ترجمات

قصة أسناني

من بداية رواية ” قصة أسناني “..للمكسيكية الشابة فاليريا لويزيللي..valeria luiselli
.ترجمة :مأمون الزائدي

قصة أسناني
انا افضل دلال في العالم، ولكن لا أحد يعرف ذلك لأني من النوع الكتوم . اسمي غوستافو سانشيز سانشيز، على الرغم من تسمية الناس لي الطريق السريع، بمودة كما اعتقد. يمكنني أن أقلد جانيس جوبلين بعد كأسين من الروم. و يمكنني تفسير كعك الحظ الصيني.يمكنني أن اجعل البيضة تقف مستقيمة على الطاولة، كما فعل كريستوفر كولومبوس في الحكاية الشهيرة. وأعرف كيف أعد حتى الثمانية باللغة اليابانية: إشي، ني، سان، شي، غو، روكو،شيتشي،هاتشي. كما أستطيع أن أطفو على ظهري.
هذه قصة أسناني، اطروحتي عن بعض المقتنيات والقيم المتغيرة للأشياء. مثل أي قصة أخرى، تبدأ هذه القصة بالبداية؛ ثم تصل الى منتصفها، ثم تجيءالنهاية. والبقية، كما يقول احد اصدقائي دائما هي مجرد أدب: مبالغات ، تلميحات،تعميمات،استعارات،واغفالات. و لا أعرف ما يأتي بعد ذلك. ربما العار، أوالموت، وأخيرا، الشهرة بعد الموت . عند هذه النقطة لن يكون بإمكاني أن أقول أي شيء كراوي متكلم . وسأكون رجلا ميتا، رجلا سعيدا، بشكل أحسد عليه.

يحالف البعض الحظ، و يملك البعض الكاريزما. وأنا عندي القليل من الاثنين على حد سواء. فعمي، سولون سانشيز فوينتيس، وهو بائع يتعامل في ربطات العنق الإيطالية ذات الجودة العالية ، كان يقول لي أن الجمال والقوة والنجاح المبكر تتلاشى كلها ، وتصير عبئا ثقيلا لمن يملكونها ، لأن احتمال خسارتها هو تهديد بإمكان عدد قليل أن يستطيع تحمله. لم أقلق بشأن ذلك أبداً، لأنه لا يوجد شيء سريع الزوال في طبيعتي. لدي الصفات الدائمة فقط . لقد ورثت كل ذرة من كاريزما عمي سولون، وقد ترك لي ايضا ربطة عنق إيطالية أنيقة. وأضاف أنها كل ما احتاجه في هذه الحياة لأصبح رجل ذا محتد .
ولدت في باتشوكا، المدينة الجميلة العاصفة، بأربعة أسنان سابقة لأوانها وجسدي مغطى بالكامل بمعطف جيد جدا من الزغب. وأنا ممتن لتلك البداية المشؤومة، لأن القبح، كما أعتاد عمي الآخر، يوربيدس لوبيز سانشيز، أن يقول ، يشّكل الشخصية . عندما شاهدني والدي للمرة الاولى، ادعى ان ابنه الحقيقي قد اخذته الأم الجديدة في الغرفة المجاورة. و حاول بشتى الوسائل الادارية و بالابتزاز و حتى الترهيب ان يعيدني إلى الممرضة التي سلمتني له . ولكن أمي أخذني بين ذراعيها لحظة رأتني: كسمكة بنية صغيرة . كانت مدربة لتقّبل القذارة كما تتقبل مصيرها. ولم يكن أبي كذلك .
أوضحت الممرضة لوالدي أن وجود أسناني الاربعة كان حالة نادرة في بلادنا، ولكنه ليس من غير المألوف بين الأجناس الأخرى. و يطلق عليه طبيا التسنين الخلقي قبل الولادة.
أي نوع من الاجناس؟ سألها والدي، مدافعا . فقالت الممرضة : القوقازيين، يا سيدي.
ولكن هذا الطفل أسود مثل جوف إبرة، أجاب أبي.
الوراثة مليئة بالمعجزات، يا سيد سانشيز.
يبدو ان ذلك قد عزى والدي. فاجبر نفسه أخيرا على حملي الى البيت بين ذراعيه، ملفوفا في بطانية صوفية سميكة وناعمة .

