شعر

قصيدة إلى طرابلس الغرب

جرحان..

إيقاع المدى..

والخاطر المفتون.

جرحان..

ذاكرتي التي تهمي،

وجمرٌ في اشتهاءات العيون.

جرحان يا قلبي

وصمتُك حائط يعلو

لماذا كلما انتابت حديقتك اختلاجات الندى والعشق

سربلَكَ السكون؟

أختار من بين اللغات: الصخرَ،

من بين الجهات: الفقر.

من بين المرايا:وجهَها.

ويسيل درب من ربى قلبي إلى ميعادها

في ساحة للحلم إبّانٍ الهطول..

ليكن حضوراً قاصماً..

ولتجرف الريح العفية ما تبقى من صراخ يابس في الأرض،

ولتعصف غيوم الوجد بالأشعار..

ها هنا انشقت غيوب عن هبوب،

فانجلى عن كل عين حاجب.

عن كل قلب ليلة.

وهنا ازدهى في نبضك الدّامي

أريج من صهيل الحلم،

وانداحت سهول خصبة،

فهفت إلى النبع الطفوليّ الرهيف رصانة الأحجار..

*سبحان من خلق النساء*

وأضرم الإيقاع في أجسادهن،

وسبحان الذي لا يكتئب..

قال السجين وقد تلفع بالحنين وبالحسب.

وتهاطلت في القلب جدران الأزقة والحواري والقباب.

وتقاطر الصنّاع.

أينعت المطارق في الأكفّ،

فأزهر الإيقاع

أيقظني..

وكان النبض موصولاً بمن رفع السقوف،

وموغلاً بالصبح في جسد المدينة وهي ترفل في الأيادي.

يا أبي…

واستغرقتني في جنون الطرق حمّى القارعة..

(الحلم يا محبوبتي زادي

دم الرؤيا الذي أحيا به،

موتي وميلادي.

والحلم ميعادي،

وذاكرة الهوى المخضرّ في وجه الخريف

والحلم لم يصهر دمي صهراً،

ولم يشهق عميقا في يدي جرح الرغيف

هذا اعترافي،

فاشهدي)

لمدينتي يتهدّج الحرف العنيد

وبطيبة الصناع والفقراء يختلج النشيد…

مسّت يدي- في الصبح- خاصرة المدينة،

فاستفاقت في المواعيد الندية (كوشة الصفار).

وارتحلت بي الصبوات

حين تفتقت في (زنقة العربي) شمس- طفلة

وانشق باب عن قوام عامر بالخوخ والنوار.

البرق..

يا لأناقة التكوين، يا لعراقة الأسرار.

البرق قد يأتي من الحناء

إذ يتفتح الصبح البهيج على أصابعهن

باقات من الضحكات والأشعار..

ومن البخار الصاعد الموار أزمنة تطل وتختفي

في كل منعطف ودار..

وفتحت صدري- عبر باب البحر- للريح التي تنحل

فوق الشاطئ الصخري في الزبد الكثيف..

البحر حين تخضّه الأشواق،

والصياد حين يؤوب،

محتدمان في قلبي إلى حد النزيف..

أمضي..

تسير بجانبي الطرقات والأقواس والدور العتيقة،

تحتويني في المساء نقاوة المشموم والأطفال

إذ آوي إلى مقهى بباب البحر.

سيدتي تطل الآن من شباكها

وتذوب في ريقي

حليب صوتها

ورموشها تنساب في لغتي

إلى أن لا يصير القيظ تحت جنونها قيظا.

أشم عبيرها ينثال من حجر،

وأرشف سلسبيلا من تفتحها.

ويعصمني من الإغراق في الرمز

أشتعال علاقةٍ ما بين قهوتها وطيب ضفيرتيها.

إنني أمشي على حد الزمان الصعب تفعمني

اختلاجتها.

وأشهدني محاطاً بالبهاء

كأن سيدتي استفاضت من كيان الصمت

وانداحت مع الأنفاس في جسد الهواء.

فسبحان التي فتحت خزائنها لمن يحتاج،

سبحان التي أسرت بعاشقها إلى لغة الندى

والارتواء.

زبدٌ هدير القحط- سيدتي- إذا اخضل اللقاء..

الليل والطاعون والباشا وجند الانكشاريين/ ماذا

يتركون؟

حطت على رأسي المدينة كفها الزيتي

فاشتعلت على صدري الحبيبة بالغناء:

إن البيوت كثيرة

والسقف واحد..

والأمنيات جريحة

والقلب صامد..

والكادحون تناهبتهم غابة الإسمنت

غول هائل

والنفط- لو أدركت- شاهد..

فأرقص إذا ما شئت أن يبقى الهوى حياً

على إيقاعه الصاعد..

إن المدى واعد..

إن المدى واعد..

مقالات ذات علاقة

لا تلوموا الموت

سراج الدين الورفلي

في غرفتي بحر

منيرة نصيب

أحنُّ للعبةٍ

حسن أحمد إدريس

اترك تعليق