قصة

قرية كل صباح

حكايات من البر الإنكليزي

تتوزع قضبان سكك الحديد في بريطانيا كانتشار خلايا السرطان في الدم، وبالنسبة لي كلها تقود إلى جهة مقصودة واحدة: لندن مدينة عتيقة يقسمها نهر الثيمز نصفين مشدودين إلى بعض بسلسلة من الجسور تشدها إلى ماضيها وتصلها بالمجهول والضباب.  كل صاح يوقظني قلبي على إيقاع اشتباكها بتناقضات لا نهاية لها، واكثر من احتمال، وحلم على وشك أن يكون حقيقة.   لندن مدينة على علاقة متسقة مع (دوشة) واقع من لحم ودم ومال وأنوثة وصعلكة،  وقادر على استيعاب خطاف أبو حمزة وإمبراطورية مردوخ، في وقت واحد  !!  كل صباح في الأضواء المنعكسة على لمعان أرضية محطة قطارات برايتون التقي بفرحي. التقط نفسي قطعة قطعة، مختلسا بعينيّ ثعلب عجوز تفتق حدائق الأنوثة من حولي.  كل صباح، ستة أيام في الأسبوع،  اقف مزروعا كسؤال في زاوية من زواياها، وأفكر في احتمالات النهار.  في قطار السابعة وثلاث دقائق المتجه إلى بدفورد، دائما احرص على اصطياد نفس المقعد، في منزلة بين الرجاء والحسرة “

اجلس في مقعدي –صيفا شتاء– محاطا بنفس الوجوه الشاحبة، العيون المغروزة في قصص وحكايات الجرائد والمجلات والكتب، لا احد يكلم احدا،  لا تسمع الا في القليل النادر: صباح الخير،  وحين يحدث ذلك لا اهتم لعلمي انها ليست موجهة اليّ.  من تحت لتحت، كلص، اقرا بلمحات خاطفة جدا ما تقوله وجوه افراد قريتي الصغيرة الصامتة التي تصاحبني كل يوم من برايتون الى لندن.  افتح حقيبتي. امد يدا وسط فوضاها واسحب جهاز مذياع صغيرا. اضع سماعتين في اذني وافتح الباب امام صوتي (جون ميرفي) و(سومكروغر) لينطلقا في صمتي باخبار وحوادث الدنيا المقلوبة راسا على عقب.  يتحرك القطار، واتابع الاستماع.  بعد حوالي اقل من خمس دقائق ينقطع البث، اسحب السماعتين من اذنيّ، وبهدوء اعيد المذياع الى صمته داخل فوضى الحقيبة.  في العادة استغل بقية رحلة القرية الصباحية الى لندن والتي تستغرق قرابة الساعة والعشرين دقيقة في القراءة، صحف، مجلات، كتب. احيانا استغلها في انهاء تقارير تخص عملي او كتابات تخصني.  احيانا حين اكون ممضوغا بالتعب من الليلة السابقة، انام. تعودت بعد اربع سنوات من اداء هذا الطقس اليومي الا اتنازل عن مقعدي لاحد.  لا احد يفعل ذلك، لم يحدث حتى الان وان تنازلت عن مقعدي لاحد الامر يثم بدون سوء نية، الامور في قريتي الصباحية لا تسير بعفوية او تقصد، بل في مسافة بين الاثنين.  في قريتي هذه كل رجل او امراة كوكب يدور في خصوصية مداره، في نظام وصمت ودقة، دون تماس او تقاطع او اصطدام بآخر.

