المحامي عبدالله شرف الدين عن موقع ليبيا المستقبل.
حوارات

في حوار مع المحامي عبد الله شرف الدين 1-2

سيرة المحامي عبد الله شرف الدين نقيب المحامين (الاسبق 1968)

منذ ميلاده 1924م حتى الساعة – الجزء الأول

حاورته: فاطمة غندور

المحامي عبدالله شرف الدين عن موقع ليبيا المستقبل
المحامي عبدالله شرف الدين
عن موقع ليبيا المستقبل

المُعارض والمحامي الاستاذ عبد الله شرف الدين أختار موعدا صباحيا لتسجيل هذه المقابلة المُؤجلة معه فقد كنت قد قابلتهُ في طرابلس في أحدى امسيات الصالون الثقافي الذي اقامه في بيته المرحوم عادل المشيرقي (2012) وطلبتُ منه إجراء لقاء مُوسع يحكي فيها سيرة نضاله كمعارض وكمحامي اعتذر يومها، وكانت حجتهُ السفر وعودته القيبة الى القاهرة، وفي موعدنا لهذا اللقاء في شقته بحي المعادي بالقاهرة، اول ما سألني عنه وكانت شغله الشاعل طرابلس واحوالها مؤخرا مُؤملا نفسه أن يُدفن بها، قلتُ له متعك الله بالصحة والعافية، وبعد عمر طويل.. ففاجأني ببيتٍ من نظمه قال فيه : يا بلاد الزهر والحنه لولا خُوف ربنا نسموك الجنة، هذا بيت من نظمي تغزلا فيها، رد ضاحكا وأضاف: طرابلس أعظم مكان في حياتي احبها جدا، لا مكان عندي يضاهي طرابلس جوهرة المتوسط هكذا أسماها الايطاليون، لا القاهرة ولا تونس كانا مثلها.. أنا من جبت مُغتربا ومُقيما الكثير من دول العالم، لا ارى حبا لمدينة يضاهيها في قلبي، كانت نموذجا للجمال الساحر والنظافة هكذا عرفتها لا اعلم اليوم كيف صارت.

• سألتهُ الان واللحظة ماذا تتذكر من طرابلس؟

اتذكر اصدقاء الطفولة المبروك والحمداني ومحمد علي الكعامي ومصباح بوغراره عز الرفقه وإن اخذتنا المشاغل فيما بعد، مساءات السينما انا محب للسينما منذ بدايات تفتحي، عاقبني والدي لحضوري للعروض الليلية بسينما الهمبرا كانت العروض ليلا، وكنت اعود خلسة لبيتنا ولم يكن والدي يحبذُ ذلك، اصعد السور خفية لكي لا يكتشفني والدي او اذهب الى البحر ابيتُ قربه حتى الصباح، كانت مغامراتي الاولى به وانا طفل  العشر سنوات، عَبرتُه في مخاطرة تعتبر مُجازفة وقتها من رأس المول الى راس المول خط عبور البواخر… أتذكر مقاهي طرابلس كنت في (الارورا) غالبا ما اجالس رفاق واصدقاء من شارع الاستقلال، الرشيد، سوق الحوت، شارع عمر المختار، ومن اصدقائي الأشقاء: صدقي  وعلي (الذي توفي مبكرا)، وكاظم بن موسى قبل ان يصبح فنانا كبيرا، وايضا العارف بن موسى من عمل معنا سكرتير في منظمتنا الدولية لمناهضة العنصرية (1976) وكذلك السيد فؤاد الكعبازي كانت المنظمة لها موقع في ميدان الساعة (فيلا يحي عمرو) التي استولى عليها احد الضباط فيما بعد.. منظمتنا قامت بالعديد من الاعمال وكنا قد حصلنا على تكريم من امين عام منظمة الامم المتحدة بكون منظمتنا (رسول سلام).

• وماذا عن أكلات طرابلس هل مازالت تتذكرها وتاكلها؟

مازالت وجباتنا الليبية أَحَبُ ما اكلهُ بالتأكيد، أحبُ الكسكسي، وأحبه و أكثر جدا البازين لكنه غائب عني (يضحك) وصراحة مؤخرا خفت شهيتي حيث الوحدة والسن لهما اثرهما.

