الخبز. العيد للناس

من بين أصابعه تبني الدنيا. حجرًا حجرًا

ويتخذ من الحجَّاج رمزًا لطرح رؤاه التَّصادمية مع الواقع، فيقول في قصيدته (ويفرُّ.. الحجَّاج.. من قبره):

وجه أبي في إطار صورة البيت، وفي وجه الصِّغار

صاح: حاذروا من الحجَّاج. قد فرَّ من الأكفان

من حارس قبره من الأحجار

فتشوا عنه عساه كامن بأصبع الحاكم،

تحت ضرسه المسوس المنهار

فتشوا، لابد مندس بابط واحد من التتار

أو بنعل آمر جبار

فتشوا، (الحجاج)، من أكفانه فر باسم مستعار16

___________________

1- إيمان الناصر: قصيدة النثر العربية التغاير والاختلاف، دار الانتشار العربي  ـ بيروت ـ لبنان، ط1/2007م، 87.

2- د.محمد حمّود: الحداثة في الشعر العربي المعاصر. بيانها ومظاهرها، الشركة العالمية للكتاب، دار الكتاب اللبناني ـ بيروت ـ لبنان، ط1/1986م، ص 185.

3- ساندي سالم أبوسيف: قضايا النقد والحداثة. دراسة في التجربة النقدية لمجلة شعر اللبنانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ لبنان، ط1/2005م، ص 115.

4- جيرارد ستين: فهم الاستعارة في الأدب مقاربة تجريبية تطبيقية، ترجمة: محمد أحمد حمد، المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة – ط1/ 2005، ص 50.

5-  إبراهيم محمود: الثقافة العربية المعاصرة (صراع الإحداثيات والمواقع)، دار الحوار للنشر والتوزيع – سورية ط1/2003م، ص 188.

6- ديوانه: سفر الجنون 1، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ـ طرابلس ـ ليبيا، ط3/1985م، ص 77. ونشرت في مجلة الفصول الأربعة، العدد ()  سنة 1975م، ص 86.

7- ديوانه: عندي من التَّسبيح فاكهة، منشورات اللجنة الشَّعبية العامة للثقافة والإعلام، ط1 / 2007م، ص 37/38.

8- ديوانه: أصدقاؤك مروا من هنا، مركز الحضارة العربيَّة – القاهرة – ط1 / 2002م، ص 44/45.

9- ديوانه: متاح لك الآن ما لا يتاح، الدَّار الجماهيريَّة للنشر والتَّوزيع والإعلان – بنغازي- ط1 / 1999م، ص 17

10- ديوانها: فوضويًّا كنت وشديد الوقاحة، المنشأة العامة للنَّشر والتَّوزيع والإعلان – طرابلس- ط1/1985م، ص 9/10/11.

11- ديوانه، قصائد الشُّرفة، مطابع جريدة السَّفير – الإسكندريّة – مصر، د.ط/1993م، ص 30.

12- قريبًا من القلب ، منشورات مجلس تنمية الإبداع الثَّقافي – ليبيا –  ط1/2004م. ص 5/7.

13-  مجلة: الفصول الأربعة، تصدر عن رابطة الأدباء والكتاب في ليبيا، السَّنة 21/ العدد86 / 1999م.، ص 158.

14- نور ثروب فراي: تشريح النقد، ترجمة وتقديم: محي الدين صبحي، الدار العربية للكتاب – طرابلس – ليبيا، د.ط / 1991، ص108

15-  د. محمد فتوح أحمد: الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، دار المعارف، ط2 / 1978، ص 344

16- ديونه: ضفائر أمي، منشورات دار مكتبة الحياة – بيروت- د.ط / 1979م، ص 55/56.

مقالات ذات علاقة

فرج العشة يلفظ الزفرة الأخيرة للمثقف الليبي

المشرف العام

تأملات في الأدب الليبي المعاصر وگلمات بضفائر الشمس

المشرف العام

الغزالة…

المشرف العام

اترك تعليق