المقالة

قرن الكتان وعام الكورونا…

أحمد ناصر قرين

فيروس الكورونا المستحدث يهاجم (الصورة: عن الشبكة)

ضرب الطاعون أوروبا بين عامي 1347-1352. جلبه لها تجار جنوى والبندقية، بعضهم نجا من حصار المغول لـ (أكوفا) بشبه جزيرة القرم، بعضهم جاء من الأسكندرية أو موانيء الشرق الأخرى. رست سفنهم على شواطيء مدنهم، ومنها واصل الوباء زحفه شمالاً.

سارت الجرثومة مع الجيوش عبر طريق الحرير، حيث ظهر أول مرة في أواسط آسيا. كانت الفئران هي من تحمله والبراغيث عادة هي الجسر بينها وبيننا. لم ينتبه أحد حينها الى هذا.

احتاج سنيناً ليكمل رحلته المميتة تلك، فقد كان العالم بطيئاً. كما احتاج سنيناً لينحسر، فالبطء كان عائقاً عظيماً أمام نقل الخبرات والمعارف.

قضى الوباء على ثلث سكان الصين، وفتك في مصر بحوالى 40% من سكانها. لكنه لم يؤد ِ الى تغيرات تذكر في نمط الحياة، مثلما فعل بأوروبا.

لقد كانت مجمل الظروف والأحداث المتتابعة مهيئة لهذه التغيرات. فما هذا الوباء سوى أزمة من سلسلة أزمات متلاحقة عانت منها أوروبا في القرن الرابع عشر (1301-1400)، شكلت البداية لتغيرات عميقة في نمط الحياة، مكنها من التفوق والسيطرة على العالم بأكمله، وتعميم نمط الحياة هذا.

بعض المؤرخين يسمي القرن الرابع عشر (قرن الكتان ) لانتشار الملابس المصنوعة من قماش الكتان بكثرة. لكن أغلبهم يعدونه القرن الأكثر أهمية في مجمل تاريخ أوروبا أو العالم.

يمكن اعتبار المجاعة الكبرى 1313-1317 أول حدث في هذه السلسلة. أنهى عهود الرخاء والوفرة السابقة التي امتدت لقرنين قبلها.

أدى ابتكار المحراث الثقيل واستعماله على نطاق واسع أواخر القرن الحادي عشر (1001-1100) الى امكانية التوسع في الزراعة. قبلها كانت الزراعة ممكنة في المنحدرات فقط. ومع المحراث الثقيل صار بالمستطاع الغوص أكثر في أعماق التربة وتصريف المياه واستصلاح المستنقعات وتهيئة الأرض للفلاحة.

باستعمال المحراث الثقيل الذي يحتاج عدد ثيران أكبر لجره، صارت المساحات الزراعية الصغيرة تندمج في وحدات اكبر وأكبر. مكن هذا نظام الاقطاع واوصله الى الأوج، متزامناً مع انفجار سكاني. بعد انتهاء موجة الهجرات الكبرى وبدء استقرار الشعوب في مواطنها (تقريباًكما نعرفها اليوم) فاستمر المثلث الذي أعلنه يوماً ما ألفرِد العظيم ملك انجلترا (خلق الله العالم على شكل مثلث، ضلع يحكم وضلع يصلي وضلع يخدم الضلعين الآخرين).

كان الاقطاع نمط حياة اجتماعي اقتصادي سياسي، قائم على القنانة (عبيد الأرض) الذين يفلحون أراضي الفرسان النبلاء مقابل الحماية.

بدات أساسات هذا النظام في التشكل أواخر القرن الرابع الميلادي، حين هزمت حجافل الجرمان البرابرة (الفلاحين-الرعاة، الفرسان) جيوش الامبراطورية الرومانية (المدينة،المشاة)، في معركة أدريانوبل. كان الرومان يعتمدون على المشاة في جيوشهم وليس على الفرسان واستمرو اكذلك حتى عندما صاروا يعتمدون على المرتزقة وغير الرومان كأفراد في هذه الجيوش لحماية حدود الامبراطورية.

فلطالما شكل نهري الدانوب والراين حدوداً شمالية وشرقية للامبراطورية مع قبائل الجرمان البرابرة، سكان الغابات والمستنقعات والمرتحلون خلف ثيرانهم، بحثاً عن المراعي.

