النقد

في حب الأوطان

الأديب خليفة التليسي.
الأديب خليفة التليسي. | الصورة: عن الشبكة.


الحب لا يذهب سُدىً ولا بد من أن يثمر ويورق كيفما كان واتفق ، حب متبادل أم حب من جانب واحد ، وحب ما منه بُد ذلك الحب الذي يشتعل في قلب العاشق الصب سواء درت به المعشوقة أو لم تدري ، سواء بادلته حباً بحب او صمّت أذانها وأغلقت عينيها عن عذابات من يحبها ، غير أن بعض الحب تطوعي يكتفي به المحبون حتى وإن لم يجد صدى عند المحبوبة ، به يتطهرون وبه يرتقون في سلم الإنسانية ويتحررون من وجودهم المعتاد ، حب لذاته لا لشيء آخر ولا لغرض زائل ، حب هو أقرب لحب الصوفيين من أي حب آخر ، ذلك هو حب الأوطان الذي هو جزء من إيمان الإنسان بالحياة ، الحب الذي بدونه يغدو كل شعور ، بارد ومتبلد .

كل أو أغلب الناس يحبون اوطانهم وإن أظهروا عكس ذلك نتيجة ظلم وقع عليهم أو عند الغضب والاستهجان لما يحدث فيها من أفعال مخلة بالحريات مثلاً ، ولكن ليس كل الناس قادرون على التعبير عن  هذا الحب بطرقه المختلفة كالانخراط في الحملات التطوعية والخدمية وغيرها وحتى التعبير بطرق فنية إبداعية كالرسم والشعر والغناء وغيرها من وسائل التعبير المعروفة ، كثيرون يحملون حب أوطانهم في قلوبهم ولا يظهر ذلك الحب في تصرفاتهم وسلوكياتهم اليومية وهذا لا يعد نقصا أو تقصير منهم لأن تقلبات الحياة قد تصرفهم بعيدا عن إظهار حبهم وعشقهم لأوطانهم ويكذب أو يجافي الحقيقة من يدعي عدم حبه لوطنه الذي ترعرع وعاش فيه وبين أهله لأن هذا وكما أتصور شيء متغلغل في الروح وشعور راسخ في القلب قد لا يتحكم فيه المرء وغير قابل للمفاضلة ، فالناس لا تملك إلا أن تحب أوطانها بل إن الإنسان إذا ما أحب أهله وجيرانه وأقاربه ومعارفه وأصدقاء طفولته فإنه سيحب وطنه بشكل تلقائي ، ولا يمكن أن يفر من حب الوطن وهو يحمل في قلبه كل هذا الحب لمكوناته الأولية وهي الناس والحجر والشجر والتراب ، ويزداد حب المرء لوطنه كلما نأى عنه أو باعدت ما بينهما الظروف وطارئات الحياة ، وسيظل ذلك الحب والحنين خامدين في نفس المُحب المبتعد حتى يقدح شرارتهما لقطة عابرة أو كلمة أو مكالمة هاتفية أو خبر أو صورة أو حتى أغنية أو غرض مادي معين ، وعندها لا مفر من ذرف الدموع ونبش الذكريات واستحضار هناءات الماضي وحتى اجتراح الشعر والتوسل بشفافيته ورِقته لترجمة المشاعر الفياضة والأشواق الملتهبة .

والشعراء أكثر حبا للأوطان من الآخرين، لحساسيتهم العالية وربما لأنهم لا يدعون نوبات ذلك الحب تمر دون أن يقوموا بتحويلها إلى كلمات تحفظها الكتب ويرددها العشاق ويسير بها الزمن إلى الأجيال اللاحقة، وحب الشعراء طاهر ونقي تماما مثل حب المتصوفة، يحبون الأوطان في الشدة وفي الرخاء في الضيق وفي الأتساع في السراء وفي الضراء، حب لا تغيره الحادثات ولا تؤثر فيه تقلبات الزمن، حب صافي ومُنزه عن كل غرض زائل، حب أزلي لا يُنقص من زخمه لا زمان ولا توالي الليالي والنهارات، أو هكذا يُفترض.

قصائد كثيرة قيلت في حب الاوطان وعشقه والتفاني في حبها حيثُ تبارى الشعراء في استخراج دُرر هذا الحب  حتى ارتقوا به إلى معاني ملائكية سماوية ، وتفننوا في ترصيع قصائدهم بأجمل القول وأعذبه في كل مكان من العالم تقريباً ، والشعراء الليبيين ليسوا استثناء بطبيعة الحال ، بل أنهم تفوقوا على البعض بما أنتجوا من قصائد تتناول حب الوطن ، فها هو ذا الشاعر خليفة التليسي يختصر المسألة كلها في أبيات معدودة ويبين للكل معنى أن يحب الإنسان وطنه وكيف يحبه وما ثمن هذا الحب ، فيقول وهو العارف المدرك لتاريخه ولمجده ولمآثره ولبطولاته ولتضحياته الجسام ولثقافته كونه باحثاً ومؤرخاً وأديباً وعاشقاً حتى أبعد حدود العشق وهائما بكل ذرة من ترابه وبكل نخلة من نخيله وبكل قطرة من بحره وبكل شبر من سماءه وبكل قدر من خيراته الظاهرة والباطنة في قصيدة عُدت عند بعض النقاد كنزاً من كنوز الشعر الليبي ودرة من دُرره .

