من أعمال المصور.. نصر العنابي
شعر

قصائد Trondheim

من أعمال المصور.. نصر العنابي
من أعمال المصور.. نصر العنابي

من غات ومرزق والعوينات

تهرب الصحارى في ليلٍ حالكٍ.

 

على خطوات الظلّ الأزرق وناقته

تهطلُ أمطارُ الجفاف العظيم.

 

الفرْخُ طارَ إلى شجرة.

الحكاية جلست على كفّ طفلٍ.

 

الفوضى، بين فوّهة المدفعٍ وخصر الثائر المجروح.

السماء غيبتها بنادقُ الحفاة الملتحين.

الأرض تنهض وتكبو.

جسر الموت يمتدُّ

من خطاب الفقيه إلى بسملة الرأس المقطوع.

 

 

لا، لا،

لا تتهجّوا أسمائنا،

ارموها في جراب اللعنات.

 

 

*

الخطابُ الأخيرُ أخطأت الجوقة عزفه.

وحده المارينز الموشومُ الذراعين قذفه بين ساقي أخت الشهيد.

 

*

صار من عاداتي أن أغفو قليلاً

على صوت سيّد درويش يشدو بأغنية دنجي،

أو أرتّب صفوفٍ الألواح المهرّبة من هرم النسيان.

صار من عاداتي أن أغلّفَ بالحبق الجبليّ

الأسى الشفيف على قبر أمّي،

صار من عاداتي أنْ أفوّتَ في نداء الساقي الأخير طهارة الكلام .

صار من عاداتي أن أخاصمَ ألفة الحرباء

وأفرح بانزلاقة الأغنية الرتيبة.

 

 

*

لا بدّ للوقت من وقتٍ يقف فيه.

لا بدّ للفارس من جولة للنزال.

لا بدّ للنهر من سابحات عاريات.

لا بدّ للريح من خبايا وأسرار.

لا بدّ لي، أنا الراقص المخمور من ساحةٍ للغناء.

*

لن ترتعش الروح العظيمة بعد الآن.

يداي مليئتان بندف ثلج الشمال،

أُسرُّ إليه برغباتي الجديدة،

فيهبني خميرة الشعر.

سأواري سوءة وردتي وأغفو على مهل.

 

لا حاجة للقصيدة إلى معمار.

لا حاجة لي إلى فعل.

نكتفي بصوت تكسّر الجليد على الطريق ورتابة الملابس في الفتارين.

 

كلّ خواتمي التي تخنصرت بها في حياتي الماضية رفضت مغادرتي.

عليها اللعنات جميعها ولعنة محصل الضرائب ذي الأنف الطويل.

 

 

*

الفرح قد يأتي في انعطافة طريق.

قلّبْها على ظهرها وتراجعْ خطوتين،

ترى كيف يقطرُ زيتٌ

يشعّ في الظلمة

ويختفي في النور.

سيقولون لك:

مرنةً كعود قَصب

لم تر عيناها الضفّة المقابلة

ولمّا َتزل تحنّ إلى أغنية الفتى الشغوف.

لا تعبأ بهم، تقدّم خطوتين وأقطف القبلة.

 

 

*

رمى سهمَه الباردَ في صدره،

شاهده كيف يموت،

وجهه في التراب وعيناه كزجاج صبيحة مضبّبة.

 

*

الآهة تتدحرج بين النخلة والصخرة والمرأة الحبلى.

كانت واهنة حين انزلقت من على ظهر الأبدية.

غبارٌ شاحبٌ يتبعها.

كانت في طفولتها شجرةً، ظلُّها نعامٌ هائم في البرّية.

 

*

على فرسٍ مطهّمة أخذها لكنه قُتل وصُلب على جبل أصمّ.

تركتْ روحها تسبقهما إلى كثيب بين ثلاثة جبال لكنها قُتلت وصُلبت على جبلٍ أصم.

هكذا وسوس لها قلبها: بردائك ومعزتيك وصرّة سويق شاعت وبعض دعوات، لكنها قُتلت وصُلبت على جبل أصم.

 

 

*

“خرقاءُ مَنسكٌ من مناسك الحجّ.

ما أصعب أن تعرف ساعة موتك.

ما أمرّ أن تنفر منك ناقتك!” قال ذو الرمّة

” لا تدفنوني بقاع وادٍ أو في وهدةٍ لا تبين،

“ادفنوني كيّ يراني الركبان من بعيدٍ،

كي أطلّ على كثبان طفولتي

فلا وحشة في الدار ولا قدمٌ ترتجف” قال ذو الرمّة

“قريباً سينفجر هوىً بصدري، لا تستعجلوا وصول الشاعر الفحل!” قال ذو الرمّة

“هذي لحيتي ولم تبلغ أربعين بلّلها دمعٌ ينسكب.”   قال ذو الرمّة

 

*

الليل يطوي المدينة في فراشٍ من مسدٍ.

الحدّادون، الأطباء، القضاة أطفئوا نيرانهم.

الرعاة تركوا الحكاية كما أوصى المنجّم تحت شجرة الخروب.

على حافّة بئر النسيان تفيض الأغاني الناقصة.

 

*

هيت لي، وأنا ابن أربع.

هيت لي، وأنا ابن عشرين.

هيت لي، وأنا ابن أربعين.

هيت لي، وأنا ابن ستين.

هيت لي وأنا ابن ثمانين.

لا أبا لك.

لا أبا لك.

 

*

على الجرائد، على الأكاذيب الملوّنة،

تتطاير نتف ما تساقط من قتلة القبائل.

ما الذي جنوه،

مشوا عراةً في الريح بلا أحاديث قدسية تُروى؟!

