طيوب عربية

في حضرة العنقاء والخل الوفي: نظرة لهذا العالم، بعين المهمشين

مسعود صالح مسعود

%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9_%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d8%b6%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d9%82%d8%a7%d8%a1

في حضرة العنقاء والخل الوفي، نص روائي للأديب الكويتي “إسماعيل فهد إسماعيل”، يأخذك فيه لترى هذا العالم، بعين المهمشين، فهو يجذبهم من هامش الحياة إلى قلبها.

الغلاف:

 لوحة الغجري النائم، للرسام الفرنسي “هنري روسى” اختيرت لتكون غلاف الرواية. إضافة مميزة وبسيطة، فمن يقرأ الرواية يستطيع ربط محتواها باللوحة.

العنوان:

لما رأيت بني الزمان وما بهم

خل وفي، للشدائد أصطفي

أيقنت أن المستحيل ثلاثة:

الغول والعنقاء والخل الوفي

– الشاعر “صفي الدين الحلي”

من المعروف عند العرب، أن المستحيلات هي ثلاث: الغول، العنقاء، والخل الوفي. لكننا سنجد أن “إسماعيل فهد إسماعيل” اختار لعنوان روايته مستحيلين، وانتقص الثالث (الغول)، الذي سنشعر بوجوده في تفاصيل الرواية، حتى وإن لم يتم ذكره إسميا.

عنوان منقوص اختاره الكاتب بذكاء، ليدمج هذا النقص بروح منسي (الشخصية الرئيسية)، الذي يدون رسالة طويلة لأبنته (زينب)، التي لم يراها منذ ولادتها. رسالة كتب فيها سيرته الذاتية منذ الصغر. أو تحديدا، منذ الوقت الذي اكتشف فيه بأنه (بدون) كما يطلق على تلك الفئة من غير محددي الجنسية في الكويت. تناول الكاتب هذه القضية وتحدث عن المعاناة التي يعيشها كل من هو (بدون الجنسية)، بسبب حرمانهم من حقوق المواطنة. ولكن كعادة “إسماعيل فهد إسماعيل” في طرحه الأدبي، فهو يحتفي (بالحالة الخاصة) كما تقول الشاعرة “سعدية مفرح” في مقدمتها للرواية. فهذا النص يناقش قضية البدون، من خلال شخصية منسي أو كما ينادونه (المنسي بن أبيه).

لكل من اسمه نصيب:

بعد حمل أمه الأول والثاني، اللذان لم تكتب لهما الحياة، اقترح والده اسم (منسي) لعل الموت ينساه. وبمرور السنوات، سيجد بأن الحياة بأكملها تهمشه وتنساه،

“أنا المنسي اسما، في الوقت ذاته أجزم أني منسي حقيقة.”

المهمشين:

“البعض محكومون بالبقاء، على الهامش.”

تعمق “إسماعيل فهد إسماعيل” في نفسية الشخصية المهمشة، عبر سرده لتلك السنوات التي عانى فيها “منسي” الكثير، إما لكونه من فئة البدون، أو بسبب شخصيته الانهزامية المستسلمة للآخرين. فقد تم استغلاله من قبل زوجته “عهود”، التي تراه على أنه شيء قابل للتشكل بناء على متطلبات مزاجها، وأهوائها .. “أنا الصفر المغفل، بالنسبة لها” كما جاء على لسانه.

الروائي الكويتي: إسماعيل فهد إسماعيل
الروائي الكويتي: إسماعيل فهد إسماعيل

وأضاف أيضا:

“الخيانة أوجه، أشدها شناعة أن يأتيك من ينتهزك، يوهمك بما تراه عادلا، يسايرك مبيتا غدرا، وحتى إذا بحثت في الأسباب، التي ولدت لديه حافز الغدر، وجدتها غير مبررة، وهو لن يكسب من وراء غدره، سوى فعل الإيذاء المبرمج والممتد في زمانك كله.”

ومع نهاية الرواية، يمكننا أن نستنتج بأن “الغول” الغير مذكور بصورة واضحة، كان متمثلا في “عهود” وأخيها “سعود”، وأن شخصية “منسي” الانهزامية، تنبع من ما عاشه طيلة سنوات عمره في مجتمع، يشعره بالنقص والتهميش لأنه (بدون).