• حياتك في القاهرة كيف تُمضيها؟

بالمطالعة انا اقرأ، مثلا أعيد قراءة كتبي القديمة  وهي امهات الكتب، قراءة التاريخ الذي احبه، وانصح بقراءة تاريخ الانسانية والحضارة منها للمؤرخ ويلز وهو محلل واديب  وان لم يكن منصفا للعرب، اتفرج على التلفزيون هربا من الكآبة، أستمع الى الاغاني  أحب مغنية في حياتي فيروز، افضلها على ام كلثوم التي وضعتها على جنب من زمان، يزورني احيانا بعض الاصدقاء: صديقي عبد المجيد الميت وعامر البكوش، وابراهيم حافظ، ومؤخرا سالم سعدون المكتبي والناشر المعروف وقد اعطيته حق نشر كتبي ومازلت ألح عليه بتوزيعها ولو مجانا عوض ان تظل مكدسة وقد كتبت سيرتي مؤخرا وأتمنى ان اسمع وأقرأ رأيا نقديا عنها ولو بلومي او اظهار نقائصها!، احيانا يتصل بي د. علي بوقرين، من اصحابي احمد ابراهيم الفقيه، سابقا هنا في مصر كان بيتي ملتقى لاصدقاء ليبيين الان انشغالاتهم والمسافة البعيدة عن وسط البلد وأماكن سكناهم وانا في المعادي هنا، لدي ايميل استقبل عليه رسائل من اصدقاء اجانب. واليوم والحمد لله عندي ولدين وبنتين حنان في جينيف دكتورة في الادارة و عمرو موجود في نيويورك حصل على دكتوراة فلسفة وعنده ابن في الجامعة الان، يسرا أبنتي الاخرى متزوجة بأمريكا أيضا، وابني زهير وهم على تواصل معي دائما.

• فلنعد الى سيرتك: الولادة، الطفولة والنشأة، محيطك العائلي؟

أنا عبد الله مصطفى عبد الرحمن شرف الدين مولود في مدينة طرابلس، وأصل عائلتنا من كانم بنيجيريا حيث قدموا من شبه الجزيرة العربية واستقروا فيها، ومن كانم اتجهوا الى زليطن الليبية وهناك من يعتبرون أن جدنا هو الفيتوري، وسيدي سليمان الفيتوري الموجود مقامه بطرابلس هو جد أسرتي، وأراضي عائلتنا بطرابلس تمتد من (البيرا اويا) حد قُبات القرهمانلي وهي منطقة تطل على البحر، بالنسبة لي ولدت بمنطقة زاوية الدهماني شارع الشط، وقد تم توثيق ذلك في شهادة ميلادي من البلدية في سنة 1932 لكن والدتي قالت لي أنني ولدت سنة 1924، دخلت المدرسة 1931 كان اسمها (ميليو دي بونو) تعلمت فيها تعليم ايطالي – عربي وبقيت بها الى السنة الخامسة ثم تركت الدراسة، وكان شقيقي قد واصل في المدرسة الاسلامية العليا، وقصة توقفي عن الدراسة كان سببها خطي الذي كان رديئا فكرهت الدراسة يومها، واتجهت الى العمل رغم صغر سني، كنت بائع بيض للطليان في منطقة سكننا بزاوية الدهماني الى الظهرة وشارع الشط، كبرت قليلا وانتقلت للعمل في (البورت ميناء) تحميل البضائع من الميناء وقد عملت ليلا، ومنها دخلت الى البحر عبر (فلايك البحر مع الكُبران وهو الرايس) لصيد السمك كنت صغيرا في السن، واتذكر رياسة البحر منهم رمضان عريبي ومختار حمشه والحبيشي… كنت أرافقهم ففي فترة معينة تسمى فترة (الرزام) نخرج للبحر مع العصر ونرمي بالشباك بمكان بعيد بالبحر وعند الفجر نرفع شباكنا ونجمع السمك منها، بجانب عملي مع البحارة وقد كان أغلب من نزلت معهم البحر أنذاك يعملون بالنول أيضا (الحياكة) وصرت مثلهم وقد تعلمت الحياكة ولم يتجاوز عمري الاحدى عشر سنة، انتقلت من مهنة الى مهنة ومنها أيضا كنت عامل بناء وإن كان لفترة بسيطة فلم يحتمل جسدي عمليات نقل مواد البناء.