ما الذي جنيتُ،

كي توضع في يديّ وقدميّ هذه الأصفاد الثقيلة؟

ما الذي جنيتُ، ليضطرم هذا الشجن الرهيف في صدري؟

*

أغاني الطائر

ركضتْ خلف الشاعر المتشرّد،

اختبأتْ تحت لحافه.

تصفق لقصائده،

تلعن الرؤوس المقطوعة تتدحرج

على دَرجٍ مليءٍ بالعويلْ.

 

*

– كلٌّ له حجرٌ يتبعه.

– لا بدّ للحجر من حكاية.

– الحكاية نَفَسُ الحجر.

– الريح غربال الحكايات.

– الحجر وتد الكون.

– الحبال ملقاة على الطريق للساذجين.

– كلّ حبل تراه مصيدة،

– وكلّ حبل لا تراه مصيدة.

– هل آن الوقت لأرمي حبالي في الطرقات؟!!

*

لأجعله على صورتي:

اصنع له عينين وأنفاً وفماً،

اترك شعره يتموّج في الهواء

أو إن شئتُ أضفره بضوء القمر

أو اغسله بماء الثلج

أو احرقه في لهب الغواية.

 

*

أصبغُ إلهي بالدم وآكله.

كراتُ تمرٍ محلّاةٍ، تركتُها في إناء نحاسٍ

لكنّ الأرض فَجَرتْ وأكلتها.

أعوادُ بخورٍ من بلاد الشهوات المتقلّبة

أشعل فيها النار وأنام؟!!

 

 

 

*

خيلي لم تهبط مراعي الربّ،

لا استعجلها.

سأنتظر!

 

*

نهرُ دماء له عواءٌ،

أيّ سرٍّ حمله الركبان من أولِ الخلق؟!

أيّ بيانٍ على حجرٍ لم يضمّخ بدمٍ؟!

 

*

عامٌ فيه أسقطتْ النخيلُ خيباتها.

عامٌ فيه مُلئتْ الأرضُ بالديدان وأجسادُ الناسِ بالدمامل.

عامٌ سكتت فيه الألسنة الخضراء.

عامٌ وُلدْتُ فيه ورايتي الممزقة ترفرفُ في بيداء موجوعة.

عامُ السجّة والبجّة.

 

*

في البدء نفيتُ نفسي في كلمات لم أفهمها.

في البدء نفيتُ غيري في كلمات لم يفهمها.

في البدء نفيتُ الإله في نفسي فنسيتُ الكلمات.

 

*

كان أولهم في أسفل الجبل

وآخرهم في انعطافة السهل.

كانت الشمس تسابق القمر على موضع تحت شجرة.

 

*

بعضُ ذاكرةٍ سابقتْ الإله على حجارةٍ فسبقته.

الحجارة ملأت بيوتهم.

الحجارة حجبت الضوء عنهم فانطلقوا في الأرض عراةً حفاةً.

 

 

 

*

هم ليسوا أكثر من

غربان صحراء يحوّمون في الفضاء،

يبحثون عن فريسةٍ أو جيفةٍ.

هم ليسوا أكثر من

غربان تيه انتشروا في المدى

بدداً، بدداً.

 

*

تخرجُ الشمس من عين ضبعٍ:

حجارةً،

ماءً يفورُ

ونبيذاً هيمان.

 

 

*

بين بحرين حطّ النسرُ ياقوتة دمٍ.

بين بحرين سريرُ وهمٍ.

بين بحرين ارتفع نداءٌ غامضٌ.

بين بحرينُ برّية تلد كائنات عمياء.

 

*

السجدةُ

ضمّةُ الحبيب.

 

السجدةُ

ماءٌ يمرُّ بين عانة وعانة.

السماءُ

ستارة داكنة.

 

 

 

*

ما تهدّمَ حجرٌ

إلا قام مكانه

في الهواء حجرٌ.

*

فمٌ منصوبٌ على بحرٍ.

نارٌ على كثيب رملٍ.

لهبٌ خلفه لهب.

 

*

ما قالته النافذةُ للتيس، كلامٌ في حلوق الأطيار.

ابنِ على حجرٍ بيتاً يصيرُ إلهاً.

انثرْ عليه سويق خرافاتك، تأتك الركبانُ من شرقٍ وغربٍ.

هّزّه يخرجُ من جوفه سيفٌ تقطع به الرقاب.

جاورْ كأس نبيذ إلى أن ترى السماء كالغربال.

الغرابيل لا تمطر يا مجنون ولا تبيض الذئاب في البيوت العالية.

 

*

كأس النبيذ سفينةٌ.

كأس النبيذ سفينةٌ.

كأس النبيذ سفينةٌ.

كأس النبيذ سفينةٌ

ريشٌ منتوفٌ.

 

*

خشْشْشْ

يتكسّر ثلج تحت قدم

فرررررر

يقفز طائرٌ فوق شجيرة علّيق.

 

*

الحافلة تنساب

كسمكة في نهر هادئ

كسمكة في حوض بجانب سريري.

*

شقيق القمر (1)

أو أدّعي ذلك

حبيبي.

 

*

في الرحيل

حتى المشاعر تفيض على الحدود.

بكاء صامتٌ ودموعٌ حارّة.

*

نغمات العود

تتردد في الوصول

الطريق مليء باللصوص والسكارى.

____________________________

  • عنوان موشّح للشاعر اليمني محمد عبد الله شرف الدين الكوكباني، غنّاها فؤاد الكبسي

مقالات ذات علاقة

زائرة الفضاءات

حنان كابو

الشتاء القادم

خلود الفلاح

اجْخرّة* أو ساراجينا

عاشور الطويبي

اترك تعليق