مدفوعين بضغط الهون وزعيمهم المرعب (أتيلا)، مستفيدين من تضعضع سلطة الامبراطورية على حدودها، حين بان التآكل والتشقق في هياكلها، اجتازت هذه القبائل الحدود واندفعت لتقويض روما بداءً بأقاليمها القريبة والشاغرة، بل وحتى فرض نمط حياتهم الزراعي البسيط.فلم يكونوا يتقنون سوى القتال وبعض أساليب الزراعة البسيطة. كما كانوا يعرفون مدى ثراء الامبراطورية وضعفها. فقد خدموا كمرتزقة في جيوشها.وهكذا انهار النظام المركزي لصالح اللامركزية التي وصلت حد الفوضى والفراغ.

فشلت محاولات شارلمان وأوتو الأكبر من بعده، لملء هذا الفراغ وإنهاء الفوضى. لكنها مكنت نظام الاقطاع أكثر من فرض أسلوبه.

واصل الاقطاع سيادته ورسوخه مرتبطاً بسيطرة الفرسان وهيمنة الكنيسة. حين صارت الزراعة هي عماد الاقتصاد. فهجرت المدن ونزح الكثير من سكانها للريف.واهملت الطرق التي كانت يوماً ما تؤدي كلها الى روما، وانهارت التجارة والحرف بشكل كبير.فلم يعد ثمة مفر من المصير الطبقي المغلق، فبمقتضاه يصير ابن النبيل نبيلاً وابن الفلاح يعيش فلاحاً طوال عمره، فلا مجال أمامه ليرتقي السلم الاجتماعي مهما كانت قدراته. (لم ينجُ من هذا المصير سوى بضع مدن في شبه الجزيرة الايطالية.ستشكل لاحقاً بذرةً لعصر النهضة ولأسس العالم الحديث.حين أعادت هذه المدن اكتشاف تراث الاغريق والرومان القدامى، وحين صارت تفكر في هذا العالم الذي تحياه وليس عالم ما بعد الموت، الذي استمدت منه الكنيسة نفوذها).

لكن الرخاء لا يدوم. فقد بدأ قرن الكتان تقلباته مبكراً. ففي العام 1310 شهد الطقس تغيرات نحو البرودة وحدث ما يطلق عليه العلماء (العصر الجليدي الصغير).

لم يكن جليدياً تماماً.لكن الأمطار لم تتوقف خلال عامين تقريباً. ولم يفلح حتى المحراث الثقيل في تصريف السيول. مما أتلف المزروعات، فصار الطعام يشح يوماً بعد يوم، وشهدت اسعاره ارتفاعاً متسارعاً بالتناسب مع انخفاض نسبة انتاجية القمح.

في المواسم الجيدة كانت هذه النسبة تصل الى 1:7، فصارت تتناقص حتى وصلت الى 1:2 أي مقابل كل حبة تُزرع تُحصد حبتان لتؤكل واحدة والأخرى تزرع الموسم القادم.. تصل النسبة في الزراعة الحديثة الى أكثر من 1:30.

ارتفعت نسبة الجرائم، وقتل الرضع وأكل لحوم الموتى بعد أن أكلوا جذور النباتات ولحاء الاشجار ولحوم الحيوانات النافقة. وأهمل العجائز أو امتنعوا عن الأكل لتوفيرهم لغيرهم.. لم تتعافى أوروبا حتى العام 1322، بعد أن فقدت 20% من سكانها.

قبل المجاعة ببضع سنوات، أسفر النزاع بين البابوات والملوك عن نقل مقر اقامة البابا الى (أفينون) تحت حماية هنري الوسيم ملك فرنسا (مات بعدها بسبب المجاعة الكبرى). قلل هذا من هيبة الكنيسة كثيراً وساعد على بدء نشؤ الشعور القومي. ومنح المدن الايطالية مجالا كبيراً لتصوغ حياتها بشكل مختلف.

محميةً بجبال الألب شمالاً وشواطئها الثلاثة، كانت المدن الايطالية بمنأى عن الكثير من التغيرات الاجتماعية، فقد كانت النظم التي تحكمها مزيج من النظم القديمة والمستحدثة. كانت البابوية من القوة بحيث منعت الى حد كبير قيام سلطة واحدة على شيه الجزيرة، ومن الضعف بحيث عجزت عن بسط سلطانها كاملاً على المدن المتنافسة. مما وفر لها فسحة كبرى للنمو ومواصلة الازدهار.