• كيف كانت سنوات شبابك ومراهقتك ماذا تتذكر منها؟

هي مرحلة بين الطفولة والصبا ففي شارعنا بزاوية الدهماني كان لكل حي فتواتهم (القبضايات) كان لدي صديق اسمه عبد السلام بن بركه هو ( قبضاي المنطقة متاعه: زنقة الجامع) وأنا كنت قبضاي زنقة الكعامي، كنا نلتقي كـ (قباضيات)  لشوارعنا ورغم التحدي المستمر بيننا إلا أنه صارت الصحبة والصداقة الحميمة هي الغالبة، والحقيقة اننا تشاركنا في قدرتنا على الحصول على تذاكر(بطاقة) توزيع المؤونة التي شرعها الطليان، كان منح التموين كله يتم بالتذاكر ما يشبه الكتيب تحصل به على مواد غذائية بسعر خاص مخفض،ويباع خارجا ضعف السعر بثلاث مرات، كنا نجتهد للحصول عليها ونقوم بتوزيع البضائع لبعض الناس المحتاجين، وجرى كشفنا من قبل الأدارة الايطالية فما كان مني الا الهرب الى صرمان لمدة معينة، ثم نزلت لمنطقتنا بزاوية الدهماني وحبست نفسي ببيتنا ولم اخرج مطلقا للشارع ما يقارب الثلاثة أشهر، ذلك السجن في البيت اتاح لي ان اتفرغ للقراءة وكانت أعداد من مجلة الرسالة جلستُ اتمعن فيها واقرأ روايات وسير: رأس الغول، والف ليلة وليلة وو..، في مكتبتنا بالبيت كانت حوالي ثلاثين نسخة من مجلة الرسالة حيث كان شقيقي عبد الرحمن قد عاش في كانم (نيجيريا) واشترك في هذه المجلة فاحضر كل الاعداد معه الى بيتنا بطرابلس، ثم بدات اقرأ الكتب المترجمة الى العربية ومنها ادب شكسبير وقصص عالمية اخرى.. وقرأت ايضا للكُتاب العرب كالمازني، وتوفيق الحكيم، والعقاد، الرافعي… هؤلاء أغلبهم كتبوا في مجلة الرسالة، تلك القراءات فتحت ذهني ورغبتي وشغفي بالمزيد من الاطلاع والقراءة وفكرتُ كيف لي أن اكون خطيباً أو كاتب أشبهُ من اقرأ لهم ومنها بدأت أبحث عن طريقة تمكني من ذلك،