كل صباح اشاهد افراد قريتي في مقاعدهم لا احد يجرؤ على الجلوس في مكان اخر، كل منهمك في عمله او كتابه او صحيفته او نومه او جهاز حاسوبه، لحسن حظي فإن عدد النساء يفوق عدد الرجال، من مختلف الاعمار، بعد سنوات اربع اكتشفت انني اشتهيت كل واحدة منهن وصار بامكاني وانا مغمض العينين ان اتعرف على كل واحدة منهن من خلال رائحة عطرها. وكل صباح، حتى في الصباحات الشتوية التي تجمد الدم في العروق بردا،  اغادر برايتون الى لندن غارقا في فيض عطور نساء قريتي، حين يتوقف القطار في (هاسكس) او محطة بعد برايتون، تبدا الفراغات تمتلئ بسرعة (عفوا.. اسف.. من فضلك) ثم يغادر القطار ويعاود الصمت عربدته.  لا اسمع الا صوت عجلات القطار تهدر فوق حديد القضبان. وكل قضبان السكك الحديدية بالنسبة لي لا تقود الا الى جهة مقصودة واحدة:

لندن ادمان من نوع خاص، وفضاضة مستحبة، وارق اسئلة في افئدة وعقول المنفيين والغرباء لماذا؟

لا شئ يشدني بقريتي الصباحية الصغيرة،  لا شئ يفصلني منها.  الفضاء، من حولي، يضيق كلما توقف القطار في محطة.  لا ارفع عينيّ عن كتابي ولا افتحهما ان كانتا مغمضتين.  يبدا احساسي بالضيق والتبرم حينما يشتد الزحام، وتململ الاجساد والزفرات. ثمت لغة صامتة وداخلية ولدت ونمت وترعرعت عن نظام اتصالات من نوع غريب،  ومريب،  بين بشر لا يعرفون بعضهم ويلتقون كل يوم.  في ليبيا حيثما تكون تخترقك عيون الاخرين دون حياء، تفتش حتى ما بداخل احشائك دون اذنك ولا تغادرك حتى تختفي وكأن من حقهاان تعريك بفظاظة لتحرمك خصوصيتك وتغتصبك، لا هامش خارج القطيع، لا فسحة للذات، سياج من العيون يحتويك.  في قريتي، كل صباح، تترك ذاتي لحالها لدرجة الملل.  احيانا اتمنى من السيدة التي تجلس قبالتي تقرا صحيفتها ان تنتبه لوجود هذا الكائن – انا – واحيانا اود ان المح ابتسامة موجهة اليّ، واحيانا اتمنى ان اشتبك في حوار حول أي شئ.  احيانا ارصدني في اشتجار مع صمتي.  كل صباح اعرف، دون الحاجة للنظر في ساعتي، المسافة المتبقية على وصول قريتي الصغيرة الى مبتغاها وانتهائها من خلال انحسار الفراغ من حولي وامتلائه بالاجساد وروائح العطور المختلفة.

كل القطارات بالنسبة الي تقود الى لندن، ولندن مدينة يفصلها نهر الثراء والفقر قسمين مشدودين الى بعضهما بجسور مبنية من اوهام الخيال واسمنت الحقيقة.  ادخلها في الصباح مدثرا بضبابها، مخترقا فوضاها، افتش في شوارعها وميادينها، عن حلم اضعته في حنية من حنايا الوقت.  صمتي مغارة. توتري قوس من احتمالات واسئلة، وعلى استعداد للرفرفة متى تكشف امام جناحي قلبي فضاء يشي ان يكون كنا لدفء محتمل.  المسافة التي تفصلني عن مقر عملي اقطعها بخطوات سريعة وعينين اكثر تيقظا وسرعة لغوايات الانوثة. محاطا بالضجيج، وضوضاء السيارات والباصات واختناقات المرور وازدحام المقاهي وبرودة الارصفة واستحواذ الضباب والرماد على كل شئ.

نهار اخر في انتظار ان تبتلعه مدينة ما زالت، رغم السنين،  تشتهي نهارا مشمسا، وتستقبل الغرباء والمنفيين من كل فج عميق بلا مبالاة.

مقالات ذات علاقة

الجنة

إبتسام عبدالمولى

اخـتـلال

شكري الميدي أجي

بيع المراكب للريح

خليفة الفاخري

اترك تعليق