النقد

قراءة في حكايات ليبية عن الهرب من الفاشية

القدس العربي

سعيد خطيبي – الجزائر

غلاف رواية الهروب من جزيرة أوستيكا
غلاف رواية الهروب من جزيرة أوستيكا


مع بدء العشرية الثانية من القرن الماضي، وصل جيش الاحتلال الإيطالي إلى سواحل ليبيا، شرع في الإنزال ثم في التمدد شيئاً فشيئاً، ليُسيطر على البلد.

وبعد عشر سنوات من بسط المحتلين سياستهم، انتقلت إيطاليا إلى يد الفاشية، وصارت ليبيا في مواجهة ذات حدين، مع مستعمرها الأوربي.
مقاومة عمر المختار لم تهدأ، والانتفاضات الشعبية تعددت، وبؤر الثورة تكاثرت، لكن المستوطن كان أكثر ضراوة، تمكن من تطويقها، امتلك ما يكفيه من خبث وحيلة في فرض هيمنته.

واستقرت الأمور ضد خيار الشعب الليبي، الذي ظل يُحاول أن ينظم صفوفه من جديد، أن يكرر كسر الاحتلال الذي طوقه، من أجل كسب مساحات حرية أوسع ومراوغة «الطليان»، وانشغل ـ في ذلك الحين ـ المؤرخون، ومعهم شعراء بالعامية، في تدوين الأسطر العريضة من سنوات الحكم الفاشي على ليبيا، لفهم ما يحصل على الأرض من عسف ومن ميز وطبقية وازدواجية في التعامل مع الأهالي،

لكن الكاتب الليبي صالح السنوسي يقترح تاريخاً فردياً لتلك المرحلة، يخرج من جغرافيا ليبيا وينظر إليها من زاوية مغايرة، يكتب في روايته «الهروب من جزيرة أوستيكا» (الهيئة المصرية العامة للكتاب) عن مسارات أشخاص، مصائر مُناضلين، وجدوا أنفسهم مهجّرين ومنفيين من حواضر بلدهم الأم إلى جزيرة إيطالية معزولة، يعيشون في قطيعة مع حاضرهم آنذاك، ورجاؤهم في الخلاص ضئيل لولا بعض الوقائع، التي سوف تغير أقدارهم.

تنطلق الحكاية من جزيرة أوستيكا، التي تبعد بضع عشرات الكيلومترات من يابسة باليرمو، التي تطوقها روابٍ وبركان خامد، وجنود، ولا أمل في الهروب منها، سوى بتواطؤ أو بإطلاق سراح المساجين، وهو أمر نادر الحدوث في تلك الحقبة.
فمنذ عام 1911، ووصول الاحتلال الإيطالي إلى جنوب المتوسط، أُلقي فيها مساجين ومنفيون ليبيون، والأرقام التاريخية تشير إلى 1200 ليبي سُجنوا هناك، وغالبيتهم لم يخرجوا منها بل دفنوا فيها، وأيضاً مناضلون شيوعيون إيطاليون ساقهم الفاشيون إلى هناك، وذلك ما حصل لأنطونيو غرامشي مثلاً، لقد كانت أسوأ من الغولغ الذي شيده السوفييت في ما بعد.

تحولت أوستيكا من جزيرة هادئة إلى محتشد ترهب به السلطة كل معارض لها أو سجين أجنبي يقع بين يديها، لقد كانت جزيرة اللاعودة، من الصعب أن يفكر واحد من المساجين فيها بالهرب أو بالعبور إلى باليرمو القريبة، لقد كانت أسوأ من السجون، يختبرون فيها أقسى التعذيب.

ومن يقوده قدره إليها فهو يعلم ـ مسبقاً ـ أن أفظع السيناريوهات في انتظاره، وأن العفو لن يبلغه، وأنه يُراد له أن يلفظ أنفاسه من جوع أو عوز أو حيرة، والمهم ألا يعود إلى الحياة العادية مثلما كان قبل أن يصل إلى تلك الجزيرة ـ المعتقل.

ضمن هذا الديكور، الذي لا يبعث سوى على القلق، ولا تفوح منه سوى روائح موت محتمل، يشرع السنوسي في سرد الرواية.
«بعد حلول ظلام أحد أيام شهر يناير/كانون الثاني في السنة الرابعة من العهد «الفاشيستي» الموافق لعام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين، تحرك مركب صغير من بين السفن الراسية في ميناء بنغازي، ليرسو على أحد الأرصفة المعزولة في الطرف الغربي من الميناء، حيث ينتظر طابور من الرجال مكبلي الأيدي تحت حراسة شرطة «الكارابنيري» وخلفهم جنود بنادقهم تبرق شفرات حرابها، تحت الإضاءة الخفيفة التي يسلطها المركب على الرصيف لكي يتمكن هؤلاء الرجال مكبلي الأيدي من رؤية طريقهم إلى جوف هذا المركب، الذي يحمل إشارات البحرية العسكرية الإيطالية»، وكانت وجهة المركب تلك الجزيرة التي شاعت شهرتها، بأن الدخول إليها ممكن أما الخروج منها فأمره بيد المعجزات.