• وماذا عن مواصلة تحصيلك…  كيف ومتى جرى ذلك؟

نعم، عندما كانت طرابلس تحت حكم الادارة البريطانية فتحوا مدرسة اتذكر انها كانت ب (الظهرة) لقبول حملة الشهادة الابتدائية وجعلهم معلمين، وقد التحقت بهذه المدرسة ولذلك قصة فقد جرى رفضي بعد أسبوع من التحاقي بها وللأسف كان السبب هو كتابتي وخطي الرديء جدا!، وبعدها بسنة التحقت بمدرسة اخرى كان مديرها استاذ من السودان أسمه عبد الحكيم جميل هو ضابط، وقد التحقت بعد اسبوعين من بداية السنة الدراسية، قال لي الاستاذ جميل أنت مُتاخر عن فصلك الدراسي وذلك لا يجوز وقد لا نستطيع قبولك، يومها اخذت ابكي (نزلت دموعي كالمطر) وعندها رأف بحالي وعطف علي وقال لي سأُلحقك بفصلك، وسنُقيمُ وضعك الدراسي بعد اسبوع فقط إن استطعت الاجتهاد والالتحاق بالطلاب في دروسهم سنقبلك وتنتظم بالمدرسة، وكان أن بذلت مجهودا جبارا لأثبت جدارتي بالألتحاق بزملائي من الطلاب حتى انه في مرة من المرات كانت لنا حصة مع الاستاذ مسعود فشيكه وقد كلفنا بواجبٍ مدرسي ننجزه بالبيت وقد انجزته بشكل رائع واعتنيت بتقديم صفحتي بالكراس (الدفتر كنا نسميه)  بشكل متناسق جميل فما كان من الاستاذ فشيكه الا ان رفع كراستي أمام كل الطلاب مُشيدا بي وأنا من ألتحقت متاخرا وطالبهم بالأقتداء بي في العناية والاهتمام والاجتهاد (شوفوا زميلكم عبد الله شرف الدين ..ديروا زيه) كانت تلك لحظة من اللحظات التي لم انساها، رفعت بمعنوياتي الى السماء وفي تلك السنة أحرزت الترتيب الرابع في الفصل وكانوا خمسة وعشرون طالبا، وفي السنة الثانية حصلت على الترتيب الاول بالفصل، وفي السنة الثالثة اعتقد كان ذلك عام 1947،   كنت من ضمن الثمانية المميزين بتحصيلهم (وإن كنت لم اكمل تلك السنة وسأسرد ذلك لاحقا)، كانت دراستنا قد تقررت ثلاث سنوات وأشاعوا أنه بعد انتهائها سيتم ايفادنا الى بريطانيا ولكن ذلك لم يحصل لسبب لم نعرفه، فمع مجيء المناضل بشير السعداوي لليبيا كان زميلانا سليمان توميه وعمران العزابي حضرا احدى لقاءاته واجتماعاته بالميراماري واستمعوا الى خطبه وألقيا بأرائهما، كان مدير المعارف ضابط بريطاني، وحين خرجت المظاهرات خرج فيها زميلي تومية والعزابي وعليه تم طردهما من الدراسة، ولكننا اصدقائهما وكنا ستة رفضنا الدخول الى الفصل انحيازا لهما وتضامنا معهما، وجاءنا الاستاذ عبد الحكيم جميل يحاول اقناعنا بعدم اتخاذ قرار يضرُ بنا وهو مقاطعة الدراسة وقد اخذنا الى مدير المعارف البريطاني – الذي ذكرته لك سابقا – وعندهُ دافعنا عن زملائنا واعترضنا على طردهما من المدرسة ومنها اننا اقترحنا بدل طردهما بالكامل السماح لهما بدخول الامتحان النهائي معنا فتفاجأنا برفضه لذلك أيضا، لذلك تحالفنا الست أصدقاء مع زميلينا المطرودين وقررنا عدم الذهاب الى المدرسة نهائيا، وبعد فترة فكرنا كأصدقاء في ايجاد طريقة للدراسة خارج البلاد وخمنا انه اذا ما استعنا ببعض من الرجال الاغنياء من معارف عائلاتنا ربما ساعدونا في بدء طريقنا لذلك وهنا اتذكر طُرفة  (نٌكته) حصلت معنا عندما ذهبنا الى احد الاثرياء جدا شعبان عريبي وكان والد احد زملائن الذين درسوا معنا وكان يتقدمنا خطيبنا ومتحدثنا عمران العزابي الذي يشرح رغبتنا كشباب بالتحصيل العلمي واننا كشباب مستقبل البلاد.. وووو..  فما كان من السيد عريبي إلا الرد عليه: ربنا يجيب المطر… فصارت تلك الجملة ردا طريفا كلما صادفنا رفضا لأفعالنا او واجهتنا مشكلة نامُل حلها!، وبعد حوالي شهر من جهودنا التي لم تكلل بما كنا نتوقعه، فلم يساعدنا الاغنياء بطرابلس الا بالقليل جدا من المال، وبالنسبة لي ساعدني اخي بمنحي 500 فرنك لأبدا بها رحلتي!، المهم أننا أخذنا رسالة من السيد بشير السعداوي لنتوجه بها الى منصور قداره بالبنك العربي لكي يساعدنا على بعض من مصروفاتنا بمصر قصد الدراسة والتحصيل فأخذنا الرسالة المُعينة لنا وبدأنا رحلتنا الى مصر عبر الباص الى بنغازي نزل في فندق يسمونه (نجم) وأتذكر كان هناك نشاطات نضالية سياسية  لجمعية عمر المختار وصادف انهم يُعدون لنقل متطوعين الى الجهاد في فلسطين كانوا حوالي 200 متطوع تقريبا، وسيمرون بمصر، وجاء الاستاذ الكريم محمود مخلوف ولن أنسى فضله علينا وقال سنساعدكم لتذهبوا معهم مجانا وعندما تصلون الى مصر بإمكانكم تدبر امركم، وبالفعل ذهبنا معهم ولثلاثة ايام قطعناها برا (ليست باص هو ما يسمى بالكاروات وقتها) كانت رحلة لها ظروفها الصعبة، فلا حمامات وملابسنا علينا طوال تلك المدة فما كان من احد زملاءنا إلا التعليق متندرا لو قلعنا ملابسنا فإنها ستذهب وحدها من ثقل ما تحمله من قاذوراتنا (يضحك كانت ايام صعبة).

