طيوب عربية

قراءة في قصيدة: أنا فيك طائر للشاعر حسين عبروس

د.محمد عبد القادر تيطراوي – جامعة البليدة (الجزائر)

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي

ليس من اليسير أن يكتب أحدنا تعليقا، ولو كانطباع أولي، ناهيك عن إنجاز ورقة بحث، بعد قراءتنا لمقطوعة شعرية، فيها ما فيها من عمق المعنى: مجاز بالجملة، وألوان من التصوير الفني حافلة بسفريات المتخيل.

ولكن يكون ليس من اليسير أيضا، عندما يكون الشاعر يتحدث في صلب مقطوعته تلك عن شيء غير قابل للمساومة: اسمه الوطن.

أما عندما يتراءى لك، ولو بعد إعادة القراءة لنص ذات المقطوعة للمرة الألف، بأن الشاعر عبر نسق ذلك المجاز المبهر، وتحت وميض تلك الظلال شديدة الإيحاء، بتجلياتها الساحرة، ودلالاتها بعيدة الغور..

أما عندما يتراءى لك ذلك في لحظة انبهار وفي حدث التحام بين مشاعر(الأنا) المغرم، وفسحة(الآخر)، الذي صار (الأنا الأكبر)؛ لأن ذلك الشاعر الهائم، قد ذاب بكله وبشعره في ذاك الوطن…

عندما يحدث ذلك الالتحام الرطب السلس؛ الذي لا يتكرر الا للوطن، فإن الحديث عن محاولة استنطاق مفردات متن تلك المقطوعة، يكون حصرا للعبة الكبار.

ومن أجل ما سبق، فها أنذا قد حزمت لقرائنا الكرام ضغثا من بعض المسوغات عساهم أن يشفقوا لحالي، فأبرأ ذمتي، من أن أخاطر بالإبحار مع حسين عبروس في”أنــــا فيك طائر”.

الشاعر والكاتب الجزائري حسين عبروس

فما جدوى حيلة المتلقي إذا كان صاحب المقام المطهم (الشاعر)، قد صار طائرا حسونا من خضراء الشابي بالياسمين، أو عندليبا(أسمرا)، أو(سمانا من دون خريف) لنجيب نوبل، أو دعاء كروان، وقد أفزع(العميد) في رقدته نيل(النهضة) بأرض كنانة، أو صار حفيدا لـ(شحرور إيليا) الذي هاجر هذه المرة، و لغير العادة إلى أوراس جرجرة، أو أهقار أطلس الونشريس، قادما من جبل لبنان، وقد أفزعه سواد مرفإ بيروت الحزين.

فليت شعري، إن كان الطيب الصالح يسمعني، بأنه لم يعد سودان(موسم الهجرة إلى الشمال)، و بأكبر جغرافية في افريقيا، بعد أن اختزل تاريخه في طوفان و عرض مغر بالتطبيع، ووعد من(عدو حقود د صار محبا نصوحا)، بأن(النهضة)القادمة ستحط رحالها في درمان دبي.

ولو لم يرأف بي طائر(عبروس) الوديع الوفي، لأرهقني البحث في جغرافية عالمنا المتشرذم.

فأصغيت لتغريدته، حبا في الوطن:

” أنــــــا فيك طـــائر غرّيـــــد*وهذا الشعر ريشي ولحنــــي”

أغبط الشاعر عبروس على هذا الالتحام (الإنجاز الكبير) مع الوطن، وإن تعددت رحلات طائره بين أقطار مفزوعة أدمت جرحنا العربي (المسكين)، الذي بات من يوم(النكبة) يتسع يوما بعد يوم.

فضوء أخضر لشحرور الجزائر، من أن يتغني في وطن التصافي، والتمني، والقوافي، وليطب قلبا، ووفاء لأهل هم الأهلون الخلص(الأصفياء) لبلد المليون شهيد.

فلئن كانت هذه الخربشة، بعيدة عن أن تلامس شكل ومضمون وقيمة هذا الإبداع، فعسى أنها قد حامت بطائر (عبروس) فوق أعالي رباع جرحنا العربي الغائر، ولا يشك قارئ مثلي بأن ذلك الجرح الذي يدمي من (قدس) (أم القرى) إلى (أطلس الأميرعبد القادر) لا يخلو منه شعر ملتهب و هائم بالوطن.


” أنــــا فيك طائر”

شعر: حسين عبروس

وطني يخونني فيك التّغني
إذا كنت منك وما كنت منّي
ومنّـــــــــك هذا الصّــــــد
في القلب من بعض التّجني
أنــــــا فيك طـــائر غرّيـــــد
وهذا الشعر ريشي ولحنــــي
فــــــإن جارفيــــــك أهــــلي
فمــــــــا جــــــــدوى التّمني؟
وإن عـــــــزّ فيك التّـــــصافي
فمـــــــا بــــوح القـــــوافي؟
وإن شـــــــــطّ فيك المــــزار
فمــــــــا طـــــــــــعم التّــــغني؟
فـــــإن خنـــــــــت قبــــــلي
رجـــــــــوتك في العـــــــــالمين
لا تخــــــن هــــــــــــوى
بــــــــقلبيّ المـــــــــــطمــــــئنّ

مقالات ذات علاقة

ويركض الحنان في الأرجاء

مهند شريفة

الطبيعة البنائيّة في قصائد -رحلة إلى عنوانٍ مفقود- لآمال عوّاد رضوان!

المشرف العام

أنا الخبير بالدنيا

المشرف العام

اترك تعليق