النقد

قراءة في نص الشاعر محمد صالح (يتسلل تماما ً كلص)

أحمد قرين

من أعمال التشكيلي علي المنتصر

 
هوذا نصٌ طازجٌ، دسم ٌ، مكتمل ٌ بذاته.
شعر ٌ صافٍ له من النثر شكله، لكن المحتوى شعرٌ نقيٌ.
نص ٌيتجاوز ترهل َ النثرِ وحشوِه الى كثافة ِ الشعر وتركيزه.
فقد اعتاد الكثير ممن يكتبون الشعر نثرا ً أن ينزلقوا الى فخ ٍ شاسع ِ من التدفق لا يهتدون فيه الى جوهر الشعر، بل أن ما بهم من شعر يتورم بشكله النثري.

فلم يعُد الشعر ُ، عند الكثير ممن يكتبونه ابداعا ً ذاتيا ً أو كشفا ً للمجاهيل، بل أقرب ما يكون للممارسات اليومية الروتينية وملاحقة لحظات عابرة، أو بوحا ً أجوف بمشاعر رعناء. وكأن الشاعر يستهلك ذاته في الكتابة وتفريغ نفسه في نمط ٍ واحد متكرر سكوني الأبعاد، دون وجود قدرة على تجاوز أو كسر المألوف. فقد صارت الكتابة الشعرية لديهم رغبة ٌ في كتابة الشعر بدلا ً من أن تكون كتابة ٍ للشعر.

لكن ها هو ذا نص ٌمضبوط ٌ، موزون بألفاظه وليس بايقاعات ِ موسيقى متوارثة.
أقول أنه موزون فلا تكاد توجد كلمة ناقصة ٌ أو زائدة. بل إنه نص ٌمتكامل ٌ مكتفي بذاته.

يمكن تقسيم النص الى ثلاثة أجزاء :-
يبدأ الأول باستفهام وأربع ِ صور ٍغاية ً في الروعة والجمال، بمزيج ٍ متجانس من الحسية والتجريد (من ناحية الألفاظ).
فما الشعر ُ إن لم يكن قدرة ً فائقة ً على التجريد ذهنيا ً ثم محاولة تجسيد هذا التجريد لفظيا ً.
وهذا ما ينطبق تماماً هنا، الصور في ظاهرها تحمل سمة التناقض، فأن تركل بحرا ً باتجاه مفازة، أو تدفع عجوزا ً بائسة ناحية البهجة، أو توقف حكيما ً على ناصية العبث وتجعله يمسك نهرا ً من ضفتيه، أو تسوق رضيعا ً الى شيخوخته وتريه عمره كاملا ً دفعة ً واحدة ً.
هذه كلها متناقضات ظاهريا ً، لكن كل تناقض ٍ يحمل دلالتين متعارضتين
-الخصوبة والخلل.
الخصوبة تكمن أن الأضداد تتكامل وتستبين بعضها ببعض ٍ. وهنا أفلح الشاعر في خلق إيحاءات متبادلة باعادة اكتشاف العلاقات بين الأشياء، وصياغتها بما يضيء رؤاه ويلمح بها.
والخلل في التناقضات هو ما يقود الى الارتباك والحيرة. فبمن تـثق ؟ بالشيء أم بضده ؟ وأنت تبحث عن يقين. من هنا يبتديء النص باستفهام ٍ عميق ٍ. هل فهمت شيئا ً ؟ وقد ضُبطت َ متلبسا ً بممارسة النقائض.
هل فهمت شيئا ً ؟ سؤال ٌ لنا جميعا ً. هل فهمتم شيئاً ؟

في الشعر نحن لا نفهم شيئا ً. لكننا نعرف هذا الشيء الذي لم نفهمه، فنحاول أن نفهمه بمنطق ٍ مخالف ٍ للمنطق المعتاد (المنطق ونقيضه أو صورته في المرآة أو نظيره حسب التعبير الفيزيائي )
لسي كل ما قالته العرافة ُ خرافة ً. هكذا يبتديء الجزء الثاني. لم يصف الشاعر قول العرافة سوى أنه خرافة. وبهذا الوصف فقد حدد بدقة متناهية ماهية ما تقول.
ليس كذبا ً أو إدعاءً أو خطأ ً، لا يتورط الشاعر هنا في حكم قيمة بل وصفه بالخرافة. والخرافة تقع في البرزخ بين الحقيقة والخيال.بل انها شكل آخر للحقيقة نهتدي اليه بقوة الخيال. فليس كل ما تقوله العرافات خرافة ً، فقد يصير حقيقة ملموسة ً حين يغمره البرزخ بمدِّهِ.
فالمركب الذي يعتلي الأمواج لا يخفي حنينه الى اليابسة. هذه حكمة موشاة ٌ بصورة حسية ذات بعد نفسي * تنفذ بسلاسة ٍ الى غايتها وتؤدي فكرتها كاملة ً المركب والأمواج المتلاطمة واليابسة أشكال محسوسة، والحنين حالة نفسية.
يطلب الشاعر وقد أكثر التطواف مستقرا ً ولو الى حين.
لكن سانتاكلوز لم يختصه بهدية أعد نفسه جيدا ً لها.هنا انتهى فاعلا ً سلبيا ً، لا يمارس سوى الانتظار. هو أقرب للمفعول به، لم يفعل شيئا ً سوى أنه أعد نفسه جيدا ً لهديته المنتظرة…لم يفعل شيئا ً ؟ لقد أنهك نفسه وأعدها جيدا ً لتليق بالهدية.هذه مفارقة مبهرة.

