النقد

في حضرة (القصيدة الشرسة)


(قصيدة ليست لي) عنوان لديوان الشاعرة (حنان محفوظ), هي التي تهمس بقصائد توثق تجربتها الشعرية في ديوان أول عنوانه ( زهرة الريح) تلك الزهرة الناعمة حين تأخذها هبة ريح خفيفة فتطير الى اعلى وترسل قبلاتها فراشات بيضاء وهكذا

الشاعرة (حنان محفوظ) حين باغتها الشعر فانهمرت بهمس الأنثى الخجول حين يراودها الحب أول مرة, وفي هذا الديوان الثاني تختار عنوان (قصيدة ليست لي) مضمرة إعلان حالة النفير وكأنها تجابهنا بفيض حالاتها المنثورة عبر صفحات الديوان ,بقصائد صادحة النغم تبني عالما معماره هذي القصائد التي تارة تتأرجح شغبا ,وتارة أخرى تستكين لأزميل الشاعرة حين تنحت بصبر العاشقة وعبر سلسلة من الصور مشاهد معركة تحتدم بالمشاعر الدافئة وتهجس بالفقد الذي تواجهه بالغناء ..

وكي لا أغرق في خضم بلاغة فضفاضة اخترت الاتكاء على معمار القصيدة التي هي بعنوان الغريبة ثم يكون المفتاح جملة أسمية واضحة (قصيدة ليست لي) فأتساءل عن سر هذه الجملة /المفتاح وأحسّ كأن ثمة فخ تنصبه الشاعرة لاستدراجي كقارئة، مثلما فعلت (شهرزاد).

حين تفتتح باب الحكاية قائلة: بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي السديد ليعبْر شهريار الى تلك المدن المسحورة ..

ولكن هذه الجملة الافتتاحية كأنها تلتفت بعيدا كي تفسح فضاء القصيدة للشاعرة التي ستبني معمار القصيدة خلال سبع مقاطع؛

ككل الكلام المنمق في العيون

كتبت للغريبة هذا الهراء

ومسحت عن وجهي

كل ملامح البلاغة..

تشيّد الشاعرة هذه العتبة عبر تقابلات واضحة المفارقة تشكّل بنية تضاد.

كَ كُلَّ  – كُلَّ

الكلام المنمق

هذا الهراء – ملامح البلاغة

كتبتَ – مسحتَ

في العيون – عن وجهي

الشاعرة حنان محفوظ. تصوير: سالم أبوديب.

و(كَـ) أداة التشبيه تحيل إلى حالات مشابهة, عن تناص لحكايات أخرى سابقة. ككل الكلام المنمق في العيون، بينما (كل) قطعية وحادة ولا تحيل إلا إلى معنى واحد (كل ملامح البلاغة).

الكلام المنمق -هما حالة من التكرار توحي بالهشاشة

هذا الهراء واللزوجة التي تلتصق بأي كلام يرشح منه النفاق، بينما (ملامح البلاغة) صورة تشي بمكانة رفيعة لوجه نُقِشَت عليه ملامح البلاغة، وفي هذا التضاد حالة من الاستغراب عن هذه القدرة في التلون والتغّيّر (في العيون). كتبتَ (هنا) و(مسحت) هناك

للغريبة – هذه التي مضمَرةٌ في المشهد وحاضرة في الغياب

المقطع الثاني سيكون حالة تبنيها الشاعرة لتكمل المعمار الأول من خلال تضاد

(هنا حيث لا حقول تنتظر الغيوم المكتظة بعرق الوله)

مشهد مرسوم لحالة من الجفاء واليباس؛ هنا حيث (لا حقول) (تنتظر الغيوم) (المكتظة بعرق الوله)، ولكن مشهد الآن يضمر في المتن (هناك) حيث حقول مروية (بعرق الوله) الذي يفيض من غيوم مثقلة بالمحبة، وستكون الصورة التالية واشية بحالة المفارقة ,مكتنزة بالإحالات والدلالة.

الغريبة تكنس غيمك الساقط في الفراغ تذهب به بعيدا عن الأحداق

تؤجج في السماء نارا

تحرق قمري

صورة ضاجّة بالألم والعذاب ,حتى أن تلك (الغائبة) المضمرة في الأفعال (مسحت عن وجهي)

تظهر واضحة (تحرق قمري )

صارت هي في مواجهة (الغريبة )

تشهر أصابع الاتهام ولكن عبر صور جمالية ودلالات مكتنزة تُحيل الى عالم هش فتأتي الصورة التالية /المقطع الثالث لبنة –بُنْيَة تكمل معمار هذه القصيدة، لكن ثمة مفاجأة تنتظرنا ..

أين انا ؟؟

منذ عمر طويل قصير لا أدري

منذ عمر شوه السديم روح القمر

خلال المقطع الأول والثاني ثمة حالة من الفوران والمواجهة, حتى أنّ حالة من الاستنفار تصيبني كقارئة وأستعد لخوض معركة جمالية شرسة، ولكن الشاعرة بهدوء تنسل من تلك الحالة الجياشة بعد تلك الصرخة (تؤجج في السماء ناراً تحرق قمري

لتسأل (أين أنا)؟!

نبضات القلب التي تسارعت في حالة المواجهة صارت بطيئة هادئة والسؤال

(أين انا)؟!

