السيارة الخردة.. من أعمال التشكيلي جمعة الفزاني.
تشكيل

قراءة في لوحة .. سيارة الخردة

عن لوحة السيارة التي أصبحت خردة، والتي رسمها فنان الواقعية الليبي جمعة الفزاني، نحاول أن نتحدث في السطور التالية…

إذ نستطيع القول أن الفنان جمعة الفزاني أستطاع بهذه اللوحة القفز خارج النمطية التي طبعت التشكيل الليبي طويلا ولا زالت، ولو بشكل مؤقت حيثُ درجَ معظم الفنانين الليبيين على رسم الموضوعات التراثية المتعلقة بالبيئة والأزياء والحُلي والوجوه والطبيعة الليبية مع اختلاف المعالجات، والقليل من الفنانين من أفلح في الآفلات من أسر هاته المؤثرات بأعمال تجريدية أو تعبيرية تستثمر اللون والتكوينات والخطوط لبث خطاب وإيصال رسالة أو ترجمة مشاعر، وهو الأمر الذي لا تستطيع الأعمال الواقعية التي تعتمد على جمالياتها المنظورة على القيام به، غير أن الفنان جمعة الفزاني رسم هاته اللوحة بواقعية قصوى، وإضافة إلى جمال تكويناتها ومحافظة تفاصيلها على الجانب التشخيصي والتشريحي.. حتى، إلا ان للوحة إيحاءات وتأثيرات أخرى غير ظاهرة إلا للعين المتأملة المتفحصة، سيما وأنها خلت تماما – أي اللوحة – من الحضور الإنساني المُجسم بداخلها، فنحن نرى سيارة عتيقة “فولكس فاجن” ألمانية الصُنع عاطلة عن العمل أنتهى بها المطاف في مكب للسيارات.

السيارة الخردة.. من أعمال التشكيلي جمعة الفزاني.
السيارة الخردة.. من أعمال التشكيلي جمعة الفزاني.

وستراودنا تساؤلات كثيرة ونحن نتطلع إليها مُلقاة هناك في إهمال، كما لو أنها أنسان تخلى عنه الجميع وبقيَ وحيداً يجتر ذكرياته الآفلة ويمضغ عهود مجده، لا بد أنَّ أحداثاً كثيرة شهِدتها هاته السيارة وأماكن أكثر وصلت إليها وأُناس جلسوا على كراسيها، لا بد أنها أنصتت إلى أحاديثهم واحتضنت أنفاسهم التي ترددت داخل مقصورتها وشعرت بأفراحهم وأحزانهم لا بد، ان مشاوير مهمة قامت بها، لا بد أنها لاحظت فرحة صاحبها باقتنائها ثم حزنه على فراقها بعد أن نمت أواصر المحبة بينهما وبعد ان كثُرت عيوبها وصارت عاجزة عن تقديم خدمات ممتازة كما في سابق عهدها، هذا إن لم يكن صاحبها قد رحل قبلها وتركها عُرضة لمحن الزمن.

كالإنسان تماما هاته السيارة أو أبعد، بعد عز ومجد وصحة وفتوة ونشاط لا بد من أن يستسلم الجسد للذبول وتصاب العظام بالوهن ويكل السمع والنظر وتضعف الحواس، هذا منطق الحياة وسُنتها المؤكدة التي لا تستطيع قوة أن تغيرها، فعلى هذا القانون تسير تقريبا كل الكائنات، هذا إذا ما اعتبرنا السيارة كائنا انتهي به الأمر إلى مقبرة السيارات، وماذا ستقول هذه السيارة لو وُهِبت لسانا، لا بد انها ستتحدث دونما فواصل لِتُفرغ ما يجول بخاطرها من غصَّات وحسرات وحتى مرارات أحيانا.

كالإنسان بالضبط، وإلى حد بعيد تُشبه هاته السيارة المتروكة في العراء لعاديات الزمان والسيارات القادمة حديثاً إلى المقبرة، – بدليل أنها لا زالت تحتفظ ببعض طلاءها -، السيارات من حولها كالمتفرجين، فيما الفولكس فاجن التي زادها الصدأ المتراكم فوق هيكلها مهابة ووقار, فيما هي تقف حزينة ومنكفئة على ذاتها.

إلى حد بعيد نجد هذا المشهد في الواقع وفي الحياة، فكم من مخذول وحزين ويائس ومُتخلى عنه في هذه الحياة يراه الناس رؤيَ العين ولا يقدرون على مساعدته لأي سبب من الأسباب.

هي ليست مجرد سيارة في تصوري أجتهد الفنان في تصويرها وانتهى الأمر حينً حمّلها بكل هاته الدلالات والمعاني، أو لنقُل أنها تحتمل كل ما أسبغنا عليها من تأويلات حتى وإن لم يقصد الفنان ذلك، ولعل للمعاني التي أُلبِست لها وللتأويلات التي أُسبِغت عليها دور في جعلها تقفز خارج دائرة النمطية مثلما تحدثنا في بداية المقال، إذ استطاعت ان تضرب عصفورين بحجر واحد كما يُقال أو أن تحقق هدفين بضربة واحدة متقنة هي بالتأكيد ضربة فنان حين حملت فكرة ومعنى وخُلاصة تأمل إلى جانب واقعيتها المفرطة، وبدلا من أن يطغى أحد شقيها الفكري والتقني عن الآخر تضافرا وسارا جنبا إلى جنب باتزان وهدوء نحو هدف واحد.

هذا بعض ما تداعى على الذهن من أفكار وصِور ونحن نتأمل في اللوحة ونغوص في ما وراء ألوانها وتفاصيلها، وليس ضروريا أن يكون تأويلنا وقراءتنا لها صحيحا أو موافقاً ومُلامسا لها، ولكننا في كل الأحوال حاولنا استنطاقها واستخراج ما بداخلها من دُرر وما أوردناه سابقا لا يتعدى كونه رأي في شان اللوحة ومحاولة لإضاءتها وقراءتها وإيجاد معادل لغوي لها، وهذه في الختام دعوة للمتلقي لإلقاء نظرة على اللوحة المرفقة بالمقال فلربما رأى فيها ما لم نرى وقرأ فيها ما لم نقرأ ليتعمق مضمونها وتتسع أفاقها.

مقالات ذات علاقة

خيول “جمال دعوب”

ناصر سالم المقرحي

زخارف حداثوية

المشرف العام

علي العباني: مشروع توثيق ليبيا جماليا …. خطوة للخلف كي لا تسرقك اللوحة

زكريا العنقودي

اترك تعليق