غلاف كتاب_الشخصية الليبية
قراءات

قراءة في كتاب “الشخصية الليبية” للدكتور منصف وناس

عن ليبيا المستقبل

د.عبدالسلام عمارة

صدر مؤخرا عن دار المتوسطية للنشر بتونس كتاب يحمل عنوان الشخصية الليبية، “ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة”، الذى يعد محاولة جريئة لتشخيص الحالة الليبية الراهنة وما وصلت اليه الأوضاع في ليبيا من ترد وانحلال للدولة مستخدما في ذلك المنهج الأنثروبولوجي للوقوف على أسباب القوة وأسباب الضعف للشخصية القبلية ومدى مساهمتها فيما حصل ويحصل وما يمكن أن تلعبه هذه الشخصية في حل الأزمة.

غلاف كتاب_الشخصية الليبية

هذا الكتاب الذى بين أيدينا حول الشخصية الليبية يأتي في ظروف حرجة وصعبة تمر بها ليبيا كثرت فيها التحليلات والاهتمامات الصحفية والاكاديمية ولكنها بقيت في عمومها في طور التوصيف والاخبار ولم تنفذ إلى عمق الأزمة.
غير أن هذا العمل يمثل محاولة جادة لاستخدام الحقل الامبريقي في فهم ما يحدث في ليبيا وبالتالي إيجاد العلاج الممكن لهذه المعضلة. ساعد في ذلك أن هذا الباحث هو من أهم المختصين في الشأن الليبي، يشهد له في ذلك مؤلفاته المتعددة التى تناولت المجتمع الليبي سواء خلال النظام السابق او خلال الازمة الحالية.
إن الذى دفع الكاتب إلى خوض غمار هذه الازمة هو حرصه على تطبيق المنهج العلمي في تشخيص ما يحدث عن طريق استعمال نظرية الشخصية القاعدية البدوية من أجل خلق حوار جاد وهادف ودعوة كافة أفراد الشعب الليبي ومكوناته القبلية والعشائرية إلى نبذ الخلاف والنأي عن اللجوء إلى استعمال أدوات الغلبة والقهر والغنيمة.
لقد استخدم الكاتب في تحقيق ذلك منهجية بحثية أنثروبولوجية والتى تمثلت في الاتي:
– اعتماد الملاحظة والمقاربة في تحليل النصوص والأحداث وتفاعل الاشخاص.
– التنظير بمنهج جديد في تحليل العلاقات الاجتماعية قائم على نظرية الشخصية القاعدية والتى تختلف عن الشخصية الوطنية والقومية والفردية.
– تطبيق هذه النظرية على المجتمع الليبي ليثبت الكاتب من خلالها وجود شخصية ليبية متميزة ولكنها لا تنفصم عن الشخصية العربية في مجمل خصائصها.
-دراسة الشخصية العربية التى نظر لها ابن خلدون ولكن في أطرها الجديدة وتفاعلاتها الحديثة ومدى تأثيرها على فهم مجريات الامور الراهنة فى ليبيا.
الهدف الرئيسي للكتاب كما أعلنه الكاتب إذا هو معرفة ما إذا كان مفهوم الشخصية القاعدية يمكن أن يساعد على تشخيص أماكن الضعف وأماكن القوة في صيرورة المجتمع الليبي بعيدا عن استعمال الأدوات السابقة كالبعد السياسي أو الاقتصادي او التصوري.
يقوم الكتاب في مجمله على محورين أساسيين من المقدمات والتحليلات:
يتمثل المحور الاول في تحليل الشخصية الليبية القبلية وسبر خصائصها والارتدادات السيئة لهذه الخصائص، أما المحور الثاني فيطرح تدارك الانعكاسات السلبية للشخصية الليبية وسبل معالجتها.
فيما يتعلق بالمحور الأول، طرح الكاتب سبع خصائص لصيقة بالشخصية القبلية الليبية وخاصية ثامنة مشتركة للشخصية القبلية في الدول العربية الأخرى. ولبيان تأثير هذه الخصائص في الازمة الليبية الحالية اتجه الكاتب حسب سياق تحليله إلى تصنيف هذه الخصائص إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1- خصائص سيطرت على سلوك النظام السابق
2- خصائص تفعل فعلها في تعقيد الوضع الحالي
3- خصائص حكمت الوضعين السابق والحالي