مستفيدة من التناقض بين البابوات والملوك، أقامت هذه المدن دعائم نهضتها ببطء، كان لتقطع أوصال ايطاليا الدور الحاسم في هذه النهضة.فالدول الشاسعة تسعى عادة لبسط سلطتها وتوطيد الأمن أكثر مما تهتم برعاية الفنون والآداب وحرية التفكير.

كانت مدناً تجاريةً طورت البوصلة والسفن وابتكرت القيد المزدوج لمسك الدفاتر، الذي سهل كثيراً من حساب الارباح والخسائر بدقة. تتعامل بالنقد منذ العصور القديمة وليس بالمقايضة، ولها نقاباتها والمهنية الحرفية وقوانينها الخاصة التي تختلف عن قوانين الاقطاع، أو هي خليط من قوانينهم القديمة والنطم السارية حينها. وكان الملوك خارجها يسعون اليها للإقتراض وطلب الخدمات. ففي الحروب الصليبية (التي حدثت في سنين الرخاء والانفجار السكاني) كانت هي من أقرضت ونقلت الفرسان الصليبيين المتحمسين.

اكتشف الصليبيون عوالماًجديدة، وتعلموا أمور كثيرة كانوا يجهلونها، فاتسعت مداركهم وآفاقهم، وازدادت معارفهم الجغرافية والفلكية، وبدأوا الاكتشاف التدريجي للأرض والسماء. عرفوا المال والتجارة وسلع الشرق وعلومه، فزهد كثير منهم بعد عودتهم في نمط حياتهم السابقة، فهجروا قلاعهم الكئيبة وأنشأوا المزيد من المدن وأقاموا الجامعات وتهذبت طباعهم وسلوكهم. ازداد معها استعمال النول المتواضع (على سبيل المثال) الذي يستخدم السيور لنقل الطاقة وينتج أقمشة أكثر مما أنعش سوق المنسوجات. واستعملوا الساعة الآلية الثقيلة التي عدلت من إدراك الناس للوقت، بتقسيم اليوم تقسيماً متساوياً. كان طول الساعة والدقيقة يختلف من يوم لآخر.

لقد عرفوا مباهج المدن، فهجروا الحقول والقلاع والمراعي وتخلصوا من عبودية الأرض، التي ارتبط بها أسلافهم لمئات السنين.وانضموا الى ألوف الحرفيين والتجار والمواطنين الأحرار. وصاروا يرددون (هواء المدينة يجلب الحرية) وبدأوا في حراكهم الاجتماعي، الذي يسمح لهم أن يرتقوا السلم، بعد أن كانت أقدارهم مكتوبة منذ الولادة وحتى الممات أقناناً.

عشية الطاعون، سنة 1337، تورطت فرنسا وانجلترا في حرب المائة عام، زادت الحرب من ترسيخ الشعور القومي أكثر، ومن ضرورة الانتماء الى أمة ما.. ستنشأ القومية على جانبي بحر المانش، وستنتشر مع أفكارها وتطلعاتهاشرقاً وجنوباً، بعد امتزاج العنصرين اللاتيني والجرماني، وتزاوج اللغات لمئات السنين، لتنتج اللغات التي نعرفها اليوم.

في هذه الحرب تم استعمال البارود، ففقد الفرسان أهم مزاياهم. بعد أن تخلوا عن أن يكونوا فرساناً منذ زمن، وتحولوا الى لصوص وقطاع طرق ومرتزقة. فصار الاعتماد أكثر على الجيوش المحترفة المأجورة.

أهلك الوباء أقل من نصف مجمل السكان. لم يفرق بين النبلاء والفلاحين، بين الفرسان والحرفيين، بين الأمراء والقساوسة، بين سكان المدن وأهل الأرياف.

وصل عدد السكان عام 1450 أقل مما كان عليه قبل 150 سنة، واحتاجت أوروبا 150 عاماً أخرى لاستعادة الفاقد البشري.

