طيوب المراجعات

قراءةٌ في كتاب (أَمَا لِلكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ حَدٌّ) للكاتب يونس الفنادي

آسيا عياد الشقروني


أَمَا لِلكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ حَدٌّ!

مَنْ مِنَا لم يفكر بهذا السوال بينه وبين نفسه، أو مع الآخرين؟

ففي كثير من الأحيان نجد أناساً يتحينون كل مناسبة يبثون فيها سمومهم ونشر حقدهم الدفين، لمجرد الاختلاف معهم، وهذا ما صرنا نلمسه على المستوى الشخصي أو القبلي أو العام.

أَمَا لِلكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ حَدٌّ!

هذا العنوان اللافت والمميز يجعلك في حالة من الفضول الغريب لمطالعة الكتاب الذي صدر مؤخراً للكاتب يونس الفنادي، وهو عبارة عن قراءة في قصيدة الشاعر الدكتور عبدالمولى البغدادي. وحين تمسك هذا الإصدار الصغير الحجم وتقلب صفحاته الثمانين بين يديك، تطالعك في بدايته صورة فريدة للشاعر صاحب القصيدة وكاتب الكتاب. ولأنني لستُ ممن يفقهون في الشعر وأوزانه وبحوره، وهذا لا يمنعني طبعاً من تذوق الشعر والاستمتاع بقراءته، فإنني لم أفكر في الكتابة عن هذا الإصدار الحديث إلاّ حين تناولته بيدي فحدث معي كما يحدث للأطفال عند انبهارهم بالصور، حيث أبهرني هذا الود الطافح في الصورة الفوتوغرافية التي تجمعهما، ويبدو فيها الشاعر كأنه يهمس في أذن الكاتب وهو مستغرق في حديث جاد، إلاَّ أن نظرة وملامح الكاتب التفاعلية تشي بالاهتمام العميق بالموضوع المهموس به، وتبعث لنا ابتسامته المرتسمة على زواية ثغره إشارة بالرضى التام، والحبور البهيج بفحوى الحديث الدائر بينهما. وللأمانة فإن لقطة الصورة الثنائية الجميلةهي التي أثارت فضولي، وحفزّتني على قراءة هذا الكتاب التي لم تأخذ من وقتى أكثر من نصف ساعة لعذوبته وسلاسته.

ففي البداية استهل الكاتب إصداره باقتباس شعري للدكتور خليفة التليسي من قصيدته الرائعة (قدرُ المواهب) ثم بعض الأبيات الشعرية الأخرى تصف يوم العيد في الغربة. فيوم العيد هو يوم تتضارب فيه المشاعر العنيفة. وفي أجواء البعد والاغتراب عن الوطن والأهل والأحبة يصبح طعم العيد بطعم من فقد عزيزاً على قلبه، فما بالك بالمغترب البعيد مسافاتٍ طويلة جسدياً عن وطنه. والشاعر صاحب القصيدة نقل مشاعره بطريقة فنية دقيقة أكدت أبيات قصيدته أنه لم يفقد إنساناً عزيزاً، ولم يغترب بعيداً، ولكنَّ الوطن كان مفقوداً تماماً في يوم عيده، وهنا جاءت القصيدة بمثابة حالة رصد ووصف صادقة لمشاعر كل إنسان مرهف الحس والفؤاد.

وقسّم الكاتب أبيات القصيدة إلى مجموعة فقرات قصيرة تحمل ذات المعنى، وجعل لها عنواناً خاصاً، وأمعن الغوص في دلالاتها وأبعادها وتمحيصها وتقريب معانيها للقارئ، واستدل بما يرادف سياقاتها من أبياتٍ لشعراء آخرين ومعاني مشابهة، ولن أتناول في هذه الوقفة القصيرة، كلَّ ما ورد في الكتاب/القصيدة واستبق بعض جوانبه الفنية الجيدة، كلي لا أفسد على القارئ متعة وبهجة قراءته، ولكني سأتكلم عن أكثر فصل شدني في الكتاب وأثار إعجابي، وهو فصل عنوانه ”ولادة القصيدة“، ونحن نعلم جميعاً أن اختيار العنوان يعتبر من العناصر الصعبة فى مشوار الكتابة، حتى أننا في بعض الأحيان نكتب نصاً ونعجز عن وضع عنوانٍ يكافئ أو يعبر عن محتواه ومضمونه مثلما حدث مع الشاعر في قصيدته هذه!