لم يمض وقت طويل بعد ولادتي، حتى انتقلنا إلى إيكاتيبيك، حيث كانت أمي تكسب لقمة العيش من تنظيف بيوت الناس الآخرين. لم ينظف أبي أي شيء، ولا حتى اظفاره الخاصة.كانت سميكة وخشنة، وسوداء . واعتاد استخدام أسنانه لقضمها . ليس بسبب القلق، ولكن لأنه كان خاملا وعاجزا . وبينما انهي فروضي المدرسية على الطاولة، يكون منهمكا بصمت فى تاملهم، متمددا قرب المروحة في كرسي مخملي أخضر ورثته أمي عن السيد كورتازار، جارنا في مبني 4-A، بعد وفاته بداء الكزاز. عندما جاءت ذرية السيد كورتازار لتأخذ متعلقاته، تركوا لنا ببغاء الماكاو ،كريتيريا، الذي تعرض لحالة مدمرة من الحزن بعد بضعة أسابيع والكرسي المخملي الأخضر الذي تولى أبي التمدد عليه كل مساء. وقد خسر أمام العالم، كان يدرس بقع الرطوبة على السقف أثناء الاستماع إلى الإذاعة وينتف قطعة من أظافره، إصبعا واحدا في كل مرة .

بادئا بإصبعه الصغير،يضغط على زاوية الظفر بين قواطعه الوسطى العلوية والسفلية، ليفصل شظية صغيرة، وفي حركة واحدة، يفصل نصف القمر من الظفر الزائد. و بعد أن يفصل قطعة الظفر، يحتفظ بها في فمه لحظة أو اثنتين، ويلف لسانه، ثم يقذفها . : ستطير النتفة وتسقط على الدفتر الذي أستخدمه لاداء واجباتي. الكلاب تنبح خارجا في الشارع. وانا أتأمل قطعة الظفر الملقاة هناك، ميتة وقذرة، على بعد بضعة ملليمترات من رأس قلم الرصاص الذي أكتب به . فأرسم دائرة حولها، واواصل كتابة تماريني، متجنبا بعناية تلك الدائرة. واصلت أجزاء الاظافر السقوط من السماء على دفتري مثل نيازك مدفوعة بتيار الهواء القادم من المروحة: ظفر اصبع الخاتم وظفر الوسطى، السبابة، وأخيرا، الإبهام. ثم اليد الأخرى. واصلت تركيب الحروف حول الحفر المحاطة الصغيرة التى تركتها على الصفحة قذائف قذارات والدي المحمولة جواً. عندما انتهيت، كنت قد جمعت الاظافر في كومة صغيرة ووضعها في جيب بنطلوني. بعد ذلك، في غرفة نومي، كنت أضعها في مظروف ورقي أبقيه تحت وسادتي. وخلال سنوات طفولتي، حصلت على مجموعة كبيرة من الاظافر بحيث ملأت عدة مظاريف. نهاية الذكرى .

لم يعد لابي أية أسنان. أو أظافر، أو وجه : كان قد أحرق قبل عامين، بناء على طلبه، وقمت أنا وأمي ببعثرة رماده في خليج أكابولكو. وبعد ذلك بعام،دفنت أمي بجانب اخوتها وأخواتها في باتشوكا، المدينة الجميلة العاصفة. انها تمطر دائما هناك، حيث بالكاد تجد نفس هواء. أسافر إلى باتشوكا لرؤيتها مرة واحدة في الشهر، وعادة يوم الأحد. ولا أذهب بعيداعن المقبرة، لأن لدي حساسية لحبوب اللقاح، فهناك الكثير من الزهور هناك. أنزل من الحافلة ليست بعيدا عن البوابات، عند ممر وسطي جميل به تماثيل بالحجم الطبيعي لديناصورات، وامضي الى اليمين بين وحوش الألياف الزجاجية اللطيفة –أنقع ،على قول آبائنا -حتى تنتفخ قدمي وأشعر بالتعب . ثم أعود عبر الشارع، محاذرا بعناية البرك – مستديرة مثل الحفر في دفتر طفولتي – وانتظر الحافلةالتي تعيدني إلى المحطة.

مقالات ذات علاقة

شذرات من قصائد قديمة

زكري العزابي

تأملات في المجتمع المدني

عطية الأوجلي

الجنرال فرانكو في الجحيم

محمد قصيبات

اترك تعليق