قصة

قرن الفلفل

(قصة قصيرة… إلى شباب ليبيا المغرر بهم في حروب بائسة…)

عن الشبكة
عن الشبكة

حمراء… مشدودة.. معقوفة.. منتفخة.. تتدلى من شجيرات قصيرة ووهنة السيقان.. قرون الفلفل أكبر من شجيراته، ما أن تضع يدك لقطافها حتى تتساقط بسهولة. “الفلفل الحار ياعيلة… المليح انقض.. ياماشي قول للجاي”، “زود تعال فلفل وحار.. مشيط ونار”.. “فلفل حار.. والغدي ع النار.. زود ياكمالة”….”حار ياجار…”… هكذا يصرخ البائع من أمام “براكته”، حيث تستلقي القرون الحمراء والخضراء والمختلطة في “قابيات” بلاستيكية تنتظر “بو العيلة” يأخذ منها كيس أو أكثر، فلا يزدرد الأكل الليبي إلا بها. منها الأحمر “المبلبل” الذي يجفف في الشمس حتى يضمر ثم يهرس مع الثوم ليصبح “هريسة” تشتم رائحتها النفاذة عن بعد، ومنها ما يتحول إلى “أمسيّر” حيث يشق قلب الفلفل ويوضع في قوارير زجاجية ليسبح في عصير الليمون والملح وفصوص الثوم، ولا يطيب أكل “الكسكسي” إلا بقضمه مع كل ملعقة منه، بل يرش البعض من مائه في “القصعة”. أما “رشتة البرمة”.. فتسبح في مرقتها الحمراء قرون الفلفل المطبوخة فيها لتصبح سهلة الهرس مع قطع العجين المسطح. ويقلى الفلفل في الزيت لوجبة “الطباهج” فتتحول قشرته الخارجية إلى مايشبه قماش الصاعقة ليدخل حربا ضروسا مع الباذنجان والبطاطا والقرعة البيضاء المقلية. ويؤكل قرن الفل النيء، مع “البازين” وحبذا لو كان أخضر.. قضمات جسده المتماسك مسموعة، ويغرس رأسه ويدهس بقوة وسط العجين حتى تتساقط حبيباته وتختلط مع لقمة البازين. أما “الشرمولة” فإن من مكوناتها الأساسية الفلفل، حيث يتم طحنه بقوة داخل سطح الصحن حتى تتقطع أوصاله وتفرغ كل حبيباته ويخلط مع الطماطم الأخضر والبصل والثوم، ويفرك فيها قطع خبز الشعير، وعادة ما تؤكل صيفا.

كلما رأيته.. تذكرت قرن الفلفل.. عوده المنحني.. تمطيطه لجسده بشكل مائل خاصة في جلساته، شعيرات رأسه القصيرة المتراكمة في المنتصف والخفيفة في الأطراف.. وأخيرا لسانه الحار..الجاف.. ينفث به كلمات تشبه زريعة الفلفل.. تنتشر وتضر… سمعت بأسمه لأول مرة أثناء الثورة.. خرج علينا يدين جرائم النظام ويدعم الثورة.. ورغم أن كثيرين اتخذوا موقفا مشابها أو حتى أقوى من موقفه الوحيد ذاك.. إلا أنه استخدم ذاك الموقف ليقف به كقرن الفلفل وسط الحقل، يتدلى ويتلوى حتى استوى وتلون بالأحمر وأصبح حارا، لدرجة أن أحدا لم يقترب منه، دعك من أن يقضمه، رغم اشتهاء الكثيرين أن يختفي من المشهد.

يشاع أنه مصاب بلوثة، تجعل من المستحيل أن يسيطر على لسانه، أو مشاعر الكراهية التي يضمرها لكل ما حوله.. لذا تفاداه كل من عرفه، ولم يقترب منه من لم يعرفه، فشكله وهندامه وابتسامته الجانبية القصيرة ومسلكه المتهور تبدو كأشواك القنفد أو صدفة السلحفاة أو لزوجة الضفدع، تنفر غيره منه قبل أن تحميه.

الثورة كالبركان، لا بد أن يخمد أو يهدأ، وأن يهبط الرماد أو يستسلم للرياح ترحل به وتحط في أماكن بعيدة، أن يتجمع الصهير الأحمر الساخن في الشقوق ويغلقها، أو أن يخلق جزيرة أو صخرة.. البركان، وإن كان قاتلا، إلا أنه يحتفظ بالذاكرة في قوالبه الحجرية.. فما تزال مدينة بومبي الإيطالية تحتفظ بذاكرة ذلك البركان بتفاصيلها، من خلال أجساد متحجرة، منها المتعانقة وهي تواجه السيل الساخن القادم أو القالب الصخري، والأم المحنية لحمل طفلها سعياً لنجاته.. إنها الحياة التي جمدت بين الصخور البركانية..

لكنه ومن معه كانت البراكين في قلوبهم لا تهدأ ولا يهدأون، غايتهم أن تستمر البراكين في البلاد، وبالتالي الموت والعذاب والفاقة والهرب والنزوح… بوعي أو بغيره، بلوثته أو بعقله المتأرجح، بعاطفته المتأججة أو بكراهيته المتأصلة، عشق “قرن الفلفل” أمرين.. السلاح والتآمر.

