المقالة

قراءة الرسوم الحائطية

 

من حيثُ لا أدري، ساقتني رجلاي ذات صباحٍ في شوارع و أزقة مدينتنا العامرة، صُحبة رفيقٍ واحد، التزم الصمت طوال الرحلة ولم ينبس ببنت شفة، إذ لم يحكِ معي قط لكنه كان يُحاكي خطواتي وحركاتي كذلك وثباتي وعثراتي بكل مقدرة وإتقان، فهل عرفتم من ذلك الرفيق ؟ نعم أجدتُم التوقع ولم يخنكم التقدير فقد كان رفيقي هو ظلي.

ولكي أخرج من جو هذا الملل الذي فرضه علي ذلك الرفيق وجعلني أسيراً له، وجدتُني ومن حيث لا أدري أيضاً، أُطالع ما قد كتبه الفتية وأمعن النظر إلى ما قد رسموه على جدران المباني، ومن باب التسلية والترويح عن النفس فقط، أخذتُ أتنقلُ من حائطٍ إلى آخر، وكنتُ في كل مرة أقفُ فيها عند إحدى الرسوم الحائطية التي نقشها هؤلاء الفتية، أجدهم يذيّلونها بتوقيعاتهم وبالأحرف الأولى من أسمائهم إما باللغة العربية أو باللاتينية، وكان من بينهم من هو جريء وخطَّ أسمه الثلاثي تحت إحدى تلك الرسوم، كأنني به أراد أن يوحي لنا نحن القراء بأنه على قناعةٍ تامةٍ بما نقشه من عبارات، كشفتْ اللثام عما أراد أن يرمي إليه من إحدى هذه الرسوم التي تكررت كثيراً على تلك الحيطان الصماء، فلم تعُد كتلك الرسوم التشكيلية المبهمة التي يصعب علينا أحياناً معرفة مغزاها وفحواها، إلا بعد أن يُفصح لنا الرسام عما ابتغى إيصاله إلينا من مفهوم بالشرح والتحليل، فيزيل بذلك الإبهام الذي قد يعتريها، ومن بين هذه الرسوم الحائطية التي وقفت عندها كثيراً، رسم للقلب يخترقه سهمٌ، وكما نعلم جميعاً أن السهم إذا اخترق قلب الإنسان أصابه في مقتل، ولكن ذلك الجريء الذي كتب أسمه ثلاثياً ومجاهرةً، كان يقصد بذلك السهم سهم الهوى وما جعلني أصلُ إلى هذا الفهم، إنه قد ذيَّل رسمه بالعبارة الأولى القائلة: “ومن الحب ما قتل”، فأدركتُ إنه كان يرمي إلى ما توصلت إليه بقراءتي المتعمقة، وما أكد لي ذلك إنه قد ألحق عبارته الأولى بعبارة ثانية باللهجة العامية لها ما يُقابلها من حيثُ المعنى في أدبنا العربي ومن خلال البيت الذي يقول:

نقّل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوى .. فما الحُب إلا للحبيب الأوّل

وبعد أن كنتُ مصاباً بحالةٍ من الملل بسبب ذلك الرفيق الصامت، دفعتني إلى قراءة ما عنَّ على أولئك الفتية وما نقشوه من عبارات ورسوم على جُدران المباني، عدتُ أدراجي وحيداً بعد أن تأخر الوقت وملّني رفيقي بدوره في طريق العودة كما مللته في طريق الذهاب، فقد عدتُ مساءَ منهك القوى ليس بسبب طول المسافة بل لأن حالة من الحزن تلبستني على حال الفتية وصرتُ أرثي حال كل منهم من خلال ما قرأته من تعابيرهم الحائطية، وبينما أنا عائد شاهدت رجلاً على الجانب الآخر للطريق الذي كنت أنتهجه، كان بصحبته زوجته وأبناؤه، ما إنْ عبرتُ الطريق الفاصلة بيننا وما إنْ اقتربت منه حتى عرفته، فهل عرفتُم من هو ذلك الرجل؟.. سأختصر لكم ذلك وأقول: “إنه ذلك الجريء الذي كتب أسمه ثلاثياً على جدران إحدى المباني”، وهنا تلبستني حالة أخرى غير سابقتيها وهيَّ الدهشة، فقد دُهشتُ للمشهد الذي رأيته به، فقد كان سعيداً جداً والفرحة تغمره مع زوجته وأبنائه، وسر دهشتي هذه أن رفيقته (زوجته) لم تكن التي كان يعنيها وخطَّ الحرف الأول من اسمها، بل كانت امرأة أخرى ولم تصدق عباراتاه، فها هو يحيا سعيداً مع إنسانه أُخرى غير التي كنتُ أعرفها، فلا عبارته الأولى صدقت ولا الثانية كذلك

مقالات ذات علاقة

الحنين الى الماضي

أحمد إبراهيم الفقيه

حبر على ورق .. الكاتب ومشروعه الأدبي

أحمد إبراهيم الفقيه

دعوة لنقاش موضوعي

جمعة بوكليب

اترك تعليق