بوجود وفرة في الفلاحين قادرة على خدمة النبلاء، استطاع نظام الاقطاع البقاء والاستمرار. وبعد خسارة هذه اليد العاملة وكثرة النزوح للمدن، وبوجود فائض في الأرض، صار لزاماً اعادة تقسيمها. فكسب الفلاحون أراض ٍ أكبر مقابل ولاء مباشر للملك (لم يعد للنبلاء سلطة حقيقية على الفلاحين) فالسلطات صارت للملك حين صارت المركزية هي السمة الغالبة على النمط اللامركزي الذي رافق الاقطاع منذ نشأته. كما صار لزاماً تغيير قوانين الميراث ليرث الجميع بالتساوي ذكوراً واناثاً، بعد أن كان الذكر الأكبر يرث كل شيء دون سواه.

ارتاب النبلاء في نوايا الفلاحين حين يمتلكون حقولهم الخاصة بهم، وحين تكبر هذه الحقول.وحين يستطيعون التوفير ومراكمة رأسمال. بعد أن كانوا يعيشون يوماً بيوم. حاولوا وضع القوانين المقيدة والمهينة للفلاحين والعمال، لمنعهم من مزاحمتهم أو التشبه بهم. اشتعلت موجة من ثورات الفلاحين والعمال للاحتجاج على هذه القوانين: ثورة عمال الخشب في سيينا، ثورة عمال الصوف في فلورنسا 1378، ثورة الفلاحين في جنوب شرق انجلترا 1371، وبداية بالثورة الجاكية في شمال غرب فرنسا 1358.. سميت بالثورة الجاكية لأنه كان من عادة النبلاء أن يطلقوا اسم جاك على أي فلاح سخريةً وتحقيراً. قمعت الثورات بقسوة. لكن جاك صار قادراً على التوفير والحصول على رأسماله الخاص به.

تضعضع مثلث الفرِد العظيم، حين صار جاك يستطيع الادخار ومراكمة رأسماله الخاص، ليشكل من قاع المجتمع خلايا طبقة جديدة خارقة للطبقات. تتكون في غفلة عن مسار الاحداث اليومية، تختمر ببطءٍ وعلى مهل متزامنة مع النزوع نحو التشكل القومي. وهكذا صارت تتناقص مظاهر العصور الوسطى: الاقطاع والكنيسة واللامركزية لصالح المركزية القومية والسلطة الزمنية والبرجوازية.

ستعلن البرجوازية لاحقاً عن مشروعها الرأسمالي بالثورة الفرنسية، وتستأصل النبلاء والقساوسة ونمط الحياة القديم نهائياً، بعنف وبحماسة (بعد أن زادت الثورة الصناعية والتطور التقني الذي حققته من نموها). وسترسخ الوحدتين الايطالية والالمانية الشعور القومي، احدى سمات العصر الحديث، وستزيد ثورات 1848 من قيمة الحراك الاجتماعي بشكليه الطبقي والقومي. لتصير أوروبا برميل بارود دائم الانفجار عند أدنى احتكاك أو أقل تناقض. حتى يمكن اعتبارحروب عصر الاقطاع مجرد مناوشات واستعراضات فردية للمهارات.

لم تتمكن أوروبا من تلافي تناقضاتها وعقلنتها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.كانت قبلها قد أضافت قارات مجهولة الى وحدتها الحضارية الخاصة بها، لتتتمكن القارة العجوز من تجديد شبابها عبر أراضيها الجديدة وراء المحيطات الشاسعة، فيما عاشت الوحدات الحضارية الأخرى محصورة داخل أقاليمها العتيقة، جاهلة بما يحدث في العالم، الذي صار يضيق شيئاً فشيئاً كلما اتسعت المعارف والاختراعات.

قبل أن يكتشف كولمبس أمريكا بوقت قصير، جهزت الصين أسطولا ضخماً جابت به المحيط الهندي وصولاً الى البحر الأحمر وسواحل شرق أفريقيا. كان أسطولاً ضخماً قام بسبع رحلات في غضون بضع سنين، وكانت أصغر سفنه الثلاثمائة عملاقة أمام سفن كولمبس الثلاث. لكنها فجأة فككت هذا الأسطول، حيث لم تجد أي جدوى من تمويل مثل هذه الرحلات، فقد قررت أنه من الأجدى لها الاهتمام بحدودها البرية الشاسعة، والتحفز لمواجهة نوايا جيرانها. في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتمدد حتى ضواحيها الحالية.