عاد “قرن الفلفل” إلى بلدته مسقط رأسه، وأخذ يتصرف كزعيم.. الولائم والاجتماعات واللقاءات.. لكن في كل هذا كانت دموعه تنسكب سخية، وهو يردد قصة اعتقاله وهروبه أثناء أحداث الثورة.. كيف هاجمت بيته سيارات تيوتا عالية يمتطيها مسلحون، اختطفوه وكبلوه وعذبوه ومنعوا عنه الماء والكلأ والدواء، ورموا به في أحد الأقبية التي لا تتنفس حيطانها، وذات أرضية رطبة، دون غطاء حتى اصطكت عظامه، ووهن جسده، وشارف على الموت.. كان الجالسون فاغري الأفواه، محملقين في وجهه، ينتظرون بفارغ الصبر بقية القصة التي لم يكملها أبدا، بل غالبا ما تغالبه دموعه عند تلك اللحظة بالذات.. ولم يعرف أحد حتى اليوم كيف خرج من القبو، بل سافر إلى ما وراء الحدود. قصته المبتورة تلك، التي لا مكان محدداً فيها على خريطة المدينة، ونهايتها المكتظة بالدموع والشهقات فتحت الأبواب أمامه حتى لبس عباءة الزعماء، وأمسك بعصا قديمة، نسبها لأحد أجداده، وأعلن عن قيام حزب سياسي عائلي.

“قرن الفلفل” لا ينمو وحيداً، فشجيرات الفلفل تفاجأ جامعها بأن ثمارها تنمو بشكل جماعي، تبحث عنها بأصابعك فتجدها مختفية بين وريقاته.. هكذا فعل، لم تكن قصته المبتورة، ولا ظهوره المتكرر على التلفاز، ولا صوره المنتشرة في الانتخابات لتكفي، كان بحاجة لقوة من نوع آخر.. شباب صغار في السن، عاطلين عن العمل، جمعهم من شجيرات عدة، وضعهم في إحدى الفلل الفخمة المهجورة المملوكة لرجال النظام السابق الفارين. اهتم بإطعامهم وعبأ جيوبهم، وتركهم في تلك الفلل معطلة عقولهم ومنتفخة أوداجهم وجيوبهم، والبنادق الاتوماتكية على أكتافهم.. كانوا يقتلون ويعيثون فساداً، بينما هو يتلوى ويتلون ويضحك.. استراح منذ أن تشكلت كتيبته، وتمدد وتفرغ لتسلق سلم السلطة، آملا في الوصول إلى منصب تنفيذي يحكم به البلد. كان يرى صبيته زريعة “فلفل”.. يتساقطون قتلى في معارك عبثية، يرسل بهم إليها بذريعة محاربة “الأزلام”.. الكلمة السر التي قضى بها عليهم.. كان يضحك بينه وبين نفسه ويصفهم بـ”زريعة” خائبة، لا تنمو ولا تتكاثر. هو “دون كيشوت” الليبي.. يضرب بالسيوف طواحين الهواء.. فأولئك الذين يقدحهم في كل خطاباته ومجالسه هم أهله وجيرانه وأصدقاؤه وبنو عمومته، بل وأفراد كتيبته وسكان مدينته وبلده.. لكن قرن الفلفل لن ينتهي جموحه إلا إذا أفرغ البلد من سكانه أو حين تضربه طواحين الهواء وترديه أرضا…

كلما كان البلد يهدأ وتعود الحياة إلى وتيرتها شيئا فشيئا، كان “قرن الفل” يشتعل، ويبحث عن طريقة ينفث بها حبيباته الحارة، ليلهب المكان.. انعقدت الانتخابات العامة في البلد وبنسبة مشاركة عالية، في دلالة واضحة على لم الشمل ولظم الجراح الغائرة بعد حرب منهكة.. لكن “قرن الفلفل” الذي وصل إلى البرلمان، استمر في التحريض، والإدعاء والكذب ولهب المشاعر بلسانه، حتى كان اجتياح مدينة بقرار برلماني بعد دكها عن بعد بالصواريخ، وارتكاب جرائم يندى لها الجبين… كان “قرن الفلفل” يتلوى ويضحك.. لكنه يختبئ من حين لآخر وسط وريقات وقرون فلفل أخرى تشبهه، إلا أن شواهد تلك الجريمة خاصة ما ترك من أثر في ميدانها أرتبط به.

ما زال “قرن الفلفل” لم ينه قصته.. كيف خرج من قبوه.. وعاد إلى بيته، وسافر بجواز سفره.. ما زال المشهد.. رجال فاغرة أفواههم ينظرون إليه، وقد بللت دموعه وجهه، وغص حلقه وتوقفت كلماته عند وصف القبو المظلم دون تحديد مكانه… وما زال صبيانه “كزريعة” الفلفل يتجولون بذات السيارات البيضاء التي يدعي أنها زارته ذات يوم وحملته لذاك القبو الرطب..

الفلفل أرخص الخضروات.. يصرخ البائع أمام براكته في سوق الثلاثاء “بربع دينار يا كمالة…”، ترتفع أسعار كل الخضروات إلا الفلفل.. حتى في شهر رمضان يبقى سعره زهيداً.. رغم قوامه الممشوق والتواءاته وانفراده والوانه.. فهو جبان.. يختبئ بين وريقات شجيراته، لا تتعب في البحث عنه، فالبائع يناديك ويعرضه عليك، ويكمش بيده حفنة منه يرمي بها في الكيس البلاستيكي.. وزنه خفيف.. ومهما عبأت يظل خفيفا… تقضمه أو تهرسه أو تطحنه أو تخلله أو تشق قلبه وتسقط عنه حبيباته، يظل مفعوله الحار اللاذع وقتيا.

_____________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

لا أحب البطيخ

رحاب شنيب

حبكة

عائشة إبراهيم

الركلة الأخيرة !!

رجب الشلطامي

اترك تعليق