المقالة

في عيد الأب … حديثٌ واحدٌ لا يكفيه .. السطـى “شعـبـان”

السطي شعبان

لا يعرف القراءة والكتابة لعزوفه منذ سنوات طفولته الأولى عن كُـتَّاب “الفقي رمضان” بزاوية “أولاد دياب” القرآنية، واتخاذه من بحر “القدّارة” وركل كرة “الليف” و”الشخشير” مرتعاً للهو واللعب مع أترابه من عائلة “شاقان” و”الخباط” و”عموش” وعساكر الحرب العالمية الثانية. كما أنه ليس مولوداً في قرية “العمروص” بل بمحلة “أولاد دياب” في “الملاحة” سنة 1934 ولكنه غادرها باكراً بعد استيلاء القوات الأمريكية على أرضهم ومنزلهم وضمها داخل أسوار قاعدة “ويلس”، فرحل مع والده ووالدته “فاطمة الحطاب” من عائلات الهجارسة وشقيقتيه “حليمة” و”خديجة”، للعيش بوسط مدينة طرابلس متردداً من حين لآخر على خاله لوالدته “جمعة الهيشري” في حي “بلخير” ثم عاد إلى “سوق الجمعة” في بداية الخمسينيات بعد وفاة والده بمستشفى طرابلس المركزي (السبيتار الكبير).

جاء إلى كنف المرحوم “الصديق بيرام” في “العمروص” وهو لا يملك شيئاً من متاع الدنيا، فرعاه ووالدته وعامله بمثابة أخوته “محمد” و”الطاهر” “وعلي”. وعمل “فلاحا”ً سنين طويلة في سانية “بيرام” التي يشقها طريق الساحل العمروص، وتتوسط شمالا سانية الساقية العالية لعائلة “المصراتي” وسانية “بن سليمان”، وغربا زقاق يفصلها عن سانية “بن رمضان” وسانية “شاكرالقلهود”، وشرقاً سانية “بزيك” وجنان “الكابوطي”، وجنوبا سانية “القره بوللي” وخندق “بن اسماعيل” المقابل لطاحونة العمروص وشارع اليهودي “ساسي كحلون” الذي يفصل سانية “بيرام” عن مساكن حارة العمروص و”جبانة اليهود” التي تحولت فيما بعد إلى ملعب لكرة القدم بين المقابر والكهوف والمغارات العتيقة، تؤدي إليها عدة أزقة ضيقة متفرعة أحدها ملاصق لمنزل المرحوم “رجب طرنيش” المشهور ب”عكي”.

تزوج سنة 1956 من أسرة المرحوم “علي الخويلدي” الملقب ب”المتشون” وظل يعمل في “العمروص” فلاحاً مع نسيبه “جمعة والي” لدى عائلة “بيرام”، وفي معصرة “البكوش” خلال مواسم جمع الزيتون، ثم تحايل على الحداد اليهودي “صانو موشيه” فتعلم منه فن الحدادة وطريقة صناعة ونقش مناجل الزرع والحصاد، وبدأ منافسة ذاك اليهودي وصار يعرف ب”شعبان النقشة” وأصبح إلى جانب “المهدي بتبت” و”شعبان المريول” أبرز من امتهن هذه الصنعة في “العمروص”، والتي نقلها فيما بعد لكل من “أحمد الزني” و”رمضان بعوش” رحمهما الله و”محمد الزني” أمد الله في عمره.

في بداية الستينيات انتقل مع زوجته ووالدته للعمل فلاحاً في سانية “الكبيّر” التي تملكها عائلة “العالم” فكان مثالاً للفلاح الكادح النزيه الشريف في تعامله مع أقطاب تلك العائلة أمثال الشيخ “الأمين” والحاج “محمد” و”كامل” و”علي”. وبعد سنوات قليلة ترك الزراعة ليخوض مع المرحوم “الصادق بن رمضان” والد كل من “الصيد” و”عاشور” و”إبراهيم” و”نعيمة” و”كريمة” تجربة جديدة ويتعلم منه مهنة البناء، فاختار المرحومين “عياد الطروق” و”جمعة درمان” ليؤسس معهما شراكة مبكرة في هذه المهنة. كان السطى “شعبان” هو المتفنن في تمهيد الأرض، وأخذ المقاسات، وحفر وإعداد الأساسات، وبناء طوب الحوائط ووضع الجدران ورفعها، وتلييسها، ومد أسلاك الكهرباء وشبكة المياه والصرف الصحي، والطلاء. ومن هنا صار يعرف بالسطى “شعبان” لدى أصحاب دكاكين العمروص “الصادق ومحمد ومفتاح شبيط” و”شاكر القلهود والصديق وعامر وعبدالسلام بن رمضان” و”ميلاد الترهوني” ثم امتدت شهرته لتصل حتى دكاكين “الدوكالي الزائدي” و”مسعود الخويلدي” في “الحاجِّية” الحي الفاصل بين قريتي “الساحل” و”العمروص”.

السطي شعبان

جرّب العمل في الميناء وقاسى برده الشتائي وظلمة لياليه الصعبة وبحره الغدار، ثم انتقل للعمل بالشركة الوطنية للمواشي واللحوم، وأدى فريضة الحج سنة 1976 واعتمر سنة 1991 وتقاعد من العمل بالشركة سنة 1997. والمفارقة أنه بعد تقاعده تعلم قيادة السيارات وتحصل على رخصة سنة 1999 واشترى سيارة وجلس على الكرسي الأيسر لأول مرة في حياته، وبعد أول جولة بها صرح قائلاً “الآن فقط أنا عرفت الدنيا”.

أنجب السطى “شعبان” سبعة ذكور وسبعة إناث، منهم المهندس وطالب الطب والحرفي والتاجر وحفظة كتاب الله الكريم، ومعلمات مربيات فضليات، وجميعهم مشهود لهم بالأخلاق الإسلامية الفاضلة والسمعة الحسنة، وصاهر عائلات “حالول” و”بشيه” و”الفقي” و”الدالي” و”أبوغريس” من سيدي السايح وسوق الجمعة وزاوية الدهماني وتاجوراء.

السطى “شعبان” متعه الله بالصحة والعافية لازال يسكن حي “العمروص” ويمارس حياته ويرعى غرسه المبارك، الذي أثمر خيراً وفلاحاً، بين أبناء وحفيدات وأسباط، وتظل تشهد له أسر وعائلات “سوق الجمعة” العريقة مثل عائلة “العالم” و”بيرام” و”البكوش” و”التياني” و”الرماش” و”شبيط” و”الزني” و”بشيه” و”الدالي” و”بلحاج” و”الجهيمي” و”بن رمضان” و”بن سليم” و”بن سليمان” و”الخويلدي” و”القماطي” و”بوشاقور” و”المسلاتي” و”المصراتي” و”حريب” و”هروس” وغيرها بالنزاهة والخلق الحسن، وصفاء السريرة، وبراعة العمل وإتقانه.


نشرت هذه السيرة في زاويتي الأسبوعية “مصافحة،” بصحيفة أويا، العدد رقم (574) الصادر بتاريخ 1/7/2009، على الصفحة رقم 24

مقالات ذات علاقة

مسؤوليتنا إزاء الأجيال القادمة

عمر الككلي

ضد الثقافة.. لماذا؟

أحمد الفيتوري

اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف

مهند شريفة

اترك تعليق