الهيئة العامة للثقافة تحتفي بـكتاب: أما للكره والبغضاء حد

ففي فصل (ولادة القصيدة) يخبرنا الكاتب عن رسالة شخصية وصلته من الشاعر أثناء عيد الأضحى الماضي يطلعه فيها على هذه القصيدة فور الانتهاء منها مباشرة، ويمنحه شرف القراءة الأولى، طالباً منه العون والتكرم باختيار عنوانٍ لها. وقد وفق الكاتب أيما توفيق في إختيار عنوانها الشامل (أَمَا لِلكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ حَدٌّ) وإن كان الفضل يرجع للشاعر في إبداعه وإسكانه الشطر الأول من بيته الرابع، إلاّ انَّ عنونة القصيدة بأكملها بهذا الشطر كان موفقاً جداً لأنه شمل كل معاني القصيدة، وأبرز رسائلها الإنسانية والوطنية.

ولانَّ الكتابةَ وجعٌ وألمٌ، ونزفُ أحاسيسٍ متدفقٍ ومتواصل، نلاحظ أن الشاعر لم يستطع صبراً ولا تحملاً لمعاناة مخاض نص قصيدته لوحده، فنجده يستنجد ويبث معاناته الوجدانية الوطنية ليتقاسمها مع صديقه الكاتب، لعله يشاركه بعضاً منها، ويساعده ويعينه على سطوة تلك القصيدة الرائعة وهيمنتها عليه. ورغم معرفتنا ومعايشتنا لأجواء أيام العيد المزدحمة بالزيارات والتقاليد والالتزامات الاجتماعية في بلادنا لكل فردٍ منا، فإن رهافة حسِّ الشاعر البغدادي وانشغاله بهموم وطنه، وعشقه له، نراها تطغى على كل مشاغله العائلية والاجتماعية الأخرى خلال العيد، حيث قام ببث لواعج قلبه لصديقه الحبيب – كما خاطبه – لكي يعينه على اختيار العنوان وتحليل القصيدة، أو محاولة التحاور معها كما طلب وأورد في رسالته.

لقد جاء كتابُ قراءة وتحليل قصيدة (أَمَا لِلكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ حَدٌّ) للشاعر عبدالمولى البغدادي الذي أصدره الكاتب يونس الفنادي سلساً وبسيطاً، تناول كل موضوع تضمنته مقاطع القصيدة السبعة بلغة رقيقة محببة، تلامس شغاف القلب، وتمسُّ كُلَّ إنسانٍ وطني غيور على وطنه في كل ربوع البلاد، حيث لا نجد في أبياتها أية جهوية أو قبلية أو روح عدائية، بل هي تعبير صادق لما يسكن أعماق وأحلام أيِّ ليبي عاشقٍ لبلده ووطنه.

إنَّ قصيدة (أَمَا لِلكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ حَدٌّ) أبدعها شاعرها بالحبِّ … وكتب عنها الكاتب بالحبِّ…  فجاء الكتابُ قطعة سكر تذوبُ في حنايا الروح، وتسمو بالاعتزاز بالوطن … فهنيئاً لنا بهما .. وبالشعر.. وبالوطن.

مقالات ذات علاقة

زيت القناديل رشاد الهوني

إنتصار بوراوي

روايات ليبية نسائية… بعيداً عن تحديد الهوية الجنسية

خيرية فتحي عبدالجليل

عبداللطيف حويل … عميدُ الطرب

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق