طيوب عربية

قراءة في روايةُ (الملائكة لاَ تطير) 1/4

جُرأةُ الاختيارِ ومُتْعَةُ السَّردِ في مُوَاجَهَةِ التَّطَرُف

أُهدِي مقالتي هذه إلى أستاذي الفاضل/ الحبيب بوزكورة، أصيل مدينة قليبية بتونس ومعلمي بالصف الثاني الأعدادي في ليبيا

يونس الفنادي يقرأ رواية (الملائطة لا تطير) للتونسية فاطمة بن محمود

تسجلُ الروايةُ التونسيةُ عبر مسيرتها التاريخية تطوراً ملحوظاً نوعياً وعددياً منذ صدور رواية (الهيفاءُ وسِرَاج الليل) للأديب صالح السويسي القيرواني سنة 1906م قبل استقلال تونس، ورواية (مِنَ الضَحَايَا) للراحل محمد العروسي المطوي بعد الاستقلال سنة 1956م والتي تعتبر أول رواية تونسية تصدر في كتاب وتؤرخ لبدايات الرواية التونسية الحديثة. ومن بين ملامح هذا التطور النوعي والكمي التاريخي ولوج المرأة التونسية الكاتبة هذا المجال وإسهاماتها في إثراء المشهد الروائي بداية من صدور رواية (آمنة) للأديبة زكية عبدالقادر سنة 1968 والتي تُعد أولَ روايةٍ نسائيةٍ تصدر باللغة العربية في تونس.

وخلال هذه المسيرة الإبداعية المعطاءة ازدان الوسط الروائي بعدد من الكاتبات التونسيات البارزات في هذا المجال مثل سلمي البانقي، آمال مختار، خولة حمدي، نعيمة الوسلاتي، فتحية الهاشمي، نجاح زقية، وحفيظة القاسمي التي أصدرت لوحدها حوالي ثمانية روايات أدبية. وإن تفاوتت جميع هذه الإصدارات الروائية النسائية في تقنياتها السردية، وأهداف ورسائل مضامينها، وغلب عليها الحكي والقص الوجداني والتصوير العاطفي، بجانب احتواءها على شذرات من الفكر الأيديولوجي لمبدعاتها، فإن هذا التنوع والتفاوت الموضوعي والسردي التقني يجعلنا نتفق مع الناقد التونسي الكبير الراحل توفيق بكار في مقولته المنصفة لجهود الأديبة التونسية (مع الكتابة النسائية، أصبحنا ننظر بعينين لا بعين واحدة، ونعيها بعقلين، وندركها بحِسِّين)(1).

الملائكةُ لا تطير(2)

هذه الرواية الثانية للأديبة التونسية فاطمة بن محمود بعد روايتها (إمرأة في زمن الثورة)(3) والتي هي سيرةٌ شبه ذاتية وشهادةٌ سجلتها حول أحداث الثورة في تونس، بينما رواية (الملائكة لا تطير) التي تضمنت سبعين فصلاً في مائتين وثمانية وتسعين صفحة من الحجم المتوسط، يمكن تصنيفها ضمن الروايات السياسية الاجتماعية الهادفة إلى عرض مشاهد وأحداث واقعية مع إضفاء بعض الجماليات السردية المتخيلة على أجواءها زيادةً في الامتاع والابتعاد بمسافة عن نمطية الأحداث، وكما تقول عنها الساردة نفسها مشيرة إلى بطل الرواية “سيف” (هي ليست رواية خيالية. إنّها واقعٌ حقيقي. فنحن نلتقي أشباه “سيف” يومياً في الشارع)(4).