يغدو فضاءا زمنيا يبحث في الإجابة عن مكان (أين أنا)؟؟

منذ عمر طويل قصير لا أدري

هي حالة من الحيرة والتلمس والبحث، كأن ثمة كائنة مفارقة تنظر من بعيد، وتتساءل عن سر هذه الفوضى، (أين أنا.. منذ عمر طويل قصير لا أدري) الحيرة تلفني كقارئة وأكمل القراءة كي أفهم.. (لا أدري) من هي التي لا تدري أين هي …؟

منذ عمر شوّه السديم روح القمر

الحالة الغائمة (السديم) هذا الضباب الكثيف الذي يُخفي ملامح الكائنات، ولكن هنا (شوّه) فعلٌ واضح الدلالة والتشويه ليس حالة خارجية بل طال الداخل … (روح القمر)

لتعود الشاعرة في المقطع الرابع، وبعد حالة الهدوء والأسى والتساؤل، تعود مشيرة إلى تلك (الغريبة)، هذه التي تفيض على المعمار فتحيل كل ما تلمسه رمادا …

أحرقت الغريبة

مفردات لغة السماء ..

يا لهذه الصورة الواضحة / الغائمة، تضمر في شراستها كل معاني الانتهاك ..

أحرقت (الغريبة)

مفردات لغة السماء

لم تعد (الغريبة) مجرد حالة خاصة /غريمة ما، بل هي وعبر الانزياح ,تخرج إلى فضاء أوسع تصبح (عدوا مشتركاً) إن صحت التسمية، فالصورة مفزعة (مفردات لغة السماء)، التي أُحْرِقَتْ هي لغة مقدسة أنزلت من السماء ليضمها كتاب خالد – محفوظ ,ولكن هنا في هذه الصورة ثمة رعب مبثوث، ولكي أخرج من هذه الحالة أواصل قراءة المشهد / المعمار ..

سماءٌ تتلون بلون غيومها

كلما مر لون كان لونها

كلما مات لون فرّ بريقها

تنفستُ الصعداء حين قرأت الصورة كاملة, فالسماء هي حالة خاصة ,ليست السماء العامة

(مفردات لغة السماء)

سماء تتلون بغيومها

وهي غيوم (الغريبة) القاحلة التي لا تمطر (عرق الوله) على (الحقول), إذن هي سماء خاصة، تعبث الغريبة بألوانها. ثم تبني الشاعرة المقطع الخامس في مشهدية تُحيلنا إلى لحظة مفارقة جديدة ..

(ماتت الكلمات في حلق المفاجأة

ومات عند باب الخوف –بعد أن رحل – الأمانُ)

هل يمكن تخيل هذا المشهد / الصورة؟ ماتت الكلمات في حلق المفاجأة. التضاد –مفارقة– الإحالة على غير المتوقع, المفاجأة عادةً هي (سارة مبهجة) ولكن أي مفاجأة هذه التي تموت الكلمات في حلقها ؟!ولتغدو هذه المفاجأة مدهشة ستكمل الشاعرة صورة الأمان الذي مات عند باب الخوف ..(بعد أن رحل)…؟!

ماتت قصيدة نمت في رحم لغتي

لقيتها متيبسة على رصيف الحياة

أي فجيعة حين تموت (قصيدة) وتغدو مجرد جثة متيبسة.. ولكن في هذه الصورة رغم ألمها ونزف وجعها فإن الشاعرة وعبر كلمة أو فعل ظننته بسيطاً وعاديا ولكن حين الانتباه وتفكيك المعنى المضمر، وجدت أن الفعل (لقيتُ ها) يضمّر معنى فخما (لقيت) هذه التي ماتت (قصيدة) نمت في رحم لغتي، لذا لن تموت هكذا قصيدة، بل ستغدو (لُقْية ثمينة) رغم أنها (متيبسة)، وبين ماتت ومتيبسة نجد إضمار التضاد والإشارة إلى (الخلود). (لقيتها متيبسة) لقد قاومت الموت لأنها (نمت في رحم لغتي)، هي ستظل في حالة كمون حتى تفيض الأرض وتتفتح السماء بغيم مكتنز فتغدو شجرة سامقة. وليكتمل معمار القصيدة، تنشئ الشاعرة مقطعا سابعا، يحيلني إلى محمولات الرقم (سبعة)، حيث السماوات السبع،  والأراضين السبع …

هذه قصيدة ليست لي

انتزعتها الغريبة من بلاغة لسانك

وفصاحة لغتك

فاحترقت غيوم السماء

لسان بليغ ولغة فصيحة ولكن القصيدة (انتزعتها الغريبة)، لذا لن تهطل الغيوم (بعرق الوله) ولن ترتوي الحقول.. لأن (غيوم السماء) احترقت، والقصيدة تكمل دورتها وتغلق دائرة حكاية /معمار.. والقصيدة التي كُتبت أو كان هطولها في عام 2014، نبأَّ أن الشاعرة (حنان محفوظ) قد عبرت إلى ضفاف جديدة في تجربتها الشعرية، واجتازت مغامرة الشعر باقتدار ,ومازالت تجازف وتجذّف في البحر الواسع.

وهذا الديوان الجديد هو لبنة في معمارها الشعري توثق به مرحلة جديدة في تجربتها, وتضيف لمتن الشعرية الليبية، وترفع نشيد الشاعرة الليبية عاليا في أرض الشعر والمفاجأة …

حرر في الثامن من يوليو 2020 – طرابلس

مقالات ذات علاقة

علي الفزاني في “رحلة الضياع”

المشرف العام

الوصف في القصة القصيرة

المشرف العام

التمنّع في قصة محمد الزنتاني… نص “القرار” نموذجاً

المشرف العام

اترك تعليق