الوطن والانتماء:

أسئلة جذرية عن مفهوم الوطن، والهوية، تطرحها هذه الرواية.

هل الانتماء، وحب الوطن، مرهون بأوراق ثبوتية؟ أم أنه ذلك الشعور العميق، بالانتماء للأرض وناسها؟

من خلال سرده لسيرته الشخصية، سنكتشف أن “منسي” كتب أيضا، تاريخ وطنه (الكويت) لمدة تجاوزت الثلاثين عاما، مرورا بالإجتياح العراقي للكويت في عام 1990، وما مر به منسي في ذلك الوقت.

ففي أوقات الصعاب، نجد أن البدون، وبالرغم من حقوقهم المنقوصة، بسبب عدم امتلاكهم للأوراق الثبوتية، كانوا من ضمن أولئك الذين حاربوا وتمسكوا بالأرض، التي ولدوا عليها.

“”ارتباط الإنسان بالمكان، يتعزز من خلال ارتباطه بناس المكان.

لنستنتج أن العنقاء في هذا النص تتمثل في الكويت التي تنهض من جديد، بعد سقوطها بحب ودفاع أبناءها عنها.

“الكويت أولا وأخيرا، انتماء يزكي نفسه أو ينفيها، إذا صادف محكا حقيقيا”.

تلفت الرواية أيضا، إلى تابعات الحروب على أبناء البلد الواحد. فالنفوس تتغير. فحتى بعد انقضائها، نفوس الناس لا ترجع كما كانت عليه من قبل. وهذا ما يمكن أن نستخلصه من قراءة التاريخ، وما نشاهده الآن في الواقع.

الخل الوفي:

هم أصدقاءه “مبارك سويد، وسليمان الياسين”، اللذان كانا معه في كل ماتعرض له، من مشقات في حياته.

اللغة:

“إسماعيل فهد إسماعيل” كاتب يتحدى نفسه بتجريبه لأساليب كتابية جديدة. وفي هذه الرواية استخدم أسلوب لغوي مدهش. فأكثر ما يميز هذا النص لغته الغريبة، وأظن السبب في ذلك هو من أجل إشراك القارئ في الكتابة، بدلا من أن يبقى متلقيا فقط، متأملا منه إكمال المنقوص، من خلال السياق الكلي للأحداث.

فستجد نفسك أمام جمل مبتورة بدون تكملة. لتشعر وكأن “الغول” الغير مذكور بصفة واضحة، يتجول في تفاصيل النص ويقضم الجمل ليجعلها-بدون-تكملة كما هو حال “منسي” بطل الرواية.

رواية مميزة! “كتبها المؤلف.. ويكتبها قراؤه أيضا”، كما كتبت “سعدية مفرح” في مقدمتها للرواية. مضيفة: “في حضرة العنقاء والخل الوفي” إذا رواية (صعبة) ليس على صعيد الكتابة وحدها، بل على صعيد القراءة، وأتوقع من المتلقي أن يجتهد كثيرا، في سبيل استخلاص المتع الراسبة بين نهايات الفصول حتما.”

اقتباسات من الرواية:

“حسم الأمور نهائيا، أفضل من الإبقاء عليها هامشا يؤلم القلب.”

“مسايرة أهواء الآخر، تضغط على الأنفاس.”

“التسليم وجه رضا قهري.”

“لماذا تنبتر الأحلام ما قبل ذروة الانكشاف.”

عن الرواية:

عدد الصفحات: 390 صفحة

النسخة الأولى: 2013

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

ورشحت ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في عام 2014.

نبذة عن الكاتب:

“إسماعيل فهد إسماعيل” كاتب وروائي كويتي، متفرغ للكتابة منذ عام 1985. ولد في عام 1940. ويعتبر الأب الروحي للرواية الكويتية. لديه أكثر من 24 عمل روائي. ومن المعروف عنه دعمه وتشجيعه للكتاب الشباب.

مقالات ذات علاقة

احذروا الرقمنة الشاملة!

المشرف العام

صلاح عبدالصبور.. وقوة الدفع الصاروخية!

المشرف العام

يوم التوكتوك عيد الحب

آكد الجبوري (العراق)

اترك تعليق