المقالة

فَتَرَاتٌ مَنْسِيَّة مِنَ التَّارِيخ

يَوْمُ الأحد 25 يوليو سنة 2010م ذهبتُ إلى المدينةِ القديمة لأَسْتَمِعُ محاضرةَ المهندس الليبي “عبد المطَّلب سالم أبو سالم“. وكان حين إلقاءِ المحاضرةِ في الرابعة والثلاثين مِنَ العمر . ولم يكنْ المكانُ غريباً بالنسبة لي فكنتُ أرتاحُ له وآنَسُ فيه. وقد سَبَقَ أنْ زُرْتَ ذلك المكان المُشَيَّدُ – في الزّمانِ البعيد جداً- مِنْ طابقٍ واحدٍ كَبَيْتٍ تَطُلُّ نَوافِذُهُ على رَدْهَةٍ في داخِلِه، وَوَسَطَ الرَّدْهَةِ شَجَرَةٌ قصيرةُ الجِّذْع، فُرُوعُها ذات شذا.

وفي تلك الزيارة الأولى القديمة قادَنِي إلى المكانِ أَحَدُ الدّكاترة الليبيين المُتَخَصِّصِين في الأدب العربي فَعَرَّفَنِي بالمكانِ وقالَ لي مُنَوِّهاً :

  • إنَّ أَحْدَثَ قراءاتي هو كِتابُكَ ” القادِمُون” ..وكانت الطبعةُ الأُوْلَى مِنْ هذا الكِتاب قد صَدَرَتْ عَنِ ” الدّار الجماهيريَّة للنشر والتوزيع والإعلان ” سنة 2000م بَعْدَ عَناءِ التألِيفِ والتَّنْقِيحِ . أمَّا الطبعةُ الثانية مِنْ هذه المَسْرَحِيَّة أو الدِّراما المُكَوَّنَة مِنْ ثلاثةِ فُصُول فقد صَدَرَتْ بعد ذلك سنة 2014م عَنْ وزارة الثقافة والمجتمع المَدَني في طرابلس الغرب .

وَوَاصَلَ الدّكتور حَدِيْثَهُ قائلاً:

  • لقد شَدَّتْنِي هذه المسْرَحِيَّة وجَذَبَتْنِي بِقُوَةٍ فَطَفِقْتُ أقرأ بِشَغَفٍ حَتَّى أنِّي أكملتُ مُطالَعَتَها في يومٍ واحد تاركاً ما عَداها مِنَ الكُتُب.

فقلتُ بِمَوَدَّة:

  • إنني أُفَكِّرُ بِمَزيدٍ مِنَ التَّنْقِيح والزِّيادَةِ والحَذْفِ وأَسْتَعِدُّ للطَبْعَةِ الثّانِيَة.

وإسْتَطْرَدَ الدكتور حَدِيْثَهُ لي يَقُول:

  • المكان الذي سَنّذْهَبُ إليه الآن ليس بيتاً. كان في يومٍ مِنَ الأيامِ النّائيةِ مَسْكَناً لعائلة لكنَّهُ حالِياً غَيْرَ ذلك، فاسْمُهُ الحالي هو “دارُ حَسَنْ الفَقِيه حَسَنْ للفنون” حَيْثُ يَتِمُّ إلقاءُ المحاضراتِ وعَقْدُ النَّدَواتِ وعَرْضُ اللَّوحاتِ الفَنِّيَّة. وتُقيمُ “دار حسن الفقيه حسن” كلّ سنة مَواسِمَ ثقافيَّة تشتملُ على المحاضراتِ والنَّدَواتِ والمعارِضِ التَّشْكِيْليَّة وغَيْرِها. وعندما وَصَلْنَا إلى المكانِ كان أحدُ المحاضرين مُنهَمِكاً في إلقاءِ مُحاضَرَتِه، ورأيتُ هناك الأستاذة “فوزية عريبي” وهي أمين “دار حسن الفقيه حسن للفنون”.