وقفٌ عليها الحب شدّت قيدنا

أم أطلقت فينا للحب مشاعرا

وقفٌ عليها الحب ساقطٌ نخلها

رُطباً جنياً أم حشيفاً ضامرا

وقفٌ عليها الحب أمطر غيمها

 أم شح، أو نسيت حبيبا ذاكرا

وقفٌ عليها الحب كرمى عينيها

تحلوا منازلة الحروب حواسرا

وقفٌ عليها الحب تنظم خطونا

ركنا توحد خطوة وخواطرا.

ولا يمتلك الشاعر ونحن معه إلا أن نحب هاته الصابرة الراسخة المثابرة على الصلابة المتجذرة في التاريخ كما هي وفي كافة حالاتها، في ضعفها وفي قوتها في علوها وفي انحدارها في ازدهارها وفي انحطاطها.

ويرتفع منسوب حبك لليبيا كلما قرات القصيدة الطويلة التي تحولت إلى أغنية فيما بعد والتي بالرغم من انها تتخذ من البناء التقليدي شكلاً وهذا ما لا يستسيغه الكثير ممن انحازوا لقصيدة النثر ، إلا أنها استطاعت أن تجتذب إليها كل الذوائق تقريباً وتلبي حاجة كل المتلقين بمختلف اتجاهاتهم ومن ضمنهم كُتاب ومتعاطي قصيدة النثر ، وذلك يعزز من اعتقادنا بأن الشعر الجميل والحقيقي لا بد من أن يفرض نسقه بغض النظر عن الشكل الذي يكون فيه ، القصيدة طويلة كما أسلفنا وسيجد فيها القارئ من التعابير ما يفوق الحب أحيانا ليصل إلى درجة التماهي والانصهار في الوطن والفناء في ترابه ، وهو ما يحدث حقيقةً لا مجازا في نهاية الأمر إذ يُدفن في تربته لتختلط رفاته بذراته وتمتزج حتى لا يستطع أحد فصلهما عن بعض  .

لا يمل الشعراء من ارتكاب جريرة الشعر ولا تمل الأوطان من التزين لمحبيها من الشعراء، بل أن الشعراء سيرون الأوطان جميلة حتى وإن كانت بخلاف ذلك، لأن العين التي ينظر بها الشعراء غير العين التي ينظر بها الجميع، وحين يصور الشاعر وطنه في أجمل حلة وكأني به يدعو مستمعيه إلى استعارة عينيه ليروا بها الوطن حتى يدركوا مقدار جماله وبهائه الحقيقي غير الظاهر.

الشاعر عمر الكدي
الشاعر عمر الكدي. أرشيفية عن الشبكة.

ولا يختلف حب الشاعر عمر الكدي كثيرا عن حب التليسي لليبيا، غير أنه يذهب أبعد حين يعتبر ليبيا..

بدوية شرسة

تُحب حين تُحب

من تشاء

وتكره حين تكره من تشاء

تسقي العابرين القاحلين

بدلو من أجاج وعناد

وتستسلم لمن يطوقها بالقصائد 

 وينفذ إلى قلبها على صهوة الخيال.

 هذه ليبيا التي يحبها الشاعر، قوية وعنيدة وشرسة، وبعد أن يعدد صفاتها التي لا تتوفر عند غيرها كونها سامقة وبشهوة محمومة وفرس جامحة لا تستسلم إلا لمن يركب الريح وزيتونة وارفة زيتها يضحك الظلام، يصل إلى بيت القصيد وقلب المعنى إذ يقول: –

أحبها مثل ما أحب

هذا الوجه الذي

 يقابلني في المرايا

مقطبا وتائها

الذي يفزع بصليله

قطعان هدوئي

وعصافير أحلامي

الذي يغيضني ويهزأ بي

ويفضح حين أخفي

خلجاتي الدقيقة.. الضامرة

الذي عادة ما يثقب

البالونات في سماء غروري

وينبش في حدائق زهوي

فيرى أسراري،

وهو لا شك حب من نوع خاص، وفي بعض القصيدة يطلب الشاعر من حبيبته أن تعلمه كيف يحبها وهي العصية العنيدة المكابرة، ويعترف صاغرا أنها حبه الأول والأخير الذي لا بديل له، فكيف سيتنصل الشاعر من حب هو بمثابة الحياة بالنسبة له وصنوّ الوجود.

يا ليبيا أين المفر

وأنتِ نافورة القلب

التي منها يرتوي

أرحل منك هاربا

وأعود إليكِ

مثلما يعود الظل إلى غصنه.

