قصة

في البحر كلب

لابد للطامح أن يسقط في هوة توازى ارتفاع التحليق…** جون ميلتون دراما 2020 عدنان بشير معيتيق حبر على ورق 32 * 42 سم

في غرفة صغيرة، متصدعة الجدران تنتشر بين زواياها خيوط العناكب، وينبعث من جدرانها رائحة الرطوبة النتنة، ويعلو رؤوس من يتواجد بها أبخرة لفافات التبغ، كان يدور تحقيقاً مع (حسن) وهو شاب في مقتبل العمر، بهي الطلعة حسن المظهر، فصيح اللسان، مكتنز القوام، يظهر علي محياه القوة والعنفوان، لكنه كان واقفاً حينها غير مكترث بسيل الاتهامات التي ألقاها المحقق تلك الليلة الشتوية العاصفة.

كان (حسن) في موقف لا يحسد عليه جدا، فقد كان محاط بخمسة من رجالات المخفر، لكنه كان كلما وجهت إليه تهمه يزداد ابتساما من جراء ثقته بنفسه واقتناعه بعدم تورطه في كل هذه الأفعال وسيل الادعاءات الموجهة إليه.

وهذا ما جعل أفراد المخفر حانقين من جراء ردة الفعل غير المبالية بحجم الموقف، والتي كانت منافية لما توقعوه منه أن يحدث أمامهم من ارتباك في حالة المتهم القابع والمحاصر في مكتبهم حينها، لتجعلهم يمضون ليلة الخميس تلك، في جو من النكات والضحك والتسلية بالسخرية منه.

وبعد أن أكمل المحقق سرد التهم، سُمح أخيرا لـ(حسن) بالتكلم ردا على ما نسب ضده. هنا وجد الموقوف (حسن) متنفسا، إثر هذا الكم الهائل من الاتهامات الموجهة إليه في تلك الليلة، فأشار بسرعة بديهته المعهودة، ورد علي الفور:

ابداً ابداً لم يحصل أبدا كل ما ذكرته يا سيادة المحقق… بدليل بدليل.

ثم أكمل القول مشيراً بإصبعه إلي تاريخ الوقائع التي ارتكبت فيها الجرائم المنسوبة إليه.

استشاط المحقق غضباً وصاح في وجه (حسن) قائلاً باللهجة الليبية الدارجة:

وخر لاورا، حول اصبعك من عل المحضر، وخر.

أي بما معناه: أرجع للوراء ، وابعد إصبعك عن أوراق المحضر، أرجع.

تراجع (حسن) خطوتين إلي الوراء كما طُلب منه قائلاً:

ولكن يا حضرة المحقق بالعودة إلي تواريخ حدوث الوقائع الموجهة لي، أستطيع أن أثبت، أنه خذلكم الصواب بتوجيه أصابع الاتهام لي.

التفت المحقق إلي المتهم فور سماع ما تفوه به المتهم (حسن) وحملق بزملائه من إفراد التحريات ومتوجسا قال:

 شنو حسك قلت؟

سمعتك قلت خذلنا الصواب يعني نحن غالطانين معاك؟

حيث قال بما معناه:

ماذا ماذا قلت، نحن مخطئون؟

رد حسن:

ما عاذا الله إني قلت هذه العبارة بهذه الطريقة.

التفت المحقق إلي زملائه مقهقهاً وساخرا من طريقة تحدث (حسن) فهو يتكلم باللغة العربية الفُصحى الغير متماشية مع طريقة تكلمهم وتكلم غيره من العامة تلك الفترة من الزمن وقال متهكما:

تواريخ، تواريخ

وغني:

تواريخ يادنيا الهوي // تواريخ وايش ذنبي أنا…

فأردف بقية من كان في الغرفة من افراد المخفر اهتزازاً وتطبيلا ونقرا علي خشب المقاعد والمكتب في غرفة التحقيق تلك.. ومرددين:

مشاوير يا دنيا العلا /// مشاوير وايش ذنبي انا.

لكن المحقق اسكتهم بصوته الخشن والموجه للمتهم (حسن) قائلاً:

وخر وخر، ثم أضاف كذلك متهكما باللهجة الليبية الدارجة:

تواريخ جمع مذكر سالم أعتقد، خطرها على دروس النحو!!

ومن جديد ارتفعت في غرفة التحقيق قهقهات متناثرة من جميع أفراد المخفر، وصاحوا:

جمع مذكر ممدوح موش سالم ههههه

ثم سادت موجة من التصفيق المتداخل هنا وهناك. نظر المحقق الي زملائه ليأمرهم بالسكوت ثم وجه كلامه الي (حسن):

– حسناً حسناً حدثنا كيف يكون ذلك أيها المتعلم أقصد ايها السي با ويهههه؟

 أجاب المتهم (حسن) بغبطة، آملاً في الخروج من هذا المأزق:

ببساطة لقد كنت منذ عامين خارج البلاد، ولم ارجع إلي الوطن إلا منذ بضعة أسابيع فقط.