أما الخصائص التى سيطرت على النظام السابق ووجهت سياسته فتتمثل في خاصية الارتجال والتى تعنى عدم التمحيص والتروي في القرارات والاكتفاء برأي واحد وهي صفة لصيقة بالبدوي وتسيطر سيطرة كاملة على سلوكه. هذه الخاصية انعكست انعكاسا واضحا على بناء الدولة الليبية خلال النظام السابق حيث تم تهميش دور المؤسسات والقانون والادارة.
الخاصية الثانية تتمثل في عدم الاستقرار وتفضيل التنقل والارتحال وهي صفة عامة في البداوة انعكست انعكاسا كبيرا على النظام السابق حيث لوحظ عدم استقرار النظام على سياسة إدارية أو دستورية أو اقتصادية ثابتة.
الخاصية الثانية هي أن الشخصية القبلية غير متراكمة وغير حريصة على توطين التجارب والخبرات. وهذا ما يفسر ما حدث سواء في النظام السابق او في الفترة الحالية من تدمير للأرشيف والوثائق والادارات والذاكرة التراكمية للدولة الليبية، فكما عتم النظام السابق على الفترة الملكية وما فيها من ايجابيات، يكرر المسئولون الحاليون نفس السلوك بالانقطاع الكامل مع مرحلة النظام السابق وطمس كل معالم الدولة الليبية.
انعكاس هذه الخصائص على سياسية النظام السابق أدت إلى دخول هذا النظام في كثير من المختنقات التى أزمت المجتمع الليبي مما سبب في تفجر الأوضاع وتفاقمها وخروجها عن السيطرة سنة 2011.
أما الخصائص التى تحكم الوضع الحالي وتسبب في تأزمه فتتمثل أولا في الخاصية البرجماتية أي الانانية التى تجعل من القبيلة تجيد فعل استعمال الربح والخسارة، وقد استعملها الكاتب في تحليل ما حدث بعد 17 فبراير 2011 من انقسام للقبائل الى مؤيد للنظام السابق ومناوئ له. وهذه الخاصية تقود في تحقيق أهداف القبيلة إلى ازدواجية الشخصية القاعدية من حيث أنها من جهة لا تتخلى عن عقلية الثأر وإلحاق الضرر بالخصم ومن جهة أخرى تتظاهر بالتعاون والكرم والشهامة. وهذه الخاصية في رأينا هي التى تفسر بطء المصالحة وإقامة حوار بنَّاء في ليبيا.
أما الخاصية الثانية التى تحكم الوضع الحالي فهي خاصية الغلبة والغنيمة وهي وإن كانت قد استخدمت أثناء النظام السابق بصورة غير علنية فإنها اليوم تظهر للوجود وتسيطر على المشهد الليبي.
القسم الثالث وهي الخصائص المشتركة التى حكمت سلوك النظام السابق ومستمرة إلى الآن في توجيه الفاعلين على الساحة الليبية فهي الاتية:
1- خاصية الشمول والاستئثاريه والتى تعنى السيطرة ورفض المنافسة وسيطرة القبيلة على الريع والثروة لتضمن القوة والولاءات. وهذه الخاصية حكمت النظام السابق في محاولة عدد من القبائل السيطرة على مؤسسات الدولة وثرواتها وتهميش بعضها. أما في الوضع الحالي فإن هذه الخاصية فهي التى تفسر الصراعات المستمرة بين القبائل بعد سقوط النظام ومحاولة بعضها السيطرة على مفاصل الدولة وتهميش القبائل الأخرى بحجة تأييدها للنظام السابق.

2- الخاصية الثانية تتمثل في عدم الميل للجهد وضعف الاهتمام بالإنتاج والعمل ، وهي إفراط في الحرية والتخلص من القيود مما يجعله يعارض قيام الدولة ومؤسساتها ومقاومة تطبيق القانون. وهي كما طبقت في النظام السابق فهي اليوم حاضرة جدا وتقود فوضى السلاح وفوضى الادارة.
كل هذه العوامل مشتركة حكمت المجتمع الليبي وأدخلته في أزمات متعددة تستمر إلى الان ولا نجد مخرجا لها. هذه الخصائص وانعكاساتها رسخت في الذهنية الليبية عقلية البداوة.