ولابد من القول بأن المشهد النقدي والروائي الإبداعي في تونس سيقف طويلاً أمام (الملائكة لا تطير) التي منذ بدايتها تلهب وجدان وفكر القاريء بفكرة موضوعها الجريء وأسلوبها السردي النثري الجميل، وتقرع عقله بالعديد من الأسئلة المباشرة وغير المباشرة والتي يستهلها عنوانها الاستفزازي المشوق، وهو يعتبر عتبة ومدخلاً يمهد ويهيئ ذهن المتلقي للتعرف على ما يحتويه متن الرواية. فالعنوان هو سمة الشيء وتعريفه، وقبل الولوج إلى تفاصيل النصِّ الروائي السردي علينا الالتفات إليه، فنجد (الملائكةُ لاَ تطير) عنواناً واضحاً يتكون من ثلاثة كلمات متنوعة (اسمٌ وحرفٌ وفعلٌ) جاءت تركيبتها اللغوية المتحدة جملةً جوابيةً إخباريةً قصيرةً، واضحةً وبسيطةً ظاهرياً بينما تظل مفخخة في ثناياها منذ سؤالها المحذوف أو المخفي (هل تطير الملائكة؟) حين تنثره الكاتبة في ذهن وخيال قارئها منذ أول مصافحة لغلاف الرواية، وليكون فخاَ تتوالد من رحمه أسئلة فكرية ثانوية وفرعية كثيرة لعل أبرزها: من هي الملائكة وما علاقتها بالرواية؟ ولماذا نفي صفةِ الطيران عنها؟ وهذا بالطبع استدراج ذكي للغوص في الفكر الديني ومفهومه للملائكة وخصائصها وصفاتها المتسمة بالتنزيه والقداسة التي تحظى بها في التراث الديني كافةً والإسلامي خاصةً. فكيف لا تطير الملائكة وهي المتميزة عن الإنس والجن، تهبط وتصعد وتمشي وتقف وتجلس وترصد وتسجل وتكتب؟ كل هذا يجعلنا على يقين بأن مفردة (الملائكة) تحديداً هي إحالة إلى موضوع ديني، واستدراج لخوضه ومواجهة (رجال الدين) لو سلمنا بقبول هذه التسمية.

ويبدو أن العتبة الأولى المتمثلة في عنوان الرواية الشيقة قد أُختيرت بكلِّ عناية لتبعث الكثير من الدهشة، وتحرك العقل للتدبر والتأمل في معانيه ودلالاته، وما يخبئه وراءه، ولأجل تحقيق ذلك لابد من تفكيكه واستنطاقه، واستبيان محتوى متنه، والذي لا يمكن الوصول إليه إلاّ بالاستيعاب الكامل للنص الروائي، ومن تم فك شفرته ورمزيته التي تتكشف لنا تدريجياً، ونفهم منها أن الملائكة هي طفلة ثم صبية شابة اسمها (نور) بطلة الرواية، وصفة الطيران المنفية عنها (لا تطير) تعني أنها بلا أجنحة، وبالتالي فلا حرية ولا خيار لها في التحليق في فضاء الحياة والاستمتاع بها كما خلقها الله سبحانه وتعالى، بعد أن قُصّتْ أجنحتُها بفعل سيطرة أسرية صارمة وعقلية أبوية دكتاتورية مستبدة ومتطرفة فكرياً.

وعند تأمل هذا العنوان والرجوع إلى مجموعتها القصصية (الغابة في البيت)(5) نجد أن فكرته وبعض دلالات مفرداته كانت تستوطن العقل الباطن للأديبة فاطمة بن محمود حتى قبل إصدارها للرواية حيث كتبت (اعتاد المواطنون -وربما عن سذاجة- أن يتخيلوا للملائكة أجنحة لتطير. كم هم أغبياء هؤلاء البشر، لا أحد غيرنا -نحن الطيور- يحلق في هذا الفضاء الفسيح ويطير بحرية.!)(6) وبعدها تسنى لها إسقاطه على نصها الروائي الممتع فكان اختياراً موفقاً.

أحداثُ الرواية:

تدور أحداث رواية (الملائكة لا تطير) أثناء زمنين قريبين جداً بل متتاليين ومتتابعين وهما زمن ما قبل (هروب بن علي) والزمن الذي يليه، في إشارة إلى مغادرة الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي وخروجه من تونس سنة 2011م. أما الفضاء المكاني فهو يتعدد كثيراً وسط الرواية وإن ظل كله داخل تونس، بداية من البيت والجامع والشارع العام والمدرسة والحي والزنزانة والخربة وغيرها، وقد تمكنت الساردة من تأثيث كل تلك الأمكنة بمكوناتها المادية، والبصرية، والحسية وتفاصيلها الدقيقة، وبثها في مخيلة القاريء بكل اتقان وقدرة لغوية ووصفية. ولكن حتى إن ظل فضاء الرواية المكاني هو تونس، فإن إثارتها لهذا الموضوع وإبراز أفكارها الجادة حوله وطرحها الشيق الممتع جعل رسالتها تتخطى الأمكنة الجغرافية وتستهدف العقول الإنسانية وقرعها بالعديد من الأجراس الفكرية. فالمكان في الرواية ليس مهماً بقدر ما تطرحه من انتقادات ومحاججة واعية ومدركة لأبعادها.