ببساطة لم تكن الصين تعلم شيئا، حتى فاجأتها السفن الأوروبية (التي مولتها الشركات التي أنشاها أحفاد جاك وزملائه وأرسلوها للمتاجرة مخفورة بالجيوش المحترفة والمجهزة جيداً).

أقامت هذه الشركات متاجرها وعرضت سلعها، كما أقامتها في أرجاء العالم القديم الأخرى. وحين رفضت الصين التبادل التجاري،قصفت مدنها وأجبرتها على شراء الأفيون وتعويضها عن ثمن القذائف وجهود جندها الذين أنهكهم تشغيل المدافع وأضناهم البعد عن ديارهم. تم كل هذا بقوة البارود والبوصلة والورق التي كانت يوماً ما ابتكاراً صينياً.

سنة 1500 كان متوسط دخل الفرد متقارباً جداً، في جميع انحاء العالم. صار هذا يميل بشدة لصالح الأوروبيين. ولم يأتي عام 1800 حتى كان بمقدور أي قوة أوروبية (بما فيها روسيا) أن تسحق فوراً أية قوة أخرى من أي مجال حضاري آخر.

بامتلاك هذه القوة الساحقة، صارت لها السلطة المطلقة على الجميع. صار لها باتالي أن تطلق على الأشياء أسماءً معينةً لتعريفها، وتعمم هذه الأسماء. صار لأوروبا وضواحيها اسم اعترفت به أدبيات العالم وتداولته: الغرب.

حين كانت أوروبا تحاول تجاوز تناقضاتها وتصوغ تسوياتها، وحتى الاعلان رسمياً عن هذا من فوق قمة الكابيتول في روما، وفق مبدأ أعلبه روبير شومان رئيس وزراء فرنسا حينها (ليس جعل الحرب لا يمكن تصورها فحسب، بل جعلها مستحيلة مادياً) كبداية لتأسيس الاتحاد الأوروبي كما نعرفه حالياً. في محاولة رمزية لاعادة كل الطرق القديمة الى روما. كانت موازين القوى قد انحرفت غرباً وراء الأطلسي، في البقعة التي جددت فيها أوروبا شبابها، والتي باتت تعرف باسم الولايات المتحدة الأمريكية. القوة العظمى الصاعدة على مسرح أحداث العالم، والتي ستتبنى مجمل الثقافة ونمط الحياة الأوروبية وتمنحها زخماً أكبر.

في هذه الفترة صارت أوروبا تفقد مستعمراتها السابقة، التي احتلت أراضيها واستعبدت شعوبها و استغلت ثرواتها وموادها الخام لتحقيق الرفاهية لشعوب القارة العجوز. ولتعود شعوب الوحدات الحضارية الأخرى تبحث عن كينونتها أمام الاكتساح الأوروبي الذي عانت منه طويلاً.

لم تبتكر الصين مفهوم الصراع الطبقي أو فكرة الشيوعية، لكنها وجدتها فكرةً عمليةً بوسعها ان تحقق لها التحرر والنمو. كما لم تبتكر فكرة حرية السوق ومفهوم الليبرالية الاقتصادية، لكنها رأتها فكرة مناسبة جداً أن تحقق لها مواصلة النمو وديمومته. وهكذا صار الحزب الشيوعي الصيني يقود أكبر اقتصادات العالم القائمة على حرية السوق بما يستتبع هذا من استغلال الغير. وهكذا صارت مسخاً مخيفاً كحيوانها الأسطوري: التنين.

لم تعد الصين الآن جاهلة بما يحدث في العالم، الذي صار سريعاً بل و آ نياً، مكشوفاً و مشرعاً للجميع. صارت تعرف وتريد ان تكسب المزيد والمزيد. ولم لا أن تنتقم من الاهانات السابقة، ففي وقت ما وحتى بدايات القرن العشرين، كانت هناك لافتات في الكثير من المدن الصينية مكتوباً عليها (ممنوع دخول الكلاب والصينيين) في الاماكن المخصصة للغربيين.

