النقد

قراءة في رواية أحمد الفيتوري (بيض النساء)

رواية بيض النساء

” ثمرة عصية كجوز الهند حليبها يخض”… ولكن دونها سبل…

فالحجم الصغير لكتاب تزيد صفحاته قليلا عن المائة تمهد لوهم الإتيان عليها في لقمة واحدة، ولكن المتن، الذي يضم أربع روايات: حليب الروح- مقبرة الأفاعي- كل واحد- القفص الزجاجي، سوف يتمدد بين يديك وينكمش مثل حبة قمح تدركها في نظرة وقد لا تدركها في موسم حينما يشترط حق المعرفة رحلة إلى المعرفة الحق، إلى منابت الحب إلى الحقل الشاسع، في الفضاء الواسع.. رحلة الفرد نحو أنا ليصل إلى هو منفردا أو مجتمعا.

هي رواية إذا، يشير إلى ذلك الغلاف أيضا، ولكنها لقارئ مغاير. فهي غير كل رواية.. كيان معماري لافت خرج عن تقليد سائد ونمط رائد في الفن الروائي. تأسس على حكي سهل في نص عصي.. سرد يسبح في شعر النثر.. في نفس طويل مذهل يقبض على غير هوادة على لحظات عديدة بلا عد في لحظة واحدة تتفرع في سواقي عديدة وفي كل ساقية، قبل أن تكون القارئ المغاير، لسوف تسال نفسك “اني وين كنت” وقد ترجع إلى أول السطر أو أول النبع، باحثا عن ضمير متصل يربط (حدوثة) ببعضها، عن بداية تمضي في خط مستقيم حتى النهاية أو نهاية تعود بقارئها إلى البداية.. عن خطي الزمان و المكان عن أبطال تنزلق معهم إلى العقدة أو الحبكة أو الذروة ثم تسلك خط الرجعة إلى الظهور أو حل العقدة.. حدوثة تستطيع أن تعيدها على مسمع من يسألك عن (الحدث الذي تدور حوله الرواية) ولكن مثل هكذا رجوع و مثل هكذا عودة و مثل هكذا بحث مبدد في فضاء نفسي يتصيد خيوط كثيرة يتردد صداها في مكان غير موجود، “ليس ثمة مكان فالأماكن تتشابه، ليس للمكان وجود “، و زمان ” لا وجود له إلا باعتبارات ذاتية محض ” فمن الموجود إذا؟ هل هو حامل القلم والورقة، تارة يقرأ وتارة يكتب “حاله الكامن بين انه القارئ وبين انه الكاتب”؟ ليصنع من هذه الخيوط رواية هي نسيج وحده.

ولكن المتعة في القراءة حاضرة بكل دلالها وجمالها كغزال رشيق يتهمل الركض في مروج ربيعها دائم أمام بصر وسمع القارئ الحاضر بكل أحاسيسه يستشعر طعم الكلمات في فمه وسطوتها في حواسه وأثرها في عقله. 

 يبدو لي أول هذه السبل إلى جوزة الهند العصية هو (مفتاح) يضعه الفيتوري في أول المتن أمام القارئ المغاير. ذرة رمل تتطاير بين قدمي زرادشت أو (أزرا كما سمي في العربية) وهو يتوغل في عمق الوادي، في سيره الفرح نحو العزلة، في خجله من غروره وضآلة حكمته، في تراجعه أمام تحدي السؤال “من أنا” وهو “يلوك كلمات الغرباء ويمضغها ويزدردها غذاء لنفسه”، فيتوهج القنديل ويكشف نوره عن حكمة يسطرها نيتشه لأرواح تنشد الهدم من اجل الفهم، وترى في ذرة الرمل حقل القمح.

ولكن المفارقة أن هذا المفتاح ليس من السهولة أن يوضع في القفل ويديره، وإلا ما ظهرت نصوص شارحة وكتب فيما كتب نيتشه وهو يتكئ على كلام أزرا السارد الشاعر. ولكن اللجوء إلى هذا الكون الشعري في نص نيتشه يبدو في ضرورة تذكرة لمن أراد الصعود إلى متن الرواية حيت يبدأ الضوء في الهطول من ثقب صغير في حجم حرف ثم يتسع شيئا فشيئا حتى يصبح لغة شاهقة من عدة طوابق.