رد المحقق:

كيف تثبت لنا ذلك أيها المتعلم الشاطر أقصد السي باااا ويــــــــــــه؟

 أجابه المتهم (حسن):

 فقط ولو أذنت لي باستخدام هاتفي النقال سأطلب ابن أخي (محمود) أن يجلب لي جواز سفري، وعندها ستتأكد بنفسك من تاريخ الدخول والخروج الظاهر في الأختام، وستعلمون إني بريء من هذه التهمة الكيدية، لأني كنت أدرس في جمهورية مصر العربية فترة وقوع الواقعة محضر الاتهام.

هنا ارتبك المحقق وأفراد التحريات ولكنه رد بامتعاض شديد:

ما عندكش مشكلة، ثم سمح له بإشارة من يده أن يستعمل هاتفه الجوال.

بسرعة أخذ (حسن) الهاتف وطلب من ابن أخيه على الجانب الأخر أن يقوم بإحضار جواز سفره من البيت.

وبعد ساعة من الزمن أحضر (محمود) الجواز، ليتضح بعد ذلك أن ما تقدم به (حسن) من إثباتات كانت صحيحة مئة بالمائة.

اقفل المحقق المحضر بعد أن استشار على امتعاض بقية أفرد التحريات والحراسة.. تلك الليلة

وعكس ما كان يتوقع (حسن)،  أمر المحقق أفراد المخفر باستمرار إيقافه، والذي كان يعتقد أنه سيخرج من هذه الورطة، حينها أيقن (حسن) أنه أمام مكيدة مدبرة يشترك فيها رجالات المخفر مع بعض المجرمين المدعين عليه باتهامات باطلة، ولم يتفهم أسبابها حينها، لكنه استدرك أن أحد أفراد التحريات وجهه كان مألوفا له منذ سنوات طويلة، فحاول تذكره لكنه لم يستطع ذلك حينها.

أمسك اثنان من رجالات الخفر بالمتهم (حسن) عنوة والقوا به في الزنزانة المزدحمة بالمتهمين. أما (محمود) فقد خرج سريعاً ليخبر والده (سعيد) بما يحصل لعمه (حسن) مع رجالات المخفر هذه الليلة!!.

كانت الساعة تقترب عقاربها من تمام العاشرة، حين تم سحب (حسن) والزج به إلى غرفة التحقيق الي داخل الزنزانة المزدحمة بالمتهمين، في تلك الليلة الخميسية المشؤومة، دفعوا به بقوة، أحدهم قال:

مكانك ومطراحك يا برنس.

والأخر أضاف:

يأ نسكم (حسن) يا عيت عوج.

وما أن اقُفل الباب من جديد حتى استعاد (حسن) توازنه، وتوجه لينزوي في إحدى زوايا الغرفة.  لكنه لم يجد الوقت الكافي حتي يتبين من يقاسمه المكان حينها، ولم يمهلوه السجناء، حتي بادره أحدهم بصوته الساخر قائلا:

مرحبتين ابصاحب السعادة في ها لليلة.

لم يعيره (حسن) اهتمامه البتة، بل تمالك نفسه، وبدأ يفكر في أسباب هذه الورطة ومن هو صاحب الوجه المألوف لأحد أفراد التحريات الذي تواجد مع أفراد الخفر المناوب في مكتب التحقيق.

مضت السويعات رتيبة علي غير عادتها، فلم تسعفه الذاكرة في الوصول إلي مبتغاه. صمت (حسن) وأخذ يفكر بتوجس وقلق شديدين. كيف لو مضت الأمور في غير صالحه وطال به المكوث في هذا المكان الخطير، بعيدا عن أطفاله وزوجته، فهو لم يشتري السكن اللائق لأسرته بعد، ذاك السكن الذي وعد به زوجته

(فادية) بعد عودتهما مباشرة من جمهورية مصر العربية، تلك الزوجة المصرية الموطن، والتي تعرف على أسرتها أثناء مكوثه بالغربة، وشاطرته الحب والوجد، والشجن والأمنيات، فأحبته ورضت به شريكاً لها في حياتها، ليتقاسما الدين والدنيا والسراء والضراء،  ثم فكر حول ماذا سيكون رد أخوته من جراء ترك أسرته في ضيافتهم، لو طالت به هذه المحنة.