انشغل العالم في حربه الباردة، وانشغلت الصين في تحقيق النمو. وحين انتهت هذه الحرب بهزيمة الشيوعية، لم تعد الصين شيوعيةً. وحين انكفأ الأوروبيين على أنفسهم، ليرمموا قارتهم ويوحدوا عملتهم ويطوروا اتحادهم، كانت أمريكا مزهوة بنصرها، تحاول ترويض هذا الكوكب الجامح وحدها، باحثة عن أعداء جدد، تستعرض عضلاتها عليهم. وكانت الصين أكبر هؤلاء الأعداء المحتملين وأخطرهم. لكنها يبدو أنهاأجلت المواجهة حتى تملاء الفراغ الناتج في الشرق الأوسط (خاصة) أكبر مصادر الطاقة، والبؤرة الأكثر اشتعالاً وتوتراً.وحتى تلتقط انفاسها وتستدعي حلفاءها.

فمنذ البدء ارتاب الغرب في نوايا الصين، كما ارتاب النبلاء قديماً في نوايا جاك. فحركة التاريخ في أعماقها قائمة على الريبة وسؤ الظن وعدم الثقة في الآخرين والكراهية المتبادلة، مع رغبة عارمة في تكديس الثروة والنمو (سواء على المستوى الفردي أو الجماعي).

بدأت الصين (اكبر الدول النامية) ترتقي السلم، وتحقق معدلات نمو متسارعة. في الوقت الذي كان فيه الغرب يحقق معدلات منخفضة، فالعالم الأول قد تشبع من النمو وتكفيه هذه المعدلات سنوياً للحفاظ على متوسط دخل مناسب. أما التنين المتعطش فلا يلبي طموحاته سوى المعدلات العالية، فعدد السكان المهول والفترة الزمنية القصيرة اللازمة لانجاز هذا تحتم نسب نمو مرتفعة حتى إذا وصلت حدوداً قياسية تبدأ هذه المعدلات في التراجع، حين يلامس النمو أقصاه.

للنمو ضريبة بيئية فادحة، تتمثل في الانبعاثات المؤثرة على طبقة الأوزون -درعنا في مواجهة أشعة الشمس الضارة- فمن بين العشرين مدينة الأكثر تلوثاً توجد 14مدينة صينية.

معدل النمو المتسارع زاد من متوسط الدخل الفردي، وحول الصين ليس الى أكبر منتج فقط، بل الى مستهلك شره وسوق كبيرة للسلع الغربية الباهضة أيضاً. فالمعروف عن المليونيرات الصينيين الجدد الذين يزدادون سنوياً، عشقهم للترف والانفاق على سلع الرفاهية التي ينتجها الغرب. وهكذا صارت العلاقات تصير أكثر تشابكاً وتعقيداً، يستفيد منها الطرفان: الصين تنتج سلعاً كثيرة ورخيصة لمحدودي الدخل في الغرب أو باقي العالم، وتستهلك سلعاً غالية بجودة عالية لا ينتجها سوى الغرب. رؤوس الأموال الصينية تستثمر في الغرب، ورؤوس الأموال والشركات الغربية تستثمر في الصين.بحيث أن أية عقوبات محتملة أو مفترضة ستؤثر في الطرفين. وأي طرف يحاول اغراق الآخر سيغرق معه.

(لن يعود العالم بعد كورونا كما كان قبلها) (الحرب العالمية الثالثة بدأت وقد كسبتها الصين دون إطلاق رصاصة واحدة) تبدو العبارة الأولى ممكنة، أما الثانية فهي محض هراء.

لن ينتقل مقر الأمم المتحدة أو وول ستريت الى شنغهاي، ولن يصير اليوان العملة التي تُعيّر بها قيمة السلع والخدمات، ولن تحل لغة الماندارين محل الانجليزية، ولن تُخلي أمريكا جزيرة اكيناوا أو فورموزا للقوات الصينية.

وإن كانت ثمة حرب عالمية ثالثة فقد بدأت قبل كورونا، وما أزمة شركة هواوي سوى جولة لم تحسم بعد، وإذا افترضنا أن الصين قد كسبت جولة الكورونا، فهي أشبه بمجموعة من مجموعات مباراة تنس، حققت فيها الصين نقاطاً أولى ولازالت المباراة في بدايتها.

لكن الكثير من الشركات حول العالم ستفلس، وسيفقد الملايين وظائفهم، وسيدخل الاقتصاد العالمي فترة قد تطول من الانكماش و الكساد التضخم. ستكون أوروبا أكثر شراسة وتوجساً، وربما أكثر شباباً،. ستزداد تماسكاً وإن بدا للوهلة الأولى تنافرها واضحاً.