أما من ناحية الموضوع فقد استطاعت رواية (الملائكة لا تطير) الغوص في ثنايا قضايا المجتمع التونسي كنموذج لمجتمعاتنا العربية كافة، وتشريح ظاهرة التطرف الديني وتصادمها مع أدوات الحكم بجميع أشكالها وما تجره من تبعات نفسية شخصية واجتماعية متعددة على أفراد الكيان الاجتماعي بجميع شرائحه، ونسجت من كل التناقضات الفكرية المعاشة حبكة درامية روائية رائعة منحتها مجموعة هائلة من الأسئلة الفكرية العميقة التي اتسمت بتنوعها فنياً، وتعدد أماكن ظهورها في النصّ، وتوقيتها، ومسارها الموضوعي الفلسفي، فأضفت عليها بُعداً خيالياً وتشويقياً عظيماً.

ويمكن تلخيص الرواية بأنها تنسج حكاية عائلة تونسية بسيطة، تتمثل في الزوج (سيف) الذي يحمل أفكار التيار الديني السلفي المتطرف وينتمى إلى إحدى مجموعاته، والزوجة (ليلى) التي تتبنى أفكار زوجها وتنصاع إلى تعليماته ولا تقدر مطلقاً مواجهته أو معارضته، بل تخشى دائماً حتى مناقشته فيما يصدره إليها من أوامر خشية تعنيفها أو ضربها، والطفلة الصغيرة (نور) التي ظلت ضحية لأفكار والدها منذ أن قام بختانها فأفسد حياتها، ثم تمادى في قهرها وظلمها بأن فرض عليها زوجاً من أتباعه السلفيين (أخوته في الله) فقامت بالانتحار أثناء حفلة عرسها.

ولا يمكن القول بأن الرواية وقفت على جانب الحياد من الأحداث السياسية والاجتماعية الدائرة على ساحاتها وفي متنها والصراع حول السلطة والأمن، والاغراق في الفكر الديني السلفي وبعض أوجه تطرفه، وأن دورها اقتصر فقط على نقل ووصف تلك الأحداث، بل على العكس من ذلك تماماً حيث نجدها تتخذُ مواقفَ مضادةٍ علنية صريحة شجاعة تجاه الكثير من الممارسات الغريبة التي لا يقبلها العقل الإنساني، ولا سماحة الدين الإسلامي بتفسيراته وشروحاته المستنيرة، وقد استطاعت بكل براعة توظيف كل ذلك بتصرف فطن وحبكات وخيلات إبداعية لامست بها الواقع كثيراً، ووجهت له نقودها بكل جرأة وشجاعة.

شخصياتُ الرواية:

تعدالشخصيةُ العنصرَ الرئيس الذي تتأسس عليه الروايةُ الحديثة. فالشخصية من خلال صفاتها وحديثها وحركاتها وتفاعلاتها مع غيرها من الشخصيات المشاركة في العمل الروائي سواء الرئيسية أو الثانوية تصوّر الواقع السردي في الفضاء الروائي، وتُضفي حيويةً واستمراريةً لتطوره ، وأيضاً من خلالها تتكون الأحداث وتتشابك حبكة الرواية ذاتها.

والشخصيات الأبرز ظهوراً في (الملائكة لا تطير) يتصدرها (سيف) و(ليلى) و(نور) في الصف الأول تليه شخصيات (ولد حدة) و(ثريا) و(لبنى) و(فارس) و(صابر) و(أخوة الاسلام) و(الشيخ عبدالحميد) و(أبونضال/ شهاب) و(زينب) و(رحاب) جاءت منتمية بكل جدارة إلى بيئة مجتمعها الروائي، الذي ظهرت فيه، بكل توجهاتها الفكرية ومستويات أسلوبها وسلوكياتها الفعلية التي تمارسها في حياتها اليومية بجميع تناقضاتها الايديولوجية الفكرية الدينية والعملية المعيشية، وكذلك مقاساتها التي تشكلت بها ومساحاتها التعبيرية التي منحت لها في النص الروائي.

