النقد

قراءة في شخصيات “نزيف الحجر” للكاتب إبراهيم الكوني

 

رواية نزيف الحجر للكاتب إبراهيم الكوني (1989م) تتناول حقبة زمنية كانت فيها  ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي، فهي ترصد أحداثا ووقائع امتزج فيها الأسطوري بالواقعي، حيث تم في تلك الفترة غزو الصحراء وانتهاك مقدراتها الحيوانية التي تعرضت للإبادة الجماعية أدت لانقراض بعض حيواناتها (كالودان مثلا).

في أجواء أسطورية تم سرد أحداث هذه الرواية التي تطرح أبعادا فكرية وفلسفية،ورؤية صوفية جسدتها الشخصيات التي رسمها الكاتب في روايته من خلال بنية تضادية (صراعية) تقوم عليها الرواية كمعطى أساسي في تكوينها،حيث تبدأ الرواية بمشهد تتناطح فيه الغزلان، فهذا المشهد يمثل دلالة محورية في بنية الرواية وهي الصراع، الذي يتخذ أشكالا وأنماطا متعددة، إذ تتقاطع عدة مستويات من الصراع، يبدأ من صراع أبطال الرواية مع بعضهم، ولكل شخصية صراعها الخاص مع نفسها، وصراعهم مع بيئتهم الصحراوية، وصراعهم مع أبطال الرواية من الحيوانات (الغزالة والودان “روح الجبال”) وصرع مظاهر الطبيعة السهل والجبل.

تتمسرح أحداث هذه الرواية في الصحراء المترامية الأطراف، الصحراء المعزولة في أقصى الجنوب الليبي، فضاء لامتناهي من الرمال الحارقة والصخور الوحشية وأشجار الشوك والشمس الجهنمية، إنها صحراء الكوني وهي صحراء قبيلة الطوارق التي ينتمي إليها الكاتب بالمولد والنشأة والتربية، وبكل عناصرها الطبيعية والإنسانية والأسطورية بكل معتقداتها وتصوراتها وقيمها.يتحرك أبطال الرواية في هذا الفضاء عن طريق الراوي الموجود في الوقائع والأحداث وداخل كل شخصية، فهو الذي يحرك الشخصية ويرسم لها مسارها ويفسر تصرفاتها ويطلق أحكامه الأخلاقية والقيمية على أفعالها.

يتداخل في هذه الرواية مستويان : مستوى أسطوري ومستوى واقعي شبه تاريخي، إذ نرى علاقة تفاعلية بين المستويين، كما لكل مستوى جانب يضئ المستوى الثاني، وإذ كان المستوى الأسطوري يمثل العدالة السماوية (قدرية الحدث : الموت، الجنون) بينما المستوى التاريخي يمثل العدالة الأرضية (القانون الأرضي).

أبطال الرواية الذين تتولد الأحداث والمشاهد من حركتهم وتفاعلهم أو تأزم  علاقاتهم، هم شخصية أسوف البدوي الراعي، قابيل، مسعود، والد أسوف ووالدته، عالم الآثار الطلياني، جون باركر الأمريكاني، شيخ الصوفية الدرويش (جلولي) شخصية الودان (روح الجبال) والغزالة.

جاءنا الكاتب بنموذجين متناقضين لشخصيات أهل الصحراء، تمثلا في شخصية أسوف وشخصية قابيل، فكلا الشخصيتين صحراوية ولكنهما تختلفان في طريقة تفكيرهما وتعاملهما مع بيئتهما ومحيطهما، والنموذج الثاني للشخصيات، هي الشخصيات الوافدة من الخارج : شخصية عالم الآثار الطلياني وشخصية جون باركر الأمريكاني، فالأول محب لحياة الصحراء يقدس المخلوقات، والأخر مدمن على أكل اللحم يساعد قابيل في غزو الصحراء واصطياد حيواناتها (الغزالة والودان)، وعند قراءة العلاقة بين رؤية الكاتب وبين بناء الشخصيات في الرواية واختياره للراوي المسيطر على الشخصية المنقادة للحدث وليست صانعة له يجعل منها رواية أحادية الصوت، فالشخصية تتحرك ضمن خط مرسوم لها مسبقا وليست مستقلة لها ملامحها الاجتماعية والنفسية ومداركها الفكرية في العمل الروائي.

