رواية الرداء الأسود
النقد

قراءة انطباعية في رواية الرداء الأسود

رواية الرداء الأسود
رواية الرداء الأسود

 

الرداء الأسود، ليس فقط الرداء الرسمي الذي يرتديه القضاة في أغلب دول العالم أثناء جلسات المحاكمة للتذكير بقتامة الظلم الذي قد يطال الأبرياء، الرداء الأسود هو الذي اكتسته ليبيا وهي تنازع تحت وطأة الظلام والجريمة والفساد وسوء أحوال المعيشة.. هذا ما عبّر عنه عضو الهيئة القضائية “علي ثبوت زبيدة”، في روايته تحت هذا العنوان، وتناول خلالها معاناة قاضٍ يطارده المجرمون فتنقطع به السبل خارج حدود الوطن حيث لا مال ولا أهل ولا حصانة، وجاءت الرواية في ثمان وثمانين صفحة من القطع المتوسط وغلاف أسود يتفق مع العنوان، ويحاكي فصول المعاناة التي تعرض لها البطل (القاضي زهر الدين بن سليمان).

يفتتح الكاتب روايته بمشهد درامي مضطرم، كأنه يجذب القارئ من ثيابه ويسحبه نحو الأوراق ليقذف به بقوة إلى عوالم البطل في تجربته المرعبة في تلك الليلة: “دونما ترحيب أو سلام صاح أيمن جمعة وكيل نيابة المرور عبر سماعة الهاتف،  بصوت مفزوع محذراً صديقه القاضي زهرالدين بن سليمان، طالباً منه الخروج بسرعة من بيته عبر باب المطبخ نحو الفناء الخلفي، ثم القفز من فوق السور إلى خارج البيت والاختباء بين الأشجار، وعندما حاول بن سليمان استيضاح الأمر، صرخ فيه ثانيةً بأن لا وقت للشرح، وأن عليه القفز قبل أن يقتحموا عليه المكان ببنادقهم”.

لقد أصبح القارئ الآن جزءً من الحبكة وتغلغلت حواسه في بيئة النص ليرى ويسمع ويلمس ويشم حتى يتسنى له الإحاطة بمجريات الأحداث ليكون شاهدا متفاعلا مع الأحداث اللاحقة ويصور البيئة المكانية والمعنوية التي يتلو فيها القاضي منطوق الحكم: “كان الطقس حاراً منذ ساعات الصباح الأولى وتنبعث روائح العرق والرطوبة في غرفة المحكمة إثر انقطاع الكهرباء وتوقف أجهزة التكييف. الأخشاب المدهونة بطلاء زيتي التي تغلف جدران الغرفة المستطيلة أضافت المزيد من القتامة على الأجواء الحارة المشحونة بالتوتر”.

يحاول البطل أن يتحصل على الحد الأدنى من التوازن النفسي في تلك البيئة القاسية التي نتعرف على بعض ملامحها في الصفحات الأولى، فيصطحبه صديقه وزميله في العمل (عبد الحميد) إلى طريق الشط، هنالك تبدو طرابلس هي الأخرى وكأنها تشاركه في حالة البحث عن توازنها، فعلى الرغم انقطاع الكهرباء ومظاهر العنف والخوف والقلق، هناك رمال ناعمة على شاطئ ساحر وأطفال يلعبون ومقاهٍ مزينة بالوورد وأفراح يصدح فيها المالوف: “ترجلا فوق الرمال الناعمة التي يحفها الموج وينكسر على تعاريجها بدلال وكبرياء، أخذتهما روعة نسيم البحر البارد، وهتاف فتيات انتهين من بناء قلعة رمل كبيرة… وكانت نوبة المالوف تتدفق ساحرة على إيقاع البرول فاسترخت قسماته وسحب نفساً مليئاً برائحة عراجين الفل”.

لكن الجانب المشرق من يومه ينتهي سريعا، ويرسم لوحة الرداء الأسود حين تغرق المدينة في الظلام: “كان الظلام ينهمر من حوله محيلاً كل الشوارع إلى قطعة من رداء أسود طويل يوشّح المقاهي والمحلات التجارية وينسدل على وجه المدينة التي كانت ذات يوم عروس البحر، فاستحالت الآن أمام ناظريه إلى أرملة سوداء تغرق في الحداد”.

