المقالة

في اختلاف النهارات

 

ما معنى نهار عادي؟.
أن تستيقظ من نومك مبكراً ومنزعجاً من فكرة مواجهة نهار آخر لك في عالم تضيق به ولا يقبلك؟.
أن تسحبَ بدنك من فراشك بضجر، وتعدَّ قهوة مُرّة وتواصل تسميم رئتيك بتدخين سجائرعلى الريق؟.
أن تقف في “البانيو” عارياً تحت مياه دش دافيء مفكراً في وسيلة مجدية للقضاء على ما تبقى من ساعات قادمة؟.
أن تجهّزَ إفطاركَ على عجل وتزدرده مكرهاً على عجل كدواء لابد منه؟.

أن ترتدي ملابسك وتهيم في الطرقات والشوارع كمتسول تدور من مقهى لمقهى تقرأ الجرائد وتراقبُ بعينين منطفئتين مللاً عباد الله يذرعون الأرصفة متجنبين رؤيتك، أو تكتفي مكرها ًبالبقاء في فراشك إلى أن تنفلق مرارتك من الضجر؟.
أن تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت لتعرف آخر ما استجد من تفاصيل الفساد والنهب والخراب والقتل والخطف في بلاد يفترض أن تكون وطناً لطفولتك وملاذاً لكهولتك؟.

كالجنرال “جارسيا ماركيث” المتقاعد توزع ساعات نهاراتك بالتساوي على الفراغ. لا أحد ممن عرفتَ وتعرف يكلفُ نفسه عناء كتابة رسالة من أسطر قليلة معتذراً لك فيها عن تقصيره في الكتابة إليك لكثرة انشغاله، ويسأل فيها بود عن أحوالك ويعبر لك برغبته في اللقاء بك قريبا ومشاركتك احتساء فنجان قهوة ثم يضعها في مظروف ويكتب عليها اسمك وعنوانك، ويلصق طابع بريد ويكلف نفسه عناء وضعها في البريد لكي يحملها لك “ساعي بريد” في صباح يوم عادي فيطير قلبك المسنّ فرحاً.

زمن الرسائل الورقية، واحسرتاه، مضى مأسوفاً عليه إلى غير رجعة، وجاء زمن آخر لا أحد يملك فيه ما يكفي من وقت وصبر ليكتب بخط يده رسالة ورقية، وما يحمله لك سعاة البريد هذه الأيام لا يمكن أن تسميها رسائل لكونها لاتستثيرك نفسياً وعاطفياً، ولعلمك مسبقاً أنها لا تتجاوز أن تكون تذكيراً بفواتير واجبة الدفع كأنها بضاعة مصنعة أعدت في جهاز حاسوب في خط إنتاج بمصنع من قبل أناس لا تعرفهم ولا تجمعك بهم أدنى الأواصر وفي مكان لا تعرفه ولا حاجة لك بمعرفته.

في زمن مضى، وقبل أن يتحول الكائن البشري إلى حيوان مفترس لاهمّ له إلا إشباع غرائزه، كانت الدنيا صغيرة جداً، وكان لدى أناسها ما يكفي من وقت وصبر ودفء مشاعر ورغبة في مد جسور الود فيما بينهم، كانت الرسائل الورقية المتبادلة بين الأحبة والأصدقاء تقطع المسافات الطويلة بين مدن العالم على مهل، وكان رجال البريد في كل بلدة ومدينة بملابسهم المميزة يذرعون الشوارع والطرقات حاملين حقائب ممتلئة بالرسائل يتنقلون من عنوان لعنوان حريصين على تسليم ما يحملون إلى أصحابها. وكنتَ أنتَ في مرحلة صعبة قليلاً عمرياً تجاوزتْ رعونة الصبا ولم تستقر بعد في وهج الشباب حريصاً على رصد ظهور ساعي البريد في شارعكم صباحاً، ومتمنياً على الله أن يكون لك نصيب في حمل حقيبته الجلدية السوداء، وتحبط كثيراً حين تراه لا يتوقف أمام بيتكم طارقاً بيده خشب بابه العتيق.

كان لك أصدقاء من عمرك أو أكبر قليلاً موزعين في مدن القاهرة ودمشق وبيروت وتونