قصة

قرنا كبش أبيض

إسماعيل القائدي

كبش أبيض


بدأَ الفجرُ المسجونُ تحتَ عباءةِ الليل الثقيلةِ يتسلل من صدر السماء، ينفث نورًا باهتًا خجولاً على وجه الأرض، لمعت قطرات الندى على أطراف الرتَمْ والسبَطْ والعرفَجْ فرحة مستبشرة بخلاص قريب.

على طرف الوادي انتصبت الخيمةُ كنورسٍ أبيض شرع جناحيه للريح، تحفها نسائم الفجر الوليد المتشبعة بضباب خفيف،  يحمل رائحة الأرض الطرية وعبق أزهار الرتم.

في جوف الخيمة الكبيرة افترش بعضُ الرجالِ بساط الأرض عاصبين رؤوسهم بعمائم بيضاء، يحمل كل واحد فيهم جلما أسود، يجز الصوف عن الشياه المسجاة تحت الركب،  فيما هم بقية الرجال بجلب الشياه من زرائبها.

على طرفٍ قصي من الخيمة جلس (الشوهاي ) يرفع (براد الشاهي) عاليا بيمناه ليسكب محتواه في كوب معدني بيسراه، يترنم همسا بأنشودة يحفظها ويُسمِعُها لنفسه ولمحبوبته التي كان طيفها يجلس قبالته تارة، ويرى وجهها في رغوة الشاي تارة أخرى.

ارتفع صوت (الغناي) منشدًا على إيقاعات أجراس الجلام وكورال ثغاء الأغنام الممزوج بزغاريد النساء من وراء أروقة الخيمة, محفزا الرجال.

في وسط الخيمة وقف (عبد الله) مالك الأغنام ينظر بعينيه الواسعتين الى سير العمل، يصول ويجول بلا كلل في قلب الخيمة وعند أطرافها، شاحذا همم الرجال.

جيء بالكبش العظيم ( الجارح ) لخيمة الجز، أوقفوه عنوة فامتدت قامته ثاغيا بصوته الأجش، وقف كغول بين أربعة من الفتية، اثنان يمسكان بقرنيه الضخمين المسننين، واثنان يشدان على عجيزته الضخمة.

صاح عبد الله:

– هذا كبشي , ولن يجزه أحد غيري.

بعد عناء وعناد من الكبش استطاع الفتية الإيقاع به أرضًا وتقييده من قوائمه الأربعة.

انفجرت حنجرة (الجارح ) بالثغاء، لم يقبل بالقيود، فبدأ جسده الضخم بالتململ، ممرغا صوفه الأبيض الكث بثرى الأرض الطرية.

 فيما وضع عبد الله ركبته على جسد الكبش الجاثم تحته، وبدأ بجز الصوف عنه، بدأ (العهن المنفوش) يتطاير في الأرجاء كسحب بيضاء.

اقترب فكا الجلم من عنق الجارح الذي بدأ يحملق في عبد الله، شعر الجارح بالخوف ، ارتعدت فرائصه ، انتفض، رفع رأسه للأعلى جازعا وجلا ، فارتفع قرنه المدبب إلى رأس عبد الله الذي صاح هلعا وخوفا و ألما.

ارتمى جسد عبد الله على جنبه بالقرب من كبشه العظيم ، يضع يديه على عينه المفقوءة، والدم والزلال يسيل من مقلتيه سيلا، تحلق الرجال حول عبد الله وصياحه الفاجع يهز أطراف الخيمة وجعا.

في خيمته كان متكأً على جنبه، غارسا مرفقه المدبب كسهم في التراب، يحمل بيده الاخرى عودا من زيتون، يرسم على الارض خطوطا ودوائر مبهمة، ويمسحها بكف يده ليرجع يرسم مثلها مرة أخرى.

أقبل الفتيان مجزوعون إلى خيمة (الشيخ امراجع):

– يا شيخ امراجع!  الجارح فقأ عين عبد الله بقرنه.

جفل الشيخ، جحظت عيناه، جلس القرفصاء على عجل :

– اذبحو الكبش بسرعة.

رجع الفتية بسرعة إلى الكبش المقيد، وجهوا عنقه شطر القبلة، فيما هم أحد الرجال بحز عنقه، انفجر الدم من رقبته، وتجمع في حفرة صغيرة تحت رأسه.

أمسك الشيخ امراجع بمنشفة بيضاء، غمرها بالدم القاني، احمرت المنشفة، واتجه بها صوب عبد الله، رمى المنشفة على وجه عبد الله ، فارتد عبد الله بصيرا.

مقالات ذات علاقة

فاتت جنبنا

هدى القرقني

قلب

محمد المسلاتي

الممر الآمن

الكيلاني عون

اترك تعليق