ثم يأخذنا الكاتب في تفاصيل أخرى موجعة حتى يتوقف بنا أمام ذلك المنعطف الفاصل في حياة القاضي زهر الدين بن سليمان، ويكتفي برسم إشارة تعجب، دون أن يضيف شيئا، كأنه يترك للتاريخ أن يقول كلمته: “حين وصل شارع السيدي، طلب التوقف ونزل أمام مجمع المحاكم، وما أن ترجل باتجاه البوابة الرئيسية حتى باغتته سيارة شفروليت معتمة الزجاج تخرج من نافذتها فوهة بندقية أطلقت أعيرتها النارية باتجاهه فأطلق ساقيه للريح، وقفز بما يشبه المعجزة ليجد نفسه داخل سياج المبني. كانت القفزة ناجحة لولا أن تدحرج بعنف على أرضية المبني فأصيب ببعض الرضوض وانسلخ الجلد عن ركبتيه وأنفه وجانب من خده، وسالت الدماء من أماكن الرضوض ملطخة ثيابه وبلاط أرضية مبنى المحكمة، لم يشتم أحداً هذه المرة، حتى وهو يتمرغ في دمائه على البلاط. كان فقط مذهولاً لأنه سقط أمام محراب العدالة!”.

هنا يقرر القاضي أن يرحل إلى تونس لينجو بحياته من الأشخاص الذين يلاحقونه لكنه لا يستطيع تأمين المال اللازم بسبب شح السيولة بالمصارف، فيتحصل على مبلغ زهيد لا يكفي أجرة سكنه، أو حتى طعامه وشرابه، هنالك يتعرض إلى المساومات ومطاردات أخرى بسبب عجزه عن الإيفاء بمتطلبات المعيشة، ويزج به في السجن إثر مشاجرة وجد نفسه طرفا فيها.. تتسع حلقاتها لتلفق له تهمة الإرهاب. وتتجدد فصول أخرى وأحداث أخرى ومشاعر من حنين واغتراب وألم، وتنفتح أمامه أبواب الزمن ليشهد  منصات القضاء وهي تغرق في الدم ويتجسد أمامه صور القضاة الليبيون الذين طالتهم يد الغدر فسالت دماؤهم وانتهت حياتهم بصرخات مدوية وبركة دم تحيط بكرسي العدالة.

الرواية وبرغم ما فيها من مرارة وأسى، إلا أنها لا تخلو من التعبيرات الساخرة والمفارقات التي اقتنصها الكاتب وضمنها في النص كإسقاطات على الواقع، وفي إحدى صفحات الرواية يترجم حالة وجدانية تتحد فيها مشاعر شخصية الراوي بشخصية القاضي فيقول: “وفكر أنه لو تحصل على أوراق وقلم وطال به المقام هنا فسوف يكتب قصة أو رواية، لطالما هو مغرم بأدب الرواية ويرى فيها توثيقاً حقيقياً للحالة الإنسانية المركبة، تلك الحالة التي ينصهر فيها عذابه ومعاناته ومكابداته في الحياة مع مشاعره وبوحه وعصارة روحه بكل تجلياتها وأمنياتها. سيكتب رواية يضمنها تفاصيل أيامه الخمسة التي لن يقيسها بالدقائق أوالساعات، بل بحجم ماخالجه من الخوف والتمني، وما اعتصره من الألم واليأس، وما باغته من فجيعة وصدمات..هو لا يدري الآن على وجه الدقة كيف ستكون فصولها ولا أحداثها.. لكنها قطعاً ستكون رواية مجيدة ينسكب فيها دفق الروح معمداً بياسمين طرابلس الغافي على شرفات المنازل، وعيون إلهام البنيتين المشرقتين قبل أن يكسوهما الخوف وليل الاغتراب”.

مقالات ذات علاقة

قصيدة النثر.. الصَّوت والصَّمت وإشكاليات التَّلقي

سليمان زيدان

السخرية وذاكرة الجدران في «سجنيات»

عبدالسلام الفقهي

سيميائية الفضاء في الخطاب السردي لقصة «الاقتناص»

أمينة هدريز

اترك تعليق