النقد

قصائد الفاكهة

 

للتشكيل والشعر علاقة لا يمكن تجاهلها فمعظم الشعراء هم تشكيليون بالفطرة لأن الشعر معظمه صورة يراها الخيال عبر الحروف التي ينقشها الشاعر على الورق أو يطلقها عبر لسانه لتجد مكانها في نفسه أولا وفي نفس القارئ التى تشعر بالدهشة والقشعريرة والصفاء النقي الذي لا يمكن أن يحققه للروح أي عقار سوى عقار الشعر الذي ليس هو بدواء إنما سر من أسرار الحياة وهبه الله لعدة مبدعين موهوبين ليقومون بدرورهم في توصيله إلى أكبر فضاء إنساني وزمن ممكن.

والصورة التي يخلقها الشعر لا ترى بالعين أو بالقلب، أي أنها لا ترى الحواس المعروف وترى بحواس متخيلة غير معروفة حتى الآن ولو عرفت هذه الحواس سيفقد آنذاك الشعر معناه وسيتحول إلى كلام غير مؤثر ولا يمكننا أن نصنفه شعرا بغض النظر عن شكله أو نوعه.

الشاعر المعروف أدونيس رسام كبير وله لوحات عديدة غالبا ما يضمنها في أوراق قصائده وعند مشاهدتك للقصيدة واللوحة ستشعر بوشائج عميقة تربط بين الاثنين، فالتشكيل والشعر لن ينفصلا أبدا وحينما نجد تشكيليا قد بدأ يكتب الشعر فلا نستغرب وكذلك العكس فالفن بالأساس شيء واحد والإنتقال والتمشي والطيران والزحف بين وعلى ضفافه هو تنويع ممتع يجعل العمل الفني أكثر انفتاحا وأعمق معنى.

الشاعر الكيلاني عون يكتب القصة والشعر والمقالة والاستطلاع والتحقيق الصحفي ويكتب عن المكان جيدا خاصة المدينة القديمة في طرابلس التي يعرفها حق المعرفة ويحس بجمالياتها أيما إحساس وقد عمل في الصحافة محرر لصفحة ثقافية لإحدى الجرائد ودائما يقضي وقته في الإبداع وعلى الرغم من قلة مشاركاته في المحافل الأدبية خاصة الخارجية إلا أن صوته وبصمته وإبداعه واضح وضوح الشمس ومؤثر جدا في المشهد الثقافي وهو من المبدعين الذين ترسخت إبداعاتهم واسمائهم فترة ثمانينيات القرن المنصرم ومازالت إبداعاته تتصاعد نحو الأفضل والجودة حتى الآن وذلك لقراءاته الدائمة والتزامه الدائم بالقضايا الإنسانية والسياسية المؤمن بها ولحفاظه على مستواه الفني ومحاولة تطويره من خلال عدم تكرار نفسه والبحث دائما عن الجديد كذلك انتقاله الدائم من جنس أبداعي إلى آخر، فلا أتوقع ماذا سيكون الكيلاني عون غدا، هل سيرسم أم سيسرد أم سيقف على خشبة المسرح ليمسرح إحدى قصائده وهذه حالة الفنان الحقيقي الذي لا يهدأ بسبب ما يضطرم في داخله وما يرى في أعماق هذه الحياة وما يرى على سطحها من ألم وفرح ينعكس على ملكته الفنية ويستجلب منه النص أبى أم رضى.

تتميز قصيدة الكيلاني بقدرتها على تفجير اللغة لتمنحنا الكلمة الواحدة عدة قصائد، وتتميز أيضا بالتكثيف المعقول أي غير المبالغ فيه كما يحدث لدى بعض الشعراء حيث يكتبون ديوان شعر كامل من 100 كلمة فقط. تتميز أيضا قصيدته بالتركيز على العمق والمعنى، وعندما يكتب قصيدة النثر لا يتناول اليومي المبتذل خاصة المتكئ على مكونات المكان كأكثر الشعراء إنما يرسل كلماته لتنقب بعيدا في التاريخ والميثولوجيا وأغوار النفس والجماد، أي باختصار يحاول أن يوسع رؤيته وفي الوقت نفسه يحافظ على عبارته ويحميها من الضيق، فمن خلال سطر واحد يقول لنا حياة بأكملها تبرق في ذهننا سريعا تاركة جراحها وعذوبتها ورذاذ إبداعها المالح المنعش كذكرى نحبها أن تعود.

الكتابة عن الكيلانى عون تحتاج إلى وقت وإلى الإطلاع على جميع أعماله الأدبية والفنية وعلى قراءة أعمال مجايليه خاصة الذين كتبوا ورسموا في الوقت نفسه مثل الأديب رضوان بوشويشة والأديب بالقاسم المشاي وغيرهما ولعل قراءة كتابه الجديد (شائعة فاكهة) سيمنحنا مدخلا جميلا للولوج إليه والتعاطي معه ومشاركته فواكه قصائده التي سنعتبرها حقيقة وليست شائعة هذا إن كان يقصد بالشائعة الإشاعة وإن كان يقصد بها الشيوع والانتشار فسنعارضه، فالشعر الجيد غير منتشر كثيرا وسنستطعم هذه القصيدة الفاكهة حتى وإن كانت فاكهة في غير موسمها. سنعتبرها فاكهة مجففة لذيذة كالشريح (تين مجفف) أو الزبيب أو المشمش، وهذا الكتاب شائعة الفاكهة صدر له عن مجلس الثقافة العام ويضم مجموعة قصائد كتبت بين عامي 2004 – 2006 / من أجواءه نقرأ :

أدلقنَ بنفسجات السحاب

وبشِّرنَ القلوعَ

بسفور الطبول،

هشِّمنَ خوفكنَّ يا أمهات

يديّ كافراتٍ بالسخاء الرجيم

بدني ساحة الحرب

بدني القدس

ويوم القيامة

بدني هتافٌ

وأعلام

مقالات ذات علاقة

من إبداعات المكاوي في حوارية الطفل والشاعر

المشرف العام

المهدوي شاعر الثورة في ليبيا

عادل بشير الصاري

في (صراخ الطابق السفلي) للدكتورة فاطمة الحاجي

مريم سلامة

اترك تعليق