بعد أن ابتدأ النص بشكل مراوغ وقد ضـُبِط متلبسا ً بأفعال خارقة ٍ.
لقد كان مراقبا مفعولا ً به، لكنه يفعل المعجزات. وهنا تحولت حماسته وحيويته خيبة ً.
ياللخيبة التي ينتهي بها الجزء الاوسط من النص حتى يمهد لخاتمته.

جزءه الأخير أربعة أسطر ذات صياغة بسيطة. يُعبّر الشاعر بهذه البساطة عن سذاجته أمام الحياة. وهنا يخدعنا أو يموه ما يريد. يوهمنا أنه قد عبّر بسذاجة، لكنه كان يعبّر عن سذاجته ببساطة ماكرة ٍ تبدو كأنها تعبير ساذج ز لكنها تحقق شرطا ً شعريا ً صميميا ً ( التعبير عن السذاجة وليس التعبير بسذاجة )
فهو لا يزال طفلا ً يؤمن بالخرافات وينتظر الهدايا في عيد الميلاد، كيف لا وقد أعد نفسه جيدا ً لاستقبالها كما يليق بطفلٍ يغتبط ُ بهدية ٍ ويندهش بلعبة مزركشة.

لكن كل الوعود لا تصدق أبدا ً، ويزداد وعي الشاعر بأن الأيام تراوغه وتخادعه وتسوّفُهُ فيأتي تعبيره عفويا ً بسيطا ً.
على أية حال…قول بسيط يعبر بصدق عن حسرات ٍ متراكمة ٍ.
فقد مر من هنا عام ٌ آخر على ظهر سلحفاة.
على ظهر سلحفاة… تعبير متداول( يقترب من الابتذال ) يدل على بطء الحركة جاء في محله بالضبط.
يريد الشاعر تعبير متداول ليتساوى مع الجميع وليتشاركوا الحسرات بعضهم البعض.
مر هذا العام كغيره يتأبط أحلاما ً مجهضة ً. حين اقتربت الولادة حل الاجهاض. وحين شارف النص على الختام جاءالموت.وكأن هذا العام الذي مر يسرق من أعمارنا.

و يتسلل (تماما ً ) كلص. رغم أن اسلوب التشبيه عادة ما يقارن بين الأشياء ولا يقوى على الولوج الى لبها أو الحلول فيها أو الاقامة في صميمها، بل يتشبث في أقصى حالاته بقشورها.
إلا أنه هنا وبكلمة تماماً، صار هو واللص شيئا ً واحدا ً يستحيل الفصل أو المقارنة بينهما. لقد سرق هذا اللص أعمارنا بعد أن أغوانا بوعوده.
هل أغفلت القول أن تنوع الأساليب في النص منحه سلاسة وانسيابية وعصمه من الوقوع في التكرار الممل والثرثرة.
يمكن النظر لكل جزء على أنه نص مستقل بذاته، أوهو نص جزئي داخل النص الأكبر، كل جزء يحمل رؤية جزئية، تتكامل هذه الرؤى لتنتج للنص ككل رؤيته الكاملة.
أشكر الشاعر كثيرا ً، كثيرا ً جدا ً. وأهنيء نفسي أني عثرت على نص طازج ٍ، دسم ٍ، مكتمل بذاته….
________________________________
* يمكن تصنيف الصور الشعرية الى أربعة أنواع :- صورة حسية، نفسية،حسية نفسية،أو ذهنية.


وها هو النص

يتسلل تماما كلص
محمد صالح

 
– هل فهمت شيئا ؟
– أنا أيضا ضبطنى أركل بحرا
باتجاه مفازة،
وأدفع بعجوز حزينة
ناحية البهجة
وأوقف حكيما على ناصية العبث
كى يمسك بالنهر من الضفتين
وأسوق رضيعا باتجاه شيخوخته
ليرى عمره دفعة واحدة
ليس كل ما قالته العرافة خرافة
فالمركب الذى يعتلى الامواج
لا يخفى حنينه الى اليابسة
كما أن سانتا كلوز لم يختصنى
بهدية أعددت نفسى جيدا لاستقبالها
على أية حال
مر من هنا عام على ظهر سلحفاة
يتأبط أحلاما مجهضة
ويتسلل تماما كلص.

مقالات ذات علاقة

الكاتب الليبي محمد الأصفر.. السندباد الروائي الثوري

المشرف العام

فيرينا الصورة المثال في شذرات وحوارات

المشرف العام

علي الفزاني في “رحلة الضياع”

المشرف العام

اترك تعليق