• هي السفر الأول لك خارج البلاد ..كيف كانت رحلة مصر ما ملابساتها وظروفها؟

عندما وصلنا الى مصر توجهنا مباشرة الى السيد منصور قداره فمنحنا 15 جنيه! فأجرنا شقة بثلاثة جنيهات وتبضعنا مواد غذائية ولوازم المطبخ أتذكر انه بقي معنا سبعة جنيهات، كنا نذهب الى زيارة أخواننا الليبين بالازهر، فاكتشفنا اننا نسكن بعيدا عن وسط البلد ممايكلفنا مواصلات وتنقل، فانتقلنا للسكن بشقة بـ (عابدين) في شارع كان اسمه (شق الثعبان) كانت العمارة جديدة ودفعنا ثلاثة جنيهات للايجار كان فرشنا ( حصيرة ) وكنا نتوسد كتبنا (مخداتنا!) كنا يوميا نوزع انفسنا في مشاوير نترصد بها البلد ونتقصى لنعرف أين وكيف ومتى سنتخذ سبيلنا لدراستنا، كان منا من يذهب الى وزارة المعارف، وأخر يذهب الى جامعة الدول العربية، وهكذا صرنا نبحث عن مدرسة داخلية تناسب امكانياتنا لم نكن نقدر على تكاليف مدارسهم العادية، ظل الامر هكذا لحوالي شهرين او ثلاثة فيما أتذكر، مرت علينا فترات كدنا نموت جوعا، وقد صرفنا كل ما معنا، وقد حاول بعض زملائنا اقامة بعض علاقة مع اخواننا الأزهريين المُستقرين لمساعدتهم بين الحين والاخر، وكنت انا وصديقي الطاهر دهان لا نغادر الشقة حتى انه جاء يوم هو نهاية الشهر ولم يكن لدينا ما ندفعه للإيجار فطردنا صاحب الشقة واضطررنا الى السكن رفقة بعض من الدارسين الليبين الى ان جاء القرار بحصولنا على فرصة للدراسة بالمدرسة الداخلية اتذكر اننا اخذنا قطارا الى أسيوط كانت الرحلة لساعات ثم أخذنا ما كانوا يسمونها (الحلزونه!) الى ساحل سليم الذي به مدرسة جديدة انشأها رئيس حكومة سابق اسمه محمد محمود والتحقنا نحن الست أصدقاء بها، كانت مدرسة رائعة وكنا ساعتها نشعر أننا وقد انتشلنا من غريق الى حياة مُنعشة، كان المعلمون بها من السودان وارتيريا والصومال ومصر بطبيعة الحال والطلاب عرب من مختلف الاقطار، الصدفة العجيبة أن الجامعة العربية ساعدتنا ونحن لم نكمل بعد سنتنا الاولى بالمدرسة وكانت الدراسة مجانا لكننا حصلنا على منحة  ثلاثة جنيهات لكل طالب وقتها كان مبلغا كبيرا، (واحنا كان من المفروض ان ندخل السنة الرابعة) ولكن لم يكن ذلك ممكنا كون المدرسة حديثة في فصولها بها السنة الاولى والثانية فقط حتى اننا ترددنا في الالتحاق في البداية وأخذنا نناقش ذلك وقلنا اننا نخسر الوقت حين نبدأ من جديد، ولكننا استسلمنا وشرعنا من البداية بعد نقاش طويل صوتنا فيه ختاما وكان الاتفاق على الالتحاق، كنا طلابا أوائل متميزين في كل الفصول وقد كانت المدارس في مصر الاربعينات ذات مناهج متمكنة وقوية أفادتنا كثيرا كانت بلسما لكل ما شهدناه من مجازفة وتعب وتشرد واعتبرنا مصر هدية من السماء بعد كل ذلك .. وقد أثرت فينا بكل ما فيها من تفاعلات سياسية وثقافية.

___________________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

أسماء حسين بشاشة: اللوحة منبري وسلاحي.. و”تاناروت” مكان لنمو بذور الإبداع وصقل موهبتي

حواء القمودي

القاص: رضوان أبوشويشة/ الألوان حـياتي

المشرف العام

صحيفة قورينا: حوار مع الكاتب غازي القبلاوي

المشرف العام

اترك تعليق