يقدم الكوني شخصياته من منظور تضادي، فأتى بالشخصية ونقيضها في محاولة منه لتأصيل فكرة الصراع في بنية الرواية، لم يستطرد الكاتب في أوصاف أسوف الجسمانية (الشخصية المحورية) ولكنه أكتفي بإعطاء بعدين هما (طويل ونحيل) ليفتتح مخيلة القارئ في تصوره لهذه الشخصية من خلال هذين البعدين اللذين يتميز بهما رجل الصحراء عن غيره.” ارتبك أسوف مرة أخرى فسارع يداري ربكته بشّد اللثام على وجهه “، ” تصاعد الدم إلى وجنتي أسوف وبدأ يرتجف “، كلها دلائل تشيرإلى شخصية أسوف الخجولة بما فيها من صفاء ونقاء داخلي ـ النقاء الصوفي ـ فهو شخصية معزولة عن عالم البشر، خائف منهم إلى حد الرعب، خجول مرتبك، متردد، يؤمن بالسحر والشعوذة والأسطورة، يؤمن بظاهرة التحول (إحلال الروح، كما في الصوفية) هذه الشخصية تجسد الأبعاد الفكرية للكاتب، فهي تصور النموذج المثالي لابن الصحراء (التارقي). تربيته الصارمة وحياة العزلة التي عاشها في الصحراء شكلت ملامحه المركبة، فأصبح حذرا من كل شيء، فإلى جانب خوفه من الناس وتعامله الحذر مع قوافل المارة التي كان يتبادل معها الماعز بجوال من الشعير، فإنه يتعامل مع عِالم الآثار الطلياني، والسواح الأوربيين بشيء من الراحة والألفة. فالقارئ لا ينخدع في سذاجة أسوف وهدوئه وصمته وخوفه، لأن خلفها تكمن قوته في صموده وصبره التي ظهرت عندما رفض أن يخبر قابيل عن أسرار الودان ومكانه، هذه الصفات أفرزتها صحراوية هذا الراعي .

وعلى النقيض منها شخصية قابيل، فهو طويل القامة قاسي الملامح، صارم جرئ سريع الغضب نزق، همّه الوحيد أكل اللحم وخاصة لحم الودان ، في عينيه نظرة خبث فهو متعجرف عدواني شرس يشعر دائما بالضجر، في طبعه قساوة  ووحشية، مدمن على أكل اللحوم، الجرأة مع الوحشية في التصرفات ومعاملته غير الإنسانية لأسوف شكلت ملامح شخصيته، فهذه الصفات السلبية التي أسبغها الكاتب على هذه الشخصية الدموية منذ طفولتها -فقد أُرضع دم غزال فهو منحوس وملعون وقد أصابت اللعنة كل من قام بتربيته- تشكل محور الصراع التناقضي بين أسوف وقابيل، فقد أضفى الكاتب صفات الوحشية على هذه الشخصية وشبهها بآكلة لحوم البشر (يم، يم) في وحشيتها وتعطشها للدماء مما زاد من بشاعتها، فقابيل يمثل عنصر الشر فهو رمز للإنسان الخائن الذي يساعد الغريب في انتهاك قدسية وطهارة أرضه، لذا فهو منحوس منذ ولادته.

والد أسوف العجوز ، شخصية صارمة متعنتة انعزالي يحب الوحدة لا يثق بالناس يعشق الصحراء وحيواناتها، فاقد الأمل في بني البشر يبحث عن الحرية التي تصور أنها موجودة في عمق الصحراء، الصحراء التي عشق الحياة فيها وعشق حيواناتها حيث أبرم مع الودان “عهد الطوطمية ” ولكنه خالفه ونال جزاءه.

الخبير الطلياني الأشيب، عالم آثار، ودود، محب للصحراء، يقدس كل المخلوقات، ضد الانتهاك والاعتداء والإهدار، يمثل الحفاظ على البيئة الحيوانية والأثرية من كل العبث والخراب. على العكس منه شخصية جون باركر الأمريكاني،  كابتن بقاعدة هويلس، لديه شغف بفلسفات الشرق ولديه فضول لمعرفة طرق الصوفية في شمال إفريقيا، فهو رمز للغريب الذي لا يأتي إلا بالخراب والدمار بآلاته العصرية : البنادق، والسيارة اللاندروفر والهيلكوبتر المسؤولة عن اقتحام وانتهاك حرمة الصحراء والعبث بها وبقوانينها.

مسعود صديق قابيل ومساعده، قصير، بدين نشط، تابع لقابيل لا توجد لديه شخصية مستقلة انتهازي. والدة أسوف، لف الراوي هذه الشخصية بقدر من التعتيم، فهي زوجة وفية، تحملت العزلة والغربة عن الناس مع حياة الصحراء القاسية، توفيت وحيدة عندما جرفها السيل إلى الوادي، فقد دفعت هذه العجوز ثمن الحرية التي أرادها زوجها وثمن العزلة بموتها وحيدة. بشاعة موت العجوز وحيدة وصورة أشلائها المبعثرة في أطراف الصحراء ومأسوية المشهد الجنائزي وشواهد قبورها الخمسة المتباعدة (تدين قسوة المجرم المجهول) على حد تعبير الكاتب، هذا المجهول يقودنا لبعض الاحتمالات، فقد يكون هذا المجرم زوجها الذي زج بها في هذه الصحراء المعزولة بحثا عن الحرية، وقد يكون في غدر الصحراء وقسوتها.