في ظل هذا الالتحام والمآل المحتوم لملحمة الحب، إلى أين سيفر الشاعر وكيف سيروض جموح وعناد حبيبته ليبيا إن لم يمعن في حبها أكثر وأكثر ويستسلم لنزواتها التي هي إحدى أهم أسباب فتنتها وسر جمالها وتميزها، إلى أن يقول صراحةً: –

أحبك ببساطة قاحلة

لا تنبت الغيرة

أحبك بلا ابتذال وكأنني أدم

وكأنك حواء.

وينتهي الشاعر إلى أن يحب كل شيء في ليبيا، رجالها ونساءها وأطفالها وشيوخها وشبابها وفتياتها وشوارعها وكل ما لا يخطر على بال فيها حتى عادات نساءها ومكر أطفالها وضياع شبابها وهدوء شيوخها، كل شيء.. كل شيء.

ليس هذا فحسب والأمر لا يقتصر على هذين المثلين ، فلدينا شاعر آخر لا يقل حباً وولهاً بوطنه ، يحب مدينته – وطنه الأصغر – كما لم يحبها أحد من قبل ، خاصة وإنها خارجة للتو من محنة عظيمة ، عند كتابة القصيدة ، إنها درنة الزاهرة وأنهُ المتيم بها الشاعر عبدالسلام العجيلي ، وحين يكتب العجيلي قصيدته سيتلقفها المتلقين لأنهم يدركوا مسبقاً ما فيها من جمال وفن ومتعة ومن طزاجة شعرية ، لأنها في جانب من جوانبها الكثيرة تعبر عنهم وتقولهم وتعكس ما في ذواتهم من حب مكنون ، هنا العجيلي يتغنى بمدينته درنة ويمتدحها حتى وإن لم يذكرها صراحةً ويسميها باسمها في قصيدته التي افتتح بها أيامها بعد السبي ، وفي مدحه لجزء من وطنه مدح للوطن كله بطبيعة الحال ، أو هذا ما أتوهمه أنا على الأقل .

الشاعر عبدالسلام العجيلي.
الشاعر عبدالسلام العجيلي.

فبالرغم من كل شيء ومع أن المدينة بدت في وقت ما كعانس تمشط أيامها المكرورة الخالية من الفرح يراها الشاعر جميلة لأنه يعرف جمالها السابق ويعرف أنها ستتخطى محنتها وتعود جميلة كما كانت وأكثر.

جميلة رغم كل شيء

وظامئة

مثل عانس

تمشط

ايامها المتكررة

أيامها الخالية من

الحلوى والضحك.

وبالرغم من أنها شاحبة وكئيبة إلا أنها لازالت لديها بقية من فتنة و …

ما زالت شبابيكها تصعد الأغاني إلى السماء

وما زالت الأسماك المهاجرة

موعودة بأحضانها الدافئة

وما زالت تفتح ذراعيها للطيور الهاربة

من جليد الضفة الأخرى

وما زلنا نتمسك بأهدابها الناعمة

إذا ما اشتد عصف الريح

نأكل كراثها

إذا ما جفتنا المحاريث.

وعند هذا المنحنى من القصيدة وكأنه ملزم بتوضيح أسباب حبه لمدينته يعدد أو يستحضر الشاعر بعضا من المبررات التي تجعله على المستوى الفردي يرى مدينته بعين الجمال الذي لا يذبل مع كل القبح المتراكم فيها بفعل الريح السوداء التي اكتسحتها وبتدبير من كائنات العتمة إذ يقول مؤكدا على ما قرَّ في القلب.

ما زلتِ جميلة

لأنك وسادتنا المعطرة

وفرحتنا المسروقة

من أيامنا المتشابهة

لأنك هوانا

وهويتنا الصامدة

في وجه كل ريح قبيحة.

وهنا يقصر العشق العادي عن تلبية طموحات الشاعر الروحية فيدخل في حالة شعرية صوفية غامرة حاول التعبير عنها بالكلام إلا أن الكلام هو الآخر عجز عن حمل الرؤية والإحاطة بكامل أسرارها وتوهجها فكان أن اكتفى الشاعر بهذه المقاطع التي لامست الحالة وكشفت عن بعض دقائقها وتفاصيلها العميقة التي لا يدركها إلا من كان شاعرا أو به مس من وله، ومع تصاعد بخور اللهفة وبلوغ النشوة منتهاها استحال الحب العادي إلى حب مطلق خارج الزمان والمكان حب لا ينتمي إلا إلى اللا منتهى إلا إلى اللا محدود.

ولأجل مزمار

أعتلى سدة البوح

فذاب في الأجساد

في ليلة أسمرية

جمرها توقد

وبخورها غطى النجوم

حين مزقت

بالقصائد والرقص

الحُجب الثقيلة

طارت مجاسدنا

وطرنا نفاوض

 السماء على وقت أطول.

مقالات ذات علاقة

تبقى الحياة والمعرفة

عمر الككلي

الوظيفة السامية للتخريف

محمد الترهوني

السرد والمقاومة: بناء الوعي الوطني في الخطاب الروائي الليبي

المشرف العام

اترك تعليق