قارئ الفنجان
طيوب البراح

قارئ الفنجان


كعادته كل يوم يخرج عند العاشرة صباحاً، يتجه إلى مقهى الشجرة، الذي يبعد مسافة ليست بالقصير عن منزل أخيه الذي يقيم به رفقة أخوه وعائلته.
يتجه إلى المقهى، الجثة تسير في الطريق، والفكر والعقل في مكان آخر، في عالم آخر. فهو إلى الآن لم يتحصل على عمل، طرق جميع الأبواب ولم يتحصل على عمل، حتى إنه إشتغل حمالاً مرة ولكنه لم يستطيع الاستمرار في هذه المهنة لضعف بنيته الجسدية. بالكاد يتحصل على مصروفه، فهو لم يتعود على أن يطلب من أحد أي شئ، سوى عامل المقهى كان يطلب منه أحياناً أن يسجل قهوته على الحساب حتى يتوفر المال لديه.

قارئ الفنجان
قارئ الفنجان


كان شقيقه يقوم كل مرة بوضع ورقة أو ورقتين من فئة العشرة دنانير في جيبه، وكان هو يحرص حرصاً شديداً على الاقتصاد في إنفاقهما فهو يعرف إمكانيات أخيه وكبر عائلته. كان دائماً بينه وبين نفسه يدعو ويقول: يارب يارب عاوني راني نبّي نعاون خوي يارب.
وصل إلى المقهى، دخل، قدم التحية للجميع، وقبل أن يجلس أدخل يده في جيبه وجد بها ورقة نقدية، وأيقن أنها من فئة العشرة دينار، فجيبه بالأمس كان فارغاً وأخوه هو من وضعها. أشار إلى العامل، فهم العامل طلبه، وجلس في نفس المكان وعلى نفس الكرسي المعتاد. جاءه صديقه وليد، جلس معه، وقال له وليد: شفت عمك المختار داير حالة في القهوة؟
رد عليه: منو المختار؟
قال وليد: ماتعرفش عمك المختار؟ شوفه أوينه قدامك.
نهض رأسه باتجاهه وقال: لا لا منعرفاش أول مرة نشبحه.
قال وليد: عمك المختار، أشهر واحد في قراية الفنجان، شوف كيف دايرين عليه زحمه.
قال: ناس فاضية.
قال وليد: ناديه يشوفلك بختك، بالك الأيام جاياتك.
قال: لا لا، الدوه هاذي متخشليش دماغ.
وليد: ياودي شن بتخسر؟ هالزوز أو الثلاثة جنيه أنا نعطيهلك.
قال: لا لا، شوفه بروحك أنا لا,
وليد: أنا بكري شاف فنجاني، يا ودي خليه، خيرك؟ غير شوف الجماعة كيف دايرين عليه زحمه.
نهض رأسه باتجاههم، فوجدهم متجمّعين حوله كل منهم يريده أن يقرأ فنجانه.
وليد: ياودي شن خاسر؟ خلّي انّادوه يقرالك، بالك يبشرك بحاجه باهية.
سكت ثم فكر قليلاً وراودته فكرة ” شن خاسر، أنا مش خاسر شئ خلّي يشوف بالك حقه يبشرنا بشارة باهية؟.
أجاب صاحبه وليد بالموافقه.
وليد وبصوت عالي: يا عمي المختار تعالانا هنا.

أشار على عامل المقهى بأن يبدل القهوة من مكياطة إلى قهوة عربية. جاءت القهوة، وجاء العم مختار، تبادلا أطراف الحديث قليلاً حتى أنهى شرب القهوة. أخذ العم مختار فنجان القهوة، جعل يحركه حتى يتحرك ما بها من بقايا البن، ثم قلب الفنجان على صحنه. رفع العم مختار فنجان القهوة، وأخذ يتأمله ويتفحصه وينظر إليه بتركيز شديد.
العم مختار: قلتلي شن إسمك؟
وليد: اسمه أنور، انور يا عمي مختار، شن لقيت في الفنجان بشرنا.
العم مختار: تعرف يا ولدي يا أنور، الدنيا كلها جاياتك، قلتلي وين تخدم؟
أنور: إييييييييييه وينها الخدمة.
العم مختار: يا أنور شكلك بتبحبح تبحبيحة ما صارتش بكل، أنت بتضرب الفقر كالشو، وبتبحبح طول عمرك.
ابتسم أنور وبدت ملامح الفرح على وجهه، وقال في نفسه: “والله توه ما نبي كان نساعد خوي بس”.
العم مختار: فلوس وسفر وشركات وخدمة، قلتلي قداش عمرك؟
أنور: 28 سنة.
العم مختار: فنجانك مية مية، فنجانك اليوم ماشفتش كيفه بكل.
فرح أنور جداً وقال له: الله يبشرك بالخير ويبارك فيك.

أدخل أنور يده في جيبة وأخرج ورقة العشرة دينار، وأعطاها له كاملة ولم يترك حتى ثمن فنجان القهوة الذي شربه. أشار الى عامل المقهي بأن يسجّلها على الحساب ونهض. نهض فرحاً جداً وأخذ يضرب برجله الهواء وكأنه يضرب شئ ما.
قال في نفسه: إن شاء الله انبحبوا أنا وخوي وصغاره، إن شاء الله ضربنا الفقر كالشو.
خرج من المقهى وهو سعيد جداً، وبداً يفكر في كيفية إستثمار أمواله، ونوع النشاط الذي سيقوم به.

سمع الجالسون بالمقهى صوت فرامل سيارة مسرعة، ثم صوت ارتطام سيارة بشئ ما. خرج الجميع مسرعين، وجدوا أنور ملقى على الأرض، لقد صدمته السيارة، قاموا بإسعافه إلى المستشفى. ما إن دخلوا المستشفى حتى فارق الحياه، إنتقل إلى رحمة الله.
قال أحد الحاضرين: قالها عمي المختار من اليوم ضرب أنور الفقر كالشو، من اليوم بحبح أنور.
رد عليه آخر قائلا ” كذب المنجمون ولو صدقوا “.

مقالات ذات علاقة

خاتم المعلمة

المشرف العام

ذﻛﺮاﻳﺎﺗﻲ!!

المشرف العام

أحزان مُقّفلة

المشرف العام

اترك تعليق