صحيح أنه يمكث حالياً في بيت العائلة، ولكنه يبقي بيت متهالك، وكان قد أواهم جميعا منذ بنائه فترة الستينات، احتواهم ذاك البيت دون أن تطاله أي عمليات للصيانة أو التجديد والتطوير ليواكب عمليات الهدم والبناء في الحي حينها، كان بيت العائلة أو كما يسمونه أفراد العائلة والأحفاد (بالحوش العربي) كان بيتاً من طراز قديم، وسطه باحة واسعة تتعرض للشمس باستمرار كانت الباحة كالمربع الواسع المكشوف لغرض التهوية، وكان الحوش العربي يبدو متهالكاً جدا بالمقارنة بما حوله من بيوت، فشيدت المباني والعمارات بجانبه، فأصبح مكشوفا علي من يقطن حوله، وفي مرمي عيون من يقف في نوافذ شقق ومنازل أغلب الجيران المحيطة.

لكن (حسن) وأخوته يتمسكون بهذا البيت، فهو ذا قيمة وجدانية، تذكرهم بوالدهم الراحل ذاك الفلاح العصامي، وذكريات بعض من أفراد أسرتهم الأصيلة ممن أخذتهم المنية وجاوروا ربهم.

لازال يتذكر كيف كان يتدرب على مهارات اللكم وفنون الملاكمة في وسط هذا الحوش العربي، وكيف كان يضع كيس الملابس العسكرية أو ما يعرف بـ(الكت العسكري) مُعلقا في باحة البيت، بحيث يتدلى بحبل مربوطا بقنطرة من عدة قناطر، كانت تدعم سقف وسط الحوش العربي آنذاك.

مضت الأيام جميلة طيلة فترة السبعينات، والثمانينات إلي أن بدأت البيوت القديمة تتجدد، مطلع التسعينات، فتتهدم الأكثر قدماً، ليحل محلها مباني كثيرة الشقق والنوافذ، لتفسد علي (حسن) الشغوف بفن الملاكمة وعالمه الأخاذ، ولتطل عيون المتطفلين متلصلصة على وسط حوش عائلة (حسن) حيث بدأت الشكاوي تنهال من الجيران ضد (حسن) وتصرفاته بعد كل صلاة عشاء من كل ليلة، والذي تعود أن يبدأ في ممارسة تدريباته واستعراض مهاراته القتالية وفنون الملاكمة بعنف قد يصل للعصبية بلباس الملاكمة ضد (الكت العسكري) في وسط البيت، مما تسبب في ازدياد مهنة التلصلص واختلاس النظر والقيل والقال عبر الشبابيك والنوافذ المطلة لتراقبه بشكل دائم دون أن يدري ويستفحل الأمر فيما بعد.

فعيون الصغار والفتيات تراقبه خلسة ثم عيون أخري تراقب وترصد انشغالات بنات الحي لمراقبة هذا الفتي غير السوي في نظر بقية الجيران. وتذكر كيف نصحه أخوته بأن يسافر الي مالطا للحصول على تأشيرة الشنقل ليصل إلي قارة أوروبا، ليبتعد عن القيل والقال وأن يبحث عن أي نادي يهتم بلعبة الملاكمة في أي دولة أوروبية، خصوصاً وأن بلاده تعتبر لعبة الملاكمة لعبة وحشية ويمنعها الدستور، منذ نهاية السبعينات.

تدخل أحد السجناء وأقترب من (حسن) قاطعاً حبل تفكيره، ليقدم له علبة كبريت ولفافة من التبغ نوع (إمريكانا). رد (حسن) بابتسام قائلا:

أشكرك أنا لا أدخن

في هذا الأثناء كان يدور حوارا صاخبا في غرفة التحقيق حول الموقوف (حسن )؟

المحقق:

انا اللي عليا درتا وما قصرت معاك يا (احميدة)!.

موجها حديثه الي أحد أفراد التحريات وهو شابا ذو ملامح أسيوية وكأنه ينحدر من أصول باكستانية، بارز العينين.

بوجهه العديد من الندوب والكدمات والخدوش القديمة، واثاراً لعمليات جراحية، وكأنه وقد تعرض لحادث سير قديم اثرت في تقاسيمه وملامحه، كان (احميدة) كثير الحركة والتدخين داخل غرفة التحقيق، فما أن يشعل سيجارة حتي يعقبها بإشعال سيجارة آخري من شدة التوتر في تلك الليلة.

ثم نظر المحقق (جمعة) إلي بقية المجموعة وأضاف قائلاً باللهجة الليبية الدراجة:

صح والله لا يا جماعة انا قصرت، توا أنا قصرت يا جماعة، الراجل في القراديلوا اهوا دكيتا لك في القراديلوا

وأضاف:

الراجل كركرناه لك بمحضر اشتباه امفصل عليه بالمقاس لكن موش خاطر علينا انه كان خارج البلاد ومفطناش لتواريخ الوقائع اللي دسيناها له.