وحسب الكاتب فإن “ظاهرة البدونة ليست ظاهرة مادية فقط بل هي ثقافة وبنية ذهنية ومجموعة تمثلات للواقع والحياة والوجود والعمل والانتاج المقدس. ولهذا صعب التخلص من هذه الظاهرة وتقليص آثارها الهدامة”. ورغم ذلك فكما يرى الكاتب “أن العناد البدوي لا يجب ان يمنع عملية إعادة بناء النظام الثقافي والذهني والاجتماعي والقيمي، ففيه يكمن الحل” .
ولذلك ياتى الكاتب بعد ذلك على ذكر الخاصية الثامنة وهي خاصية ايجابية، ولكنها للأسف مهملة سواء من قبل النظام السابق أو ما عليه الوضع الحالي.
تتمثل هذه الخاصية في قدرة الشخصية القاعدية البدوية على التأقلم والتحديث وهي خاصية يستخدمها الكاتب في المحور الثاني كأساس لعلاج الأزمة الحالية.

يطرح الكاتب من خلال استثمار هذه الخاصية آليتين اثنتين لحل الازمة الحالية في ليبيا.
الآلية الاولى تتمثل في رؤية ثاقبة يطرحها الكاتب لمسألة التحديث حيث يربطها بتطوير القبيلة من ناحية الابقاء على أهميتها في الوضع الاجتماعي مع صهر كل البنيات القبلية وما شابهها في مصهر المجتمع الشامل، حيث أن القبيلة الليبية قابلة للتطوير والابداع والدخول في تطوير المؤسسات. الشواهد كما ذكر الكاتب على ذلك كثيرة، فالتوسع العمراني والازدهار الاقتصادي والديمغرافي الذى شهدته ليبيا في السنين الاخيرة خير دليل على إمكانية الليبيين في التوجه نحو التحديث. كما أن براعة البدوي الليبي في التجارة تمثل شاهدا على عبقرية الوصول الى منابع المال وتطوير الشخصية البدوية لتحلق بمسيرة الحضارة الانسانية.
الآلية الثانية التى يطرحها الكاتب لحل الازمة الليبية تتمثل في آلية الحوار واستعادة الذات الليبية والاستفادة من النتائج التى توصل |إليها من تشريح للشخصية القاعدية البدوية والانعكاسات السلبية التى سببتها للمجتمع الليبي وأدخلته فى مختنقات خطيرة، والتى لا يمكن تجاوزها في هذه المرحلة الا بالحوار والمصالح وتحكيم العقل.

هذه النتائج التى توصل اليها الكاتب تمثل ناقوسا قويا يضرب أسماع الليبيين فيحرك فيهم الهمة والنخوة ويدفعهم الى الخروج من هذا القمقم والتوجه نحو الموائمة والمواطنة التى هي أساس بناء الدولة الحديثة ونبذ التعصب والقبلية والجهوية والأنانية.
هذا الطرح الطموح والمنهجي يحتاج الى آليات لوضعه موضع التنفيذ، ولكن للأسف هذه الآليات ليست كلها متوفرة نظرا لوجود مجموعة من الصعوبات لم يتطرق اليها الكاتب، والتى تمثل جزءا من هذه الشخصية الليبية بل والعربية بصورة عامة وساهمت بصورة كبيرة في تعقد الازمة الحالية في ليبيا. هذه العوامل من وجهة نظرنا يمكن ايجازها في الآتي:
1- البيئة الاقليمية والداخلية التى تشهد صراعا أيديولوجيا على حدته بين التيار الاصلاحي والتيار الاسلامي المتشدد والذى لا يمكن تجاهله في حسم الصراع فهو عنصر مؤثر فى الشخصية القاعدية القبلية الليبية من حيث توجيهها وسهولة اقتيادها من قبل هذه التيارات واستخدام الخاصية القبلية في حسم الصراع.

2- البيئة الدولية التى كان لها الدور الكبير في تأجيج الصراع في ليبيا قديما وحديثا والذى أثمر الوضع الحالي، فلا يمكن أن نقلل من استخدام الغرب لتركيبة القبلية في ليبيا، خاصة فى وجود النفط والغاز، وهذا أمر أكده الكاتب في الصفحة (52) حيث نقرأ : (فقد كان الايطاليون، لاعتبارات عسكرية معلومة، من أخبر الناس بتعقيدات العلاقات القبلية، وبكيفية توظيفها لصالح ايطاليا). فلا يمكن أن نتجاهل هذا الدور الرئيس في تعقيد الازمة الحالية في ليبيا.