لا يحكي المؤلف عن السنوات الأولى من المنفى، وكيف قضاها المنفيون الليبيون، بل يفضل أن يقفز مباشرة إلى السنة السادسة من وصولهم إليها.

ونتعرف على هويات المعتقلين:
خالد الكيلاني، محامٍ درس في فرنسا، وشغل مناصب في الإدارة العثمانية ـ المنتهية آنذاك ـ ومُتهم بالتحريض على الاحتلال الإيطالي،
سالم البراني، عمل مدرساً في المدرسة الإيطالية العربية، ومتهم بالتعاون مع ما يسميه الاحتلال بالعصاة،
حامد الصافي، شيخ بلغ الستين، وهو واحد من مشايخ السنوسية في الجبل،
الحاج سليم محمود، تاجر متهم بتقديم دعم لمن سموهم بالمتمردين،
حسين الفضيل، وهو شاعر، كرّس قصائده في مناهضة الحكومة الاستيطانية، والشيخ مسعود الجارح، يمتلك ثروة حيوانية، سخرها في دعم «المتمردين»،

هؤلاء كلهم أصدرت الإدارة الفاشية أحكاماً في حقهم تتراوح بين العشر سنوات والمؤبد، لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضاً، لكن حياتهم المشتركة في جزيرة أوستيكا، وتقاسمهم يوميات المنفى، ستجعل منهم ما يشبه فرقة كومندوس مُسالم، يُعيد تدوير تاريخ ليبيا، زمن الاحتلال، وسرده بالتوالي بين ألسنة المساجين.

كانت يوميات المنفيين تسير نحو الخط المتفق عليه، السجن حتى الموت، ومن يمرض منهم يُعزل، ولا خلاص لهم سوى باستعادة حكايات وحنين عن حياتهم السابقة في مدنهم الليبية، بين أهلهم.

«لا يستطيع المنفيون العرب الحصول على الأخبار، فهم معزولون عن العالم داخل سجن تحيط به جبال سوداء وليس بينهم وبين العالم الخارجي حلقة وصل سوى بعض الرسائل وهي لا تتعدى بضعة أسطر لا تخرج عن أخبار العائلة المحصورة في موضوعات الموت والميلاد والزواج، فإذا خرجت عن ذلك تتم مصادرتها ومعاقبة مرسلها».

تسير الرواية في كتابة خطية إلى أن التقى سالم البراني بلورينزا جيوفاني، بعدما بات يخرج، مع زملائه، للعمل في حقول مجاورة، تحت أعين الحرس.
«في البداية وجدنا صعوبة في التفاهم لأنها تتحدث بلهجة أهل الجزيرة المختلفة عن اللغة الإيطالية التي تعلمناها، ولكننا تغلبنا على ذلك بالإصرار والتعود، ولأن ما بيننا أقوى من لغة الكلام»، يقول سالم.
تتطور العلاقة بينهما، في غفلة من الحراس، ويتواعدان بشكل مستمر، في بيتها، ويقع ما لم يتوقعاه بأن تحمل منه، ولا يجدان خياراً لهما سوى في محاولة الفرار من الجزيرة، بتواطؤ من كارلا، والدة لورينزا بالتبني.
السجن لم يكن نقيض الحب عند أولئك الليبيين، وأن يُحكم عليهم بالمؤبد ليس مانعاً في التفكير في خلف لهم، في أطفال يتركونهم من ورائهم،

ولكن الشرطة الفاشية كان لها رأي آخر، بأن أنهت حياة سالم البراني برصاصة، وهو يحاول الفرار، كي تذكر من جاؤوا معه إلى أوستيكا أنهم لن يخرجوا من المعتقل سوى جثث، ولا خيار لهم سوى قبول الواقع الذي فُرض عليهم.

يبدو أن صالح السنوسي مشغول في «الهروب من جزيرة أوستيكا» بالثنائي سالم/ لورينزا، وأهمل بقية الشخصيات الأخرى، كما أن مشهد الرواية الختامي، ووقوع سالم البراني برصاصة من الخلف، جاء سريعاً، وتنتهي بدون أن نعلم مصائر الأشخاص الذين افتتحوا معه الرواية، مع ذلك فهو يُعيدنا من خلال هذا النص إلى واحدة من اللحظات التاريخية الأقسى في التاريخ الليبي الحديث، ويُحيلنا إلى أشكال المقاومة المعنوية للفاشية، والتصدي لها بمحاولات الهروب، وتدويل القضية الليبية، وما لاقته من تعاطف مع إيطاليين عارضوا سياسة الجماعة الحاكمة في بلدهم آنذاك.

مقالات ذات علاقة

هل لدينا نقاد؟

أحمد الفيتوري

ابتسامة ساخرة في وجه الألم!

غازي القبلاوي

زقزقة درويش

صلاح عجينة

اترك تعليق