وقد تمكنت رواية (الملائكة لا تطير) من استنطاق كل شخصياتها في تناسق موضوعي آسر، سواء من خلال تقنية الديالوج الحواري الثنائي الخارجي بين الشخصيات، وكذلك أحاديث المونولوج الداخلي لكل شخصية بذاتها، أو بالوصف السردي لهيئاتها وجسّ مشاعرها ونبض قلوبها ونبش صناديق أدمغتها وأفكارها، وقد ظهر الحوار أحياناً باللهجة العامية البسيطة واللسان الدارج الواضح، بينما ظل حديث (سيف) باللغة الفصحى، وهو ما يعكس حقيقة جميع تلك الشخصيات ومستوياتها المتباينة في الحياة العامة.

لقد استطاعت الساردة أن تشدنا بكل الشوق واللهفة لمتابعة مآل ونتيجة الصراعات التي تموج في فكر (سيف) فتتقاذفه وسط أمواج عاتية تبدأ باستعادة ذكرياته الماضوية عبر تقنية “الفلاش باك” مثل علاقته العاطفية السابقة مع حبيبته (لبنى) ومطاردة طيفها له ليفسد عليه صلواته أحياناً، وأيضاً خلواته في خربة الأنس، بعيداً عن أعين الناس، ومجاراة صديقه (ولد حدة) في شرب “السيلتيا” وتعاطي “الزطلة” وهما اسمان محليان للخمر والمخدرات في تونس. وقد أدارت الساردة تلك المشاهد والأحداث وتطاحن الأفكار في أعماقه ببراعة وإتقان لغوي وموضوعي، وظلت ممسكة خيوطها بكلِّ هدوءٍ وإخفاءٍ وكتمانٍ حتى مشهد (ثريا) شقيقة زوجته (ليلى) وزيارتها المنزلية، عقب رجوعها من مظاهرة شاركت فيها ضد إنزال العلم التونسي واستبداله براية المجموعة الدينية السلفية، فخاض معها داخل بيته حواراً فكرياً تصادمياً، ونقاشاً عنيفاً، حد المواجهة المباشرة معها، فكان ذلك بمثابة إعلان الانفجار الصريح والعلني لفكر “سيف” السلفي المتطرف، وبداية فصول حكايات جديدة له في مواجهاته التصادمية لأسرته خاصةً ومجتمعه كافةً.

إن عدم قدرة (سيف) التخلص من ماضيه الأخلاقي السيء والسلوكي الشاذ المشين، وكذلك إرثه الفكري المغاير تماماً لحاضره الراهن، واستمرار سطوته عليه، وما استجدت عليه من أفكار وممارسات انقلابية ايديولوجية جعلته إنساناً مشوهاً فكرياً، مشوشاً ومضطرباً،في قناعاته وسلوكياته، وما ترتب عن كل ذلك من ضرر أصابه شخصياً وطال أفراد عائلته ومحيطه وبيئته وبلده أيضاً، مما جعل موقف الساردة في كثير من المشاهد يتباين حوله (تنظر إلى سيف ولا تعرف هل تشفق عليه أم تتشفى فيه!)(7)


(1)  استشهد به الأستاذ محمود طرشونة في “إشكاليّة الخصوصيّة في الرّواية النّسائيّة بتونس” الصّادر ضمن المؤلّف الجماعيّ “الرّواية العربيّة النّسائيّة”، دار كتابات و”مهرجان سوسة الدّوليّ”، الطبعة الأولى، تونس 1999، ص11 وما بعدها.

(2)  الملائكة لا تطير، رواية، فاطمة بن محمود، دار زينب للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى، 2020

(3)  إمرأة في زمن الثورة، رواية، فاطمة بن محمود، منشورات كارم الشريف، تونس، الطبعة الأولى، 2011

(4)  الملائكة لا تطير، مرجع سابق، ص 128

(5)  الغابة في البيت، قصص قصيرة جداً، فاطمة بن محمود، دار المنتدى للثقافة والإعلام، تونس، الطبعة الأولى، 2016

(6)  المصدر السابق، ص 29

(7)  الملائكة لا تطير، ص 160

مقالات ذات علاقة

صباحكم أجمل/ على قمة جبل جرزيم

زياد جيوسي (فلسطين)

كثافة العبارة وعمق المعنى في (بسمة لوزية تتوهّج)

المشرف العام

مراجعة رواية ڤالهالا

المشرف العام

اترك تعليق