وبَعْدَما جَلَسْتُ قُرْبَ الشَّجَرَة قالتْ لي الأستاذة “فوزية عريبي” بصوتٍ خفيضٍ مُراعاةً للمحاضَرَة:

  • قُلْ أيّ كلمة أو نُقْطَةَ نِظام حتى لو لم تكنْ ذات عِلاقةٍ بموضوِع المُحاضَرَة. وإسْتَجَبْتُ لِطَلَبِها فما أنْ أَتَمَّ المُحاضِرُ مُحاضَرَتَهُ أشارتْ نحوي فَنهضتُ مُسْرِعاً إلى المَنَصَّةِ وتكلمتُ بإيجازٍ عَنْ أحَدِ عُيُوبِ التأليفِ القَصَصِيّ في بَلَدِنا ظَنّاً مِنَ المؤلفين أنْ ذلك هو المُتَّجَه الصحيح لتعزيزِ المَدْرَسةِ الواقعية بالذّات، في حين أنَّ المَدْرَسَةَ الواقعيَّة والأَدَبَ الواقِعِي عموماً لا ينزلقُ إلى ذلك السَّبِيلِ في جميعِ أَرْجاءِ العالم العربي وخُصُوْصاً مَصْر التي إنْطَلَقَ مِنْها هذا الإتِّجاهُ وإزْدَهَرَ فيها. وقلتُ أنَّ المؤلفين الواقعيين في بَلَدِنا لا يُفَرِّقُونَ في إنْتاجِهُمْ القصصي بين الفقرِ كحالَةٍ قابِلَةٍ للزَّوالِ والفقر كَصِفَةٍ ثابِتَةٍ يُمَجِدُونَها بَدَلاً مِنْ تصويرِ الكفاحِ ضِدَّها في نُصُوصِهُمْ الأدبيَّة.

وشعرتُ أنَّ مُلاحَظَتي حول الأدب الواقِعِي في ليبيا لاقَتْ ترحيباً عاصِفاً واسْتِحْساناً شامِلاً.

ثم غادرتُ المكانَ “دار حسن الفقيه حسن للفنون” في الليل عَبْرَ أَزِقَّةِ المدينةِ القديمة، وكانت رائحةُ البُخُورِ الطَّيِّبَةِ تَمْلأُ الفضاءَ مِنْ حَوْلِي مُتَسَرِّبَةً مِنْ بِيُوتِ العائلاتِ، سارِيَةً في الفضاء.

وكَما جاءَ في اسْتِهْلالِ هذه المَقالَةِ الأدَبِيَّة فقد ذَهَبْتُ يَومَ الأحد 25يوليو سنة 2010م كَيْ أَعْرِفَ ماذا سَيَقُولُ المهندسُ الليبي ” عبد المطلب سالم أبو سالم” في مُحاضَرَتِهِ بَعْدَ مُرورِ خمسةُ قُرونٍ مِنْ بِدايَةِ الإحتلالِ الأسباني لمدينةِ طرابلس الغرب، وتحديداً حَدَثَ ذلك في أوائِل القرنِ السَّادِسِ عَشَرْ مِنْ مِيلادِ المسيح.

ومن دوافعي للذهاب إلى تلك المحاضرة أنني أحتفظ في طَيَّاتِ نَفْسِي بأطيبِ الذِّكْرَيات عَنْ أسبانيا.

لقد سافرتُ إليها قبل سنين كثيرة عِدَّةَ مَرّات بكلِّ وسائلِ السَّفَر مِنَ الطائرات والقِطارات وبحراً في سنة 1970م حَيْثُ ميناء صغير في السواحل الجنوبية لإسبانيا ، ومِنْ هناك نحو “غرناطة” الجميلة ثُمَّ العاصمة “مدريد” وصار لي أصدقاء وصديقات أسْبانْيُول وَجَدْتُ فيهم الأخلاق والثقافة وعناصر الرُّقِيّ والتَّحَضُّر الأوروبي .

وقَطَعْتُ شَوْطاً في دِرَاسَةِ اللُّغة الأسبانية لَكِنِّي كُنْتُ أستخدمُ القاموسَ الأسباني – العربي لِتَكْوِينِ جُمَلٍ شَفَهِيَّةٍ أثناءَ المُحادَثَة، وهذه مسألة تبدو غَرِيْبَةً وغَيْرَ مألُوفَةٍ وغَيْرَ معقولة !.