مع انحسار حقبة الاستعمار الغربي، نشأ ما يمكن النظر اليه باعتباره صراعاً طبقياً – بين الجماعات البشرية (التي تشكلت على هيئة أمم ودول وطنية ) فيما بينها. ويمكن اعتبار الغرب هم نبلاء العصر الحديث، وباقي الشعوب في مراتب أدنى. وصار من حقهم تسلق السلم وصولاً الى قمة الهرم. ما فعله السيد جاك سيحاول أن يفعله السيد لي والسيد اميتاب والسيد عبدالله وسواهم. سسيحاولون وسيجربون حظوظهم.

لكن الكوكب كله مهدد بهذا. زيادة النمو تؤثر على صلاحية الأرض للعيش على المدى البعيد الأقرب. وما ينفق على التسلح والرفاهية والطلب على الطاقة اللازمة للنمو، لا يقارن بضآلة ما ينفق على معالجة الخلل الناتج عن النمو المتسارع.

الانسان كائن غير عقلاني، وإن تظاهر بخلاف ذلك. فهو لا يلجأ الى عقلنة الأمور إلا خدمة لأهوائه ورغباته. والجماعات أكثر همجيةً وتهوراً من الأفراد، فدائماً كان الرعاع وحدهم من يدفعون التاريخ نحو وجهاته، وما العبقريات المنفردة سوى مطايا لغرائز الرعاع.وهذا الكم المهول من الأحداث والمسمى تاريخاً، ما هو سوى قوة غاشمة عمياء، تشق طريقها بعشوائية، وليس لها من هدف أو غاية ما سوى أن تمضي في سبيلها غير عابئة بأحد، أو بما يحدث أو بما سيحدث، لا يمتلك هذا الوازع الذي نسميه ضميراً.

والسياسيون بطبعهم قصيروا النظر، يمتلكون ذهنية أقرب الى ذهنية الدهماء، لا يهتمون سوى بالمصالح الآنية والحسابات الضيقة. وهم حين يمارسون هذا النشاط الذي اتُفِق على تسميته سياسة، يجدون أنفسهم (بطبيعة هذا النشاط) مقيدون بمقتضياته، ويتخذون قراراتهم بناء على جملة من المعطيات المتعارضة، تجبرهم على الاختيار عادة بين السيء والأقل سؤاً. ومن الخطر أن نترك مصائرنا ومصير هذا الكوكب لهم وحدهم.

قال لهم نيلز بور ساخراً (من الصعب التنبؤ، خصوصاً ما يتعلق بالمستقبل) وهذا المستقبل هو المسار الذي سيتخذه التاريخ (القوة الهوجاء) ويبدو أن هذا المسار غائماً حد أن بور يستحق أن يكون أعظم العرافين الذين انجبتهم البشرية.

كتب هيدجر في أواخر حياته (كل الأمور تعمل بشكل جيد. هذا بالتحديد مكمن الغرابة. كل شيء يعمل والعمل يقودنا أبعد وأبعد إلى نوع فريد من العمل، والتقنية تمزق الناس وتشرذمهم وتجتثهم من الأرض شيئاً فشيئاً.لا أعرف إذا كنت خائفاً. لقد كنت خائفاً بالتأكيد عندما رأيت صور الأرض المأخوذة من القمر. لقد بدأ اجتثاث البشر، لم يبق لدينا إلا أوضاع تكنولوجية صرفة. إن اجتثاث البشرية الحاصل الآن سيكون النهائي إلا إذا أحرز «الشعر والتفكير» قوة لاعنفية أخرى كما قال أحد الشعراء).

هل هي يوتوبيا ساذجة هذه ؟ قوة لاعنفية يقع عليها مجابهة العـــنـــف أحد أثمن سمات البشر وتاريخهم، وهل تستطيع نبؤة هيدجر أن تدعم نبؤة نيلز بور؟…

مقالات ذات علاقة

فقرة ناقصة مهمة بمهرجانات التراث

المشرف العام

بورتريه لمنظر طبيعي

محمود البوسيفي

نصف التفاتة

سعاد الورفلي

اترك تعليق