النقد

في محـاولة لفـهم ما يحـدث

 

(في محاولة لفهم ما يحدث)، هذا هو العنوان الفرعي للمجموعة القصصية الأولى للشاعر والقاص محمد زيدان، التي تحمل عنوان (الأشياء الكثيرة المعروفة).

وبمرارة ممزوجة بالسخرية تفنن القاص في كتابة مجموعة قصصية في كثير منها ومضات بارقة تلمح وتشير للقطات قصصية سريعة مختزلة قصيرة ناسفة للزمن والمكان ببعض لوحاتها القصصية البارقة، وبتلاعب بالكلمات بقصص أخرى، في محاولة منه لإشراك القارئ في لعبة الكتابة والقراءة بذهنية مختلفة، كما فعل في قصته المعنونة بـ (الحديد والطريق الطويل)، حيث قطع فيها حبل السرد القصصي، ليخاطب القارئ مباشرة في سخرية لذيذة وطريقة تجريبية مختلفة أضحت هي الأسلوب المتبع بكتابة القصة القصيرة الحديثة.

فى قصة (إمتثال)، يصف القاص مشهدا لحركات مختلفة مصحوبة بأصوات نهيق ورفس، وهنا القارئ لا يجهد ذهنه كثيرا ليدرك أن المقصود بذللك هو الحمار، ولكن لا يغيب عن القارئ الترميز الدلالي للوحة القصصية الخاطفة. وفي أقصوصة “فلاش باك” يختزل القاص علاقة رجل بامرأة فى ثلاثة أسطر وامضة: “لعامين كاملين ظل يرسم في خيالها صورة الفحل الأول، والذكر الأول الشديد، لقطة بلقطة، وفي أول ساعتين معها مسح كل الصور، وأحرق بقايا الخيال في لقطة واحدة”.

ويستحضر ذهننا عند قراءتنا لبعض قصص المجموعة الوامضة بعض ومضات “إدواردو غاليانو” التي تعتمد على التجريد الذهني والرؤية الفلسفية للعالم، كما في هذه الومضة القصصية بعنوان (منطق):

“الليل: أنت مثلي عار تماما.

الصباح: عريي طاهر، وسفوري بريء. احتجابك دنس، واحتشامك آثام”.

لا يغيب المعنى المخفي خلف هذه الومضة النقدية البارقة الملمحة للفكر الذي يمجد الاحتجاب بالمعنى الفكري، أو الشكلي الذي قد لا يعني بالضرورة طهره وبراءته، في موازة السفور الفكري أو الشكلي الذي قد يكون أكثر طهرا بوضوحه وعلانيته.

تتعدد الصور واللقطات الوامضة القصصية والفكرية في هذه المجموعة التي تحتفل بالتجريب في كل نص من نصوصها ولوحاتها القصصية، فسياق المجموعة لا يحمل نسقا تكنيكيا واحدا، بل ان كل لوحة هي مختلفة تماما عن اللوحة القصصية الأخرى، مما وهب المجموعة طعما مختلفا يحتفي بالتجدد والإختلاف.

في أقصوصة (عملة)، إلتقاطة قصصية مسيجة بفلسفة مبتكرة لسيرة نضال شيخ الشهداء الذي حوله أحفاده إلى “عملة وإله صغير يموت بسببه الصغار والكبار كل يوم”.

في قصته (الطائر الأسود)، يعري القاص واقع الذهنية التي تؤول المرض النفسي لصبي صغير، وترجعه إلى فعل الجان بجسده. ويطرح القاص بسخرية مرة وكوميديا سوداء صورة المشعوذ الذي يستأسد على جسد الطفل الصغير بالضرب وسط عيون رجال القبيلة المحدقة، وزغاريد النساء، وصوت الطبول والدفوف المصاحبة لطقوس المشعوذ الذي يستغل العقلية البسيطة للمتعاطين معه والمعتقدين بطقوسه. لوحة قصصية جميلة يبدو فيها الأمر كما يقول القاص في بداية إستهلاله القصة بهذه العبارة: “كان الأمر أشبه بملهاة، رغم دراميته المفجعة”. وتنتهي القصة برمزية وقوع الطائر الأسود فوق الطفل الصغير الذى هو رمز للجهل.

(بذرة القهر والطواف المستحيل)، قصة عن هاجس البطالة الذى يلاحق قدر “جمعة البرطاع”، الذي مر على كل الوجوه من أجل الحصول على العمل، ولكن كل محاولاته تبوء بالفشل، فيشعر بفقدان كرامته الإنسانية حين يقف عاجزا أمام ما تقوم به أخته كي تسد رمق البيت الجائع.

في قصة (تكوين)، يبدع القاص في رصد التكوين لجنين في بطن أمه، ورغبته الحارقة في الخروج للحياة، ساردا بخياله ما يدور داخل عقل الجنين خلال التسعة أشهر وهو بداخل بطن أمه.

المجموعة القصصية لمحمد زيدان تعري الواقع، وتعمد إلى استكشاف خبايا بعض التفاصيل اليومية للناس العاديين البسطاء الذين يبحثون عن أوليات وبديهيات الحق الإنسانى في الحياة. أبطال المجموعة القصصية هم أبطال منسحقون تحت واقع لا يبدو أن ثمة مخرج له، فيدورون فى حلقة البحث عن مخرج له خارج تيار الفهم والوعي؛ لذا يطرق البعض منهم أبواب السحر والشعوذة التي قد تمنح غطاء واهما للفهم، والخروج من مأزق الواقع المكبل لأوليات حقهم في الحياة. كل ذلك عبر لقطات قصصية مكتوبة بلغة رشيقة تبدو طيعة تحت يد كاتبها حين يتلاعب بها كما يشتهي بتوليفاته القصصية اللاقطة.

62 لوحة قصصية هي حصيلة المجموعة القصصية الأولى للقاص محمد زيدان، يظهر واضحا مدى زحمها بالأسئلة وبالقراءة الذكية للواقع الحياتي برؤية وأسلوب يمزج بين التهكم والسخرية المرة أحيانا، وبتكنيك فني قصصي كان التجريب هو بطله بإمتياز، حيث اختلط العقل بالجنون، الواقع بالخيال في بعض اللوحات القصصية، كل ذلك – وكما ذكر القاص في العنوان الفرعي للمجموعة – “في محاولة لفهم ما يحدث”، فمحاولة الفهم مربكة وملغومة بكثير من المحاذير، وهذا ما عملت المجموعة القصصية بكل تجريبيتها ولقطاتها ولوحاتها المختلفة أن تطرحه بأسلوب جديد ومبتكر، جعل المجموعة القصصية من الإضافات الجديدة للقصة الليبية القصيرة.

مقالات ذات علاقة

إِخْفَاءُ المَحَاسِنِ وَإِظْهَارُ العُيُوبِ

جمعة الفاخري

تقاسيم.. وإبحار في النص الروائي لمنصور ابوشناف

عبدالواحد حركات

الفيلم الليبي القصير “العشوائي” يرصد ظاهرة التصنيفات الحادة بالمجتمع الليبي بعد فبراير

إيناس المنصوري

اترك تعليق