وفي المحاضرةِ أَوْرَدَ المهندس “عبد المطلب سالم” – وهو يقرأ أوراقَ المحاضرة – أنَّ طرابلس الغرب كانت مَشْهُورَةً بصناعَتِها للمَنْسُوجاتِ الحَرِيرِيَّةِ الخاصة بالإستهلاكِ المَحَلِّي فقط إسناداً إلى الرَّحَّالَةِ الهُولَنْدِي ” لُوسْ دِلْ مارْمُولْ” وأنَّ نشاطَ مينائها في التِّجارَةِ كانَ مع الشَّرق والغرب حَيْثُ تجارتها واسعة مع البُنْدُقِيَّة في العطور والزُّجاج ومع مرسيليا ومانْشِسْتَرْ وجِنْوا، وكانت تجارة القوافل مع وَسَطِ أفريقيا حَيْثُ يَرِدُ العاج وريش الطيور النّاعم والذَّهب والزنوج كسلعةٍ في الأسواق، وكانت طرابلس في رخاءٍ وإستقرار فهي ذات حكم ذاتي في القرن الخامس عشر سنة 1460م، وقد إختارَ الطرابلسيون الشيخ منصور – الذي سَعَى في الإصلاح –حاكماً على المدينة مُنذُ إنهيار دولة الحَفْصِيين وجاءته البَيْعَةُ الإضافِيَّة مِنْ غريان وترهونة ومسلاَّتَة وبني وليد، وخَلَفَهُ رجلٌ آخر يُقالُ له يوسف الذي مات بالطاعون – وكان مَرَضاً مُنتشراً بلا علاج – سنة 1488م فَخَلَفَهُ في الحُكْمِ رَجُلٌ آخر يُقالُ له مامِي توفَّي سنة 1492م، ثم إتفقت كلمةُ الطرابلسيين على الشيخ عبد الله بن شرف، فولوه الحُكْمَ عليهم، وقد لُقِّبَ بالمرابط حَيْثُ غَلَبَ عليه أَمْرُ الزُّهْدِ والإنشغالُ بالعبادة، ولم يَكنْ أَهْلاً للحُكْمِ فأهْمَلَ تحصينَ البلد.”.

وتَعَجَّبْتُ لأنَّ” عبد المطلب سالم ” وهو مهندس مِعْمارِي لم يَهْتَمْ بقدرٍ كافٍ بالتَّفاصِيلِ المِعمارِيَّةِ لمدينةِ طرابلس ومَراجِعَهِ حول هذا الشأن خُصوصاً أنَّ المحاضرة كانت تحت إشراف مكتب إدارة المُدُن التاريخية وأيضاً برعايةِ المجموعة الوطنية لحماية التُّراث العُمْرانِي.

وقد تَمَّ إلقاء تلك المحاضرة قُرْبَ خاتمة الموسم الثقافي لسنة 2010 م حَيْثُ كانت زيارتي الثانية لـ “دار حسن الفقيه حسن للفنون” بعد زيارتي الأولى القديمة التي أَرْشَدَنِي خلالها إلى المكان أحدُ دكاترة الأدب العربي.

وكانت زيارتي الثالثة في أبريل سنة 2010م حَيْثُ أصرت –بِجدِّيَّةٍ حاسِمَة- الأستاذة ” فوزية عريبي”- وهي أمين دار حسن الفقيه حسن للفنون- على أنْ أُقَدم لها محاضرةً مَكْتُوبَةً، وعندما أَبْدَيْتُ مُوافَقَتي نَشَرَتْ في جدول نشاطات شهر مارس وأبريل لسنة 2010م عُنوانَ المحاضرة ” النَّقْدُ الأدبي والفَنِّي في ليبيا” لكنَّ أحوالي الصِّحِّيَّة بعد ذلك لم تُتِحْ لي التحضير والتَّدوِين للمحاضرة المُتَّفَق عليها فإعتذرتُ لها.

_____________

نشر بموقع الأيام

مقالات ذات علاقة

مانقرأه دُعابةً في السيرة

نورالدين خليفة النمر

عوالي يا …

المشرف العام

الأخير..

أسماء الأسطى

اترك تعليق