النقد

قراءة الوصف في قصة إشارة ضوئية للمرحوم القاص أحمد إبراهيم الفقيه

إشارة ضوئية (الصورة عن الشبكة)

يمنح الوصف الخارجي النص جمالية بداية الحدث، ورسم للشخصيات القصة، ويهيئ الدخول إلى مضمونها، وللوصف أنواع كثيرة منها: الوصف الخارجي للقصة، والوصف الداخلي، والوصف المكاني، ولكل قصة وصف خاص يناسب أحداثها وأبطالها وزمانها ومكانها وسردها اللغوي، وهذا يتوقف على إبداع القاص في صناعة نسيج النص القصصي، وفي قصة إشارة ضوئية أوصاف متعددة أزهرت النص في أحيان كثيرة ونذكر منها الآتي:

استهل القاص بداية القصة بالوصف الزماني حيث إطلالة اليوم الجميل، وكان الوقت في الصباح الباكر (صباح يوم ربيعي، بالغ الصحو و الاعتدال، سماء زرقاء، وأفق شديد الصفاء، وشمس معلقة على حافة الكون) والوصف الزماني يستدرج القارئ و الدخول للأحداث القصة، ويستمر النص في مرات عديدة وأوصاف كثيرة تظهر جمال الطبيعة، ثم يصعد الوصف المكاني فيصف الطريق الطويل حتى يغذي المشهد القصصي، كقوله: (وطريق أسفلتي معبد يلمع كالزجاج تحت أشعة الشمس) وعمل الوصف الخارجي بأريحية داخل النص.

 يتغير اتجاه القاص ينعرج في وصف أخر يساهم في صورة البطل وهيئته للمتلقي، يقول القاص: (من أعلى إحدى الهضاب التي يعبرها الطريق الأسفلتي سيارة صغيرة بيضاء يقودها رجل في مستقبل العمر وسيم الملامح، يرتدي قميصاً قطنياً أبيض ومع تدافع الأنسام عبر نوافذ السيارة المفتوحة موسيقى ذات إيقاع مرح يتفاعل معها السائق) كان الوصف الخارجي في خدمة الشخصية الرئيسية للقصة، وعند القراءة يستدرك القارئ المكان، وهيئة البطل، والاقتراب من ملامحه وسلوكه، وأناقته،، وصار المشهد مستنيرا في عين المتلقي، والرؤية البصرية أدت دورها في الحركة والتفاعل مع الموقف القصصي،.

كان الوصف الخارجي ينتشر في القصة، وكاد أن يسيطر على العناصر الفنية الأخرى ففي قول القاص: (يهز رأسه طرباً، ويصدر صفيراً يتفق مع أنغام وإيقاع الموسيقى، ومشاهد شاعرية لنباتات وأعشاب الحقول، وهي تتهادى وتميس مع النسيم وكأنها ترقص هي الأخرى على إيقاع الموسيقى) فهذه الأوصاف المتتابعة إذا حذفت من النص فإنها تمنح القصة البناء المتماسك في العمل القصصي التحم الوصف المزجي  مع الحدث فزاده قوة وتفاعل للنص، والوصف المزجي هو الوصف الذي يجمع الوصف الخارجي والداخلي فيشكل قوة الصورة الفنية في القصة  يقول القاص: (بينما يشرد السائق مع الموسيقى بوجهه الباسم يظهر في البعيد طريق آخر يتقاطع مع الطريق الذي تعبره السيارة وفي تقاطع الطريقتين تنتصب إشارة المرور الضوئية التي تصدر ضوء أخضر ما أن تقترب منها السيارة حتى يتبدل الضوء ويصير أصفر فلا يبقى غير لحظة قصيرة ويتحول إلى ضوء أحمر) تحرك الموقف فكان الوصف في خدمته، فقد جمع القاص وصف البطل ومشاعره الداخلية والوصف الخارجي للشخصية، وكذلك وصف المكان المحيط بالبطل جعل  الحدث يسير معه في روعة أدبية تدهش قارئ النص لاستمرار في القراءة ومتابعة الحدث، وهذه قيمة الوصف الفني في القصة القصيرة.

ساهم الوصف في صناعة الحبكة القصصية حيث تفاعل النص مع الوصف الخارجي، وتعقد مشهد القصة، وتغير الموقف والمكان ويروي القاص ذلك قائلاً: (يدوس السائق على فرامل السيارة التي تصدر صوتاً عالياً موحشاً يمزق السكون والهدوء ثم تتوقف تماماً استجابة لإشارة الضوء الأحمر المنصوبة وسط هذه الأرض الخلاء حيث لا أثر لأية سيارات أخرى) فحركة السائق المفاجئة، وتغير المشهد الوصفي أدى إلى تكتيف الموقف، وانفعال المتلقي، وتوتر الحدث، ويصل القاص إلى ذروة النص القصصي، وكان الوصف فعالا في القصة.

الزمن عنصر قوي في القصة، وعمل مع الوصف، ونستدل على القول السابق بالقصة: (يمضي الوقت وقد سكن كل شيء داخل السيارة، توقفت الدمية عن حركتها الراقصة، كما اختفت الابتسامة من فوق وجه السائق الذي ينظر إلى ساعته في قلق) وأصبح الوصف الخارجي للمكان يحمل الخوف والقلق، وينبه بأن الوقت يسير في نفق مظلم للبطل فكل شيء توقف عن الحركة، وبات خطيرا، والزمن الحاضر (يمضي الوقت- ينظر إلى ساعته) يدل على استمرار المشكلة والبحث عن النجاة في وقت قصير وسريع.

(السيارة تفقد بياضها اللامع، ويتراكم فوقها الغبار والصدأ، والسيارة تتحول إلى كتلة سوداء من الحديد الخردة، والسائق تدركه هذه التحولات الغريبة حتى يصير هيكلاً عظميا ـ، تضيء إشارة المرور الضوئية نورها الأخضر) أحاط الوصف بنهاية الحادثة، وأدرك المتلقي مضمون النص وآثاره السلبية في خسارة الممتلكات والأرواح في عدم الالتزام بإشارة المرور، وهكذا نجح القاص في بناء الوصف للقصة واستخدامه لخدمة العناصر الفنية الأخرى.

مقالات ذات علاقة

المهدوي شاعر الثورة في ليبيا

عادل بشير الصاري

من الأدب الليبي

المشرف العام

كتاباتٌ شابة لا كُتاب شَباب

أحمد الفيتوري

اترك تعليق