في حليب الروح في الرواية الأولى في السطر الثالث يقدم الفيتوري بطلة روايته ” هي وحيدة كقطة فاجأها الطقس البارد.” ونمضي معه وهو يمتص فلفل أوجاعها في وحدتها في تعبها في لهاثها وهي تفصح في السر عن مخاوفها من الرصيف إلى القطار إلى العربة إلى الكرسي رقم 3 في قطار أخر الليل المجاور لرقم 4 حيث الراوي يتلو عليها في صوت رخيم همس الشاعر في أذن الغياب فتسأل

“عفوا لمن هذا الشعر”

“لصديقي سالم العوكلي.”

“أهلا وسهلا أنا لولو الحناوي”

وننتبه إلى رواية هي قصيدة طويلة وهذه لازمة تتكرر في مفاصلها بعد كل حين فالشاعر تارة مفتاح العماري وتارة ميسون صقر وتارة أخرى سالم العوكلي.

لولو الحناوي “وحيدة في بيت وحيد” تنام وتصحو على فيروز وعصير البرتقال لا يفارقها كما لا يفارق السكري دمها “تمتشق جسدها وترطب الجو بحليب الروح”. والراوي يقتنص لحظاتها جيئة وذهابا في المرقد “الذي تحرثه وما من مطر يروي عطشه” وفي النهار وهي ” تخلد لليقظة وتصادر أحلامها عنوسة المكان” في المطبخ وهي تعد وجبة باذخة لجسد في جوع دائم.. في البيت وهي تعري جسدها، في السفر وهي تعري روحها عندما يرتخي زمام الكلام. هل كان القناص الماهر يروي سيرة بطلة روايته لولو الحناوي عندما كان سمعه المرهف طوق نجاتها الذي تشبثت به وهي ” تغرق في بحر دموع البيت الذي يضغط على ضلوعها حتى تفقد النفس” ام كانت هي من يسرد سيرة الراوي وهي تقبض على خوفه وجوعه ووجعه ووحدته في زنزانة بعيدة وغرفة عمليات قريبة كأنه “يؤنس وحدته بوحدة لولو” حيث وجد في “وحدة بطلة الرواية مشكاة روحه”.

في طرابلس في بنغازي في القاهرة في الطفولة بيت العائلة في الأبوة بيت الزوجية في الأصدقاء بأسمائهم الحقيقية، أو ربما هي كذلك، عاشور الطويبي جمال القصاص فرج الترهوني خالد الترجمان هاني الكيخيا، “الأستاذ احمد الفيتوري” في الحب في البغض في الجفاف في المطر في الجوع في الشبع، في مقبرة الافاعي في القفص الزجاجي في مكتبة قورينا في الكتابة في القراءة في رسائل العراقيين في صوت فيروز و غناوي العلم و أشعار المتصوفة وحلقات الحضاري… يتمدد الزمن أمام شاشة الكمبيوتر ” لن تكون وحيدا! السرد أنيس كل من لا أنيس له” ويتمدد المكان في كوة الزنزانة ” لم يكن لي غير أن انسج قصة وكل سارد ينسج في حكيه قصة عشق”. وفي هذا التمدد تلد اللحظة ملايين اللحظات، وتلد الكوة ملايين الخطوات يقطعها الراوي من ” لولو تهندس الروح وتؤثث الوحدة بفيروز” إلى ” زوجته أخذت الأطفال وذهبت في زيارة للجيران حتى يتمكن من لولو بمفرده” في الرواية الرابعة والأخيرة (القفص الزجاجي) نلتقي في إطلالة أخيرة مع لولو والراوي ينصت وحيدا “إلى لهاث الحروف وتدفقها كسيل في جمل تشكل وحدة لولو” 

البطلة الوحيدة في هذه الروايات الأربع تبسط لوحدها وجعها نيابة عن كل النساء وبيضهن يعينها في ذلك راوي تارة هو حارس الزنزانة وتارة أخرى هو طبيب ليبي وهو في كل تارة مبدع يستدرج الكلمات على حوافرها إلى النبع إلى فوهة السرد ويجعلها تشرب ويجعلها تصهل تتخلق تتكون تتحدث تنبعت تنعزل في سرد فاحش البلل يخبش الروح العطشى في سعيها لماء مهين تصادف أيضا ويا لغرابة القص وعبقرية الكشف وسحر الكلمات أن من بين أسمائه الحسنى حليب الروح، وبيض النساء.

مقالات ذات علاقة

أشواق علي الرقيعي الصغيرة

نورالدين خليفة النمر

مختارات 

ناصر سالم المقرحي

التناص.. رؤية نظرية

المشرف العام

اترك تعليق