3- حالة التخلف وذاكرة العنف والقهر التى مورست على الشعب الليبي منذ قرون وعقود وهي عنصر من العناصر اللصيقة بالشخصية الليبية ولا يمكن أن تتخلص منها إلا بالمضي قدما في تحديث الشخصية الليبية وصقلها بما يتناسب وتطورات وتحديات العصر. ولذلك أرى أن العنوان الفرعي يجب ان يشير الى هذه الخاصية فهي جد مهمة من حيث دورها الكبير في تشخيص الحالة الليبية، وذلك أن الحالة الليبية يحكمها ثالوث التخلف والغنيمة والغلبة. فالشخصية القبيلة التى تحكم سلوك القبيلة في ليبيا كما أنها متأثرة جدا بخاصية الغلبة والغنيمة، والتى تفعل فعلها الآن، فإن هاتين الخاصيتين تزدادان حدة بفعل التخلف وذاكرة الحرمان والقهر التى مورست على الشعب الليبي عبر التاريخ. فلا مجال للخروج من هذه الازمة الا بإحداث ثورة داخل العقل الليبي وإحداث تنمية شاملة لكافة فئات المجتمع، وهذه التنمية لا يمكن أن تقوم إلا بمحاربة الجهل والوصول بالمجتمع إلى درجة كبيرة من الرقي الثقافي.

إن التخلص من القبيلة أو التقليل من أهمية دورها ليس في حد ذاته كافيا للنهوض بالمجتمع الليبي مستقبلا ولكنه يمكن أن يساعد فى الوقت الحالي للخروج من الازمة، لأنه أولا: القبيلة هي مكون اجتماعي طبيعي تساهم مساهمة كبيرة في رأب التصدع الاجتماعي في وقت السلم وفى انجاح المصالحة بين الفرقاء في زمن الحرب، وثانيا أن التخلص من القبيلة في بعض المجتمعات العربية لم يخلص شخصية مواطنيها من السلوك السلبي التى تعرقل النهوض والتقدم مثل الشخصية التونسية والشخصية اللبنانية. ففى هذه البلاد، بالرغم من تخلصها من القبيلة، فإنها لا زالت تعانى من سلبيات متعددة (انظر لنفس الكاتب : الشخصية التونسية الصادر سنة 2009).
رغم هذه الملاحظات، فان هذا الكتاب يقدم حلولا مفيدة لهذه الازمة على المدى البعيد، أما على المدى القريب ولمعالجة الوضع الحالي فيكمن في التخلى عن الصراع الايديولوجي الحزبي ودخول الجميع في حوار شامل ومصالحة حقيقية برعاية الاشقاء، والشروع في تطبيق عدالة انتقالية فاعلة وحقيقية برعاية الامم المتحدة.

إن هذا الكتاب هو مشروع لإحداث دراسة شاملة للشخصية العربية، ويمثل مشروعا للنهوض بالأمة والخروج بها من دائرة التخلف والجهل والعصبية. إن برنامج النهوض بالدول العربية يجب أن يتم بصورة جماعية في الوطن العربي وأن يكون شاملا ولا مجزأ. فالنهوض بالمجتمعات العربية ينعكس انعكاسا ايجابيا على جميع دول المنطقة العربية. إن الحداثة والتحديث التى أشار اليهما د. المنصف وناس في كتابه وأثرى النقاش حولهما يمثلان حلا جوهريا لازمة الشخصية القاعدية القبلية الليبية بل والشخصية العربية بمختلف أنواعها من خلال ترسيخ علاقة المواطنة وقداسة العمل وحماية حقوق الانسان وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. لذا اقترح على الكاتب أن يطور هذا المخطوط ليشمل في تحليله الشخصية العربية بصورة واسعة ليتحفنا بعمل جديد كما اتحفنا بهذا الكتاب المهم عن الشخصية الليبية.

مقالات ذات علاقة

شعرية الأمكنة في ديوان (ابتهال إلى السيدة نون)

ناصر سالم المقرحي

‘مزرعة الفردوس’ رواية ليبية تستذكر الزمن الضائع

المشرف العام

سؤال الهوية في رحلة المفتي

عطية الأوجلي

اترك تعليق