رد المستمعون استهزاءا:

تواريخ تواريخ ريخ ريخ

قال (احميدة) باللهجة الدارجة:

عارفك أصلي، وماقصرت والنبي ديرولنا حل امعاه انا الصخص هظياهي امدرهلي كبدي من دوتا وامشيتا يحساب روحه إلا (ولد الباشا) انا نبيله محضر اخر امتكم تتكيم اه.

انا منبيش يطلع اتصرف يا صقر موجها حديثه الي المحقق (هشام).

وأضاف:

تي هظا كيف الزئبق مايمتسكش بكل

رد الآخرون:

بوكل بوكل

فكر المحقق (هشام) قليلا ثم تحدث مع فرد أخر من أفراد المجموعة انه (صالح) أصغرهم سنا ويبدو أنه حديث العهد في العمل بهذا المخفر. قال المحقق (هشام) موجها الحديث الي (صالح):
 تره يا مزقليف التوكة عدي جيبلي من المكتب الأخر صندوق محاضر التحري والاشتباه ابتاع

عام 1999، تلقاه فوق الدولاب.

هم الصغير (صالح) متحمسا لتنفيذ الأوامر، لكنه توقف حين سمع بقية المجموعة تصيح:

تعال هنا يا ممتلص خوذ مفاتيح المكتب، شورك مازلت متعلمتش الشغل ههه، اسمع راه انردوك من وين ماجيت، يامستجد.

ثم تعالت قهقهات متناثر وتصفيق متداخل في ارجاء المخفر حتى وصلت مسامع القابعين في الزنزانة في أخر ممرات المخفر ذاك.

أحد المسجونين واسمه (مسعود) وجه الي (حسن) اتهاما صارخا فيه:

الموضوع شورك راهو والهرجة عليك بره راهي، اسمع اسمع الضحك اللي في غرفة التحقيق بره، انا عارف هالمكان اكويس، هيا شد ماجاك توا ايكسدوا عليك هالليلة، وواضح أن حظك زفت لان توكة الخميس أخطر توكة واللي ايجبوه ليلة الخميس نهار امه فيشطه، لان بكرة جمعة مافيش عمل، وحيرطبوك يومين علي الأقل قبل ماتمشي للنيابة.

وأضاف:

لكن خطرها عليش جابوك يابرنس؟

رد (حسن) بصوت ضعيف متهالك وواهن هذه المرة علي غير عادته:

موش عارف والله لكن اعتقد أنه في البحر كلب!!

وما أن أنهي (حسن) الجواب، حتى تعالت الضحكات والقهقهات الساخرة من طرف جميع من كان قابع في الزنزانة حينها.

وقفزوا جميعا ملاصقين لـ(حسن)، معتقدين أنهم قد وجدوا لقمة سائغة يشبعون بها نزواتهم القذرة، عندها أستشعر (حسن) بحجم الخطر من محاولة احتكاكهم به، فأنتفض بسرعة، موجها لكمة قوية لأكثرهم جرأة واقترابا منه، فتناثرت الدماء من أنف خصمه، وعلت الفوضى أرجاء الزنزانة المزدحمة، فتجمع أربعة من السجناء حول (حسن) وبدأوا يوجهون إليه عديد الركلات وسيلاً من الشتائم، حينها أيقن (حسن) أنه قد تورط أكثر، ففضل أن يتكور بجسمه تاركا لهم حرية الضرب والركل كما يشاءون ويشتهون.

وبينما هم مستمرون في ضربه وشتمه تذكر تلك اللكمة التي وجهها الي أحد فتيان الحي منذ خمسة عشرة عاماً وكيف تسبب في كسر أنف (احميدة) ابن مدرب لعبة التكواندو في النادي الرياضي القريب، حينها فقط أسعفته ذاكرته، ليتذكر كل شيء.

نعم هو نفسه الطائش المتهور (احميدة) وهو نفس الشخص المتواجد مع أفراد التحريات في غرفة التحقيق خارجاً.

توقف كل ما كان يدور في أرجاء المكان فور وصول أرجل أفراد المخفر والتي هرعت اليهم، بعد أن تعالت الأصوات المطالبة بتدخلهم، ليوقفوا الصراع الدائر داخل الزنزانة المكتظة بالسجناء!.

مقالات ذات علاقة

عـمـران

إبتسام عبدالمولى

قصص قصيرة جداً

إبراهيم الككلي

لا خيار

غالية الذرعاني

اترك تعليق