 شيخ الصوفية (الدرويش جلولي) وحيد منعزل -وهو في وسط الناس- بسبب غرابة آرائه الدينية والدنيوية، موصوف بالزندقة.

شخصية الغزالة التي بقيت في مكانها بعد هجرة القطيع مضحية بنفسها لإنقاذ قابيل وأبويه من الموت عطشا في الصحراء، فهي تجسد فكرة التضحية بخلق علاقة أخوية طوطمية مع بني البشر. الودان (روح الجبال) أقدم حيوانات الصحراء الأفريقية ، أسبغ الكاتب على هذه الشخصية هالة من القدسية والأسطورية، فهو الشخصية المحورية التي تدور الأحداث في فلكها وتقود الآخرين إلى حتفهم.

ترسم الرواية في تطورها عددا من المسارات الفكرية والرؤيوية  تجسدت في البحث عن الحرية عن طريق العزلة في الصحراء جسدها الراعي وزوجته وابنهما أسوف .الحفاظ على البيئة الحيوانية التي تمثلت في أسطورة اتحاد الإنسان مع عناصر الطبيعة ومع العالم الحيواني الطبيعي كما في الطوطمية التي تقيم أواصر قرابة ما بين جماعة من البشر وحيوان يمتلك القدرة على حماية البشر، وبالمقابل أن يراعوا الامتناع عن صيده وتحريم أكل لحمه وحمايته من الصيادين الآخرين.

يطرح الكاتب فلسفته عن الحياة والموت والوجود والعدم وعن حياة أخرى بينهما (الحالة الفاصلة بين الموت والحياة، الوجود والعدم) فهي ليست عدما وليست وجودا تلك التي عاشها أسوف وهو على شفير الهاوية معلقا بين الحياة والموت، وعاشتها أمه عندما وجد أصابع يدها الممزقة وهي متشبثة بأشجار الطلح، وعند الحيوانات فـ(المعزة تسحب الهواء تتنفس طويلا بعد ذبحها، أما الودان المذبوح فينهض واقفا بدون رأس ويجري مسافة طويلة في العراء قبل أن يستسلم نهائيا ويسلم أمره لله.. الحال مع العظاية أسوأ، تذبحها في الصباح وعندما تلقيها في النار لتشويها في الليل لابد أن تقفز من الجحيم وتجري في العراء) ص76

هذه الرواية تعد نموذجا للرواية الفكرية، فهي تحوي قيما فكرية وفلسفية وصوفية تداخلت مع الأسطورة، في بحثها عن ماهية الحرية ومفهومها، وعن تحرير الإنسان من كل القيود عن طريق فلسفته الصوفية معتبرا أن العيش في تلك الصحراء النائية بحرارتها وقسوتها نوع من تطهير الإنسان من ذنوبه عن طريق تعذيب جسده ليصل إلى الصفاء والنقاء الروحي المنشود عند الصوفية .

يوظف الكاتب فلسفته الصوفية المتمثلة في إحلال الروح، ليؤكد بها فكرته الأساسية وهي حماية البيئة الحيوانية من الصيد العشوائي، فهو في هذه الرواية يدين الاعتداء، ابتداء من اعتداء البشر بعضهم على بعض وانتهاء باعتداء البشر على الحيوانات، تتداعى الأفكار لتدور في فلك الفكرة الرئيسية التي يؤكدها مبدأ التضحية، فقد ضحت الغزالة بنفسها من أجل البشر وكذلك ضحى أسوف بنفسه من أجل حماية الودان، هذه العلاقة الجدلية بين تضحية الغزالة وتضحية أسوف هي المحور الرئيسي الذي تدور حوله الرواية، فالأشياء والأحداث والأشخاص تتحرك ضمن مركزية هذه الفكرة، حيث يطمح البناء الفني للرواية من سرد وأحداث محكومة بالزمان والمكان، إلى تكوين صورة إجمالية لأفكار الكاتب وفلسفته في مناخ أسطوري يستمد وحيه من الأجواء الطقوسية والصوفية لأبناء الطوارق.

