من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
طيوب النص

في بلاد ليست لنا

من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي

لا تبتئسْ يا صديقي، لا تبتئسْ؛ ففي بلادٍ ليستْ لنا، سينبري لعدائكَ آلافُ السَّيِّئينِ؛ فقط لأنكَ لستَ مثلَهم.. لأنك لا تنتمي لوضاعتهم، ولا تلتفت للخِسَّةِ التي تملءُ أعماقهم.. ولا يسيلُ لعابُ روحِكَ اشتهاءً لمثيراتِ شهواتهم الوقحة ..

لأنك تتجافى عن صغائرهم، وتتسامى عن سفاسفهم، وتتعالى عن فظائعهم.. لأنك معنيٌّ بالاستقامة، ومهمومٌ بالاعتدالِ، ولأنك جميلُ الرُّوحِ، طيِّبُ النَّفسِ، عالي الهمَّة، رفيع الذوق، مشغولٌ بالمروءات، لأنك لستَ معنيًّا بالقبح الذي يتغَنَّونَ بِهِ، ولا بتفاصيل التَّفاهاتِ التي يتبنَّونها، لستَ على هوى المدمنينَ للعهرِ، المهووسينَ بالرَّذيلةِ، السَّادرينَ في غيِّهم، السَّائرينَ أبدًا إلى مزابلِ النِّسيانِ، أولئكَ الذينَ يحاربونَ الجمالَ بالقبحِ، ويُعَادونَ دُعَاتَهُ، وينسفونَ كلَّ الجسورِ المؤدِّيةِ إليهِ.

في بلادٍ ليستْ لنا .. يغدو الجميلُ قبحًا في أعينِ النَّاسِ لمجرَّدِ أنَّكَ لا تشبِهُهم، لست منهم، أولئكَ الذينَ أُغمِضَتْ أعينُهُم عن رؤيةِ أيِّ بصيصِ نورٍ، أو بارِق فرحٍ.. أو هالَةِ أملٍ ..
في بلادٍ ليسَتْ لنا .. لا تحطُّ عليها حمائمُ الإنصافِ، ولا تسيرُ في دروبها خطا الحقِّ، لا يُنْصِتُّ النَّاسُ فيها إلى صوتِ الحقِّ، ولا إلى حقِّ الصَّوتِ..!!

في بلادٍ ليستْ لنا .. سيرجمك مليونُ وقحٍ لأنَّك لا تتمتَّع بالوقاحة التي يرفلُ فيها، ولا تنعم بفظاعة الوهم الذي يتلبَّسُهُ، ولا تظهر إلا كما أنتَ.. كما كنتَ وستكونُ إلى أن يأذن اللهُ بنسفِ وقاحتهم .. وإلغاء فظائعهم وشنائعهم ..
في بلادٍ ليستْ لنا .. سيجعلك الأبالسة مثالاً أعلى للمرجومِ، لأنَّكَ لم تكن في زمرةِ الشياطينِ ولم تستوعبْ عملَهم، ولم تنجحْ في الانضمامِ لعصبَتِهِم العَاصِيَةِ..!؟

في بلادٍ ليستْ لنا .. سيتطوَّعُ لعدائكِ آلافُ المشوَّهينَ والانكشاريِّينَ، والانحشاريِّينَ، والقشوريِّينَ، والمسقَّفينَ، والسطحيِّينَ والمسطَّحينَ، والموهومينَ بالبطولاتِ الكاذبةِ، آلافُ المخدوعينَ والمخادعينَ، والحانقينَ، والخانقينَ والمخنوقينَ بحبالِ الأنا المتضخِّمَةِ، بأناشيطِ العظمةِ الجوفاءِ، سيبادرُ لقتلِكَ آلافُ المهزومين نفسيًّا، والمقبوحينَ، والمصابينَ بالكرهِ غيرِ المبرَّرِ، والمصابينَ بأمراضٍ عصيَّةٍ على الطَّبِّ، وعلى التشخيصِ أحيانًا..!
الذين يعانونَ بشاعةً مزمنةً، وحساسيَّةً مفرطَةً نحوَ قيمِ الحقِّ، ومدارجِ الخيرِ، ومنظومةِ المروءاتِ، وتفاصيلِ الجمالِ والنَّقاء والصَّفاءِ، ومباهجِ النَّجاحِ.

في بلادٍ ليستْ لنا .. أنتَ مخالفٌ أبدًا، ولستَ مختلفًا، لأنك لست على هواهم، وأنتَّ مختلٌّ لأنك لم تخاتلْ مثلُهم .. ولم تُختلْ بفواحِشِهم..!!
فكن أنتَ؛ ولتكنِ البلادُ التي ليستْ لنا، لنا بنا، بخطواتنا المستقيمة وإن اعوجَّتِ الدروبُ.. باستقامتنا وإن بدونَ لهم أكثرَ اعوجاجًا من عنق جملٍ كهلٍ..!
لا تبتئسْ يا صديقي، لا تبتئسْ .. فغدًا سنعرفُ طعمَ الحبِّ .. سنعرفُ طعم الحياة .. سنعرفُ قيمَة الجمالِ الذي لا ينحني لجحافل القبحِ..

مقالات ذات علاقة

الجزائر تودع شاعرها “عمر شعلال”

المشرف العام

لاتسلني ماذا بي

سهام الدغاري

موّال العـفة

رأفت بالخير

اترك تعليق