تكتسب الصحراء في سياق الرواية أبعادا مغايرة لكونها ذلك المستوى الجغرافي بعزلته وقساوته، فهي تمثل قيم السمو والصفاء والنقاء، وتعني كذلك الحرية، وتمد مساحة للتأمل والتفكر لإشباع الفضاء الروحي، فهذه العوالم لا يدركها إلا ابن الصحراء نفسها، لكن في المقابل فهي أرض الخطر حيث لا علامات دالة ولا ماء ولا ظل، إذ لا تسمح لأي معتد بامتلاكها وانتهاكها أو العبث بها، فمن تسول له نفسه يكون مصيره الهلاك والموت.

الحدث قدري ينساق إليه أبطال الرواية بصورة تراجيدية، حيث يصور الكاتب المصائر المأسوية لشخوص الرواية كل حسب اختراقه وانتهاكه لحرمة العهود والمواثيق، فحينما خرج الأب على العهد الذي قطعه على نفسه بعدم صيد الودان وطارد ودانا، استدرجه ذلك الودان الذي سبق أن أنقذه من الهلاك إلى حتفه عند قمة الجبل ؛ لأنه خالف النذر، وكذلك تورط الابن في مطاردة الودان في محاولة لصيده، إذ انتهى به الأمر إلى قمة هاوية عاجزا عن النجاة من الهلاك فأنقذه الودان في لحظة اليأس وهو على شفير السقوط في الهاوية، وقابيل كانت نهايته الجنون بسبب انتهاكه للقوانين الطوطمية، هذه النهاية كانت خاتمة لسعيه الجنوني الخائب وراء صيد الودان، وإصرار الراعي على الصمت والالتزام بإخفاء أسرار الودان والتضحية بنفسه أدت إلى قتله مذبوحا على صخرة الودان المقدس المحفور على حجر الأقدمين، تلك الصخرة التي بدأ بها الكاتب مشهده الأول في الرواية وأنهاه بها في بناء دائري مصورا الراعي وهو مصلوب على الودان وملتحم به، واختيار الكاتب لنهاية الصلب لشخصية أسوف تعد رمزا للتضحية والفداء من أجل الحفاظ على عهود الطوطمية، لتحقيق الأسطورة المكتوبة على الحجر (( إن الخلاص سيجيء عندما ينزف الودان المقدس ويسيل الدم من الحجر، تولد المعجزة التي ستغسل اللعنة وتتطهر الأرض ويعم الصحراء الطوفان)) ص. يرمز الكوني من خلال هذه الأسطورة الحفاظ على البيئة الحيوانية الصحراوية من الانقراض بمنع صيدها والاعتداء عليها، إذ أظهرت النهاية المأسوية لشخوص الرواية بجنون قابيل وموت والد أسوف وموقف الهلاك الذي حدث لأسوف، ـ  إذ أيقضه وجعله يتراجع عن صيد الودان والتضحية بنفسه من أجل العهد ـ، بأن الإنسان هو المسؤول عن نقض العهد المبرم في الطوطمية لهذا استحق عقابه.

تجاهل الكاتب مصير القادم من الخارج مع أنه كان مسؤولا عن الخراب والدمار للبيئة الصحراوية بجلبه للبنادق والسيارة اللندروفر والطائرة المروحية،لأنه يعتبر أبناء الصحراء هم المسؤولون عن أرضهم وأنهم هم الذين يمكنون الغريب منها أو يدافعون عنها، والكاتب يؤكد على أن الشر متأصل في بني آدم ولم ينشأ كظروف موضوعية عايشتها الشخصية، هذه الفكرة تجسدت في قابيل رمز الاعتداء والقتل، تدور أحداث هذه الرواية في محورية المنطلق التقليدي، صراع الخير والشر، السلم والاعتداء، فمن خلال شخوص هذه الرواية وتناقضاتها وتحركها في الفضاء المرسوم لها وتفاعلها فيما بينها وتفاعلها مع محيطها سلبا أو إيجابا، يروي لنا الكاتب أعمق المبادئ الإنسانية باحترامه لقداسة الحياة ضد الانتهاك والاعتداء،

هذه الرواية وإن كانت تمتاز بغنى رمزي، فإنها تفتقد المرونة الأدبية، حيث ظلت تحمل الطابع الفكري  الحاد والواضح ، إذ يستوقف القارئ الكثير من الأفكار الفلسفية التي ضمنها الكاتب في ثنايا روايته.

________________

الهوامش :

نزيف الحجر، إبراهيم الكوني، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، ليبيا، ودار الآفاق الجديدة، المملكة المغربية، ط 2، 1991 م

مقالات ذات علاقة

المسلاتي.. إثارة الدهشة بتفجير المألوف

المشرف العام

سطوة الحرف في شعر المهدي الحمروني

المشرف العام

التَّذَوُّقُ الأَدَبِيُّ وَإِبْدَاعِيَّةُ التَّلَقِي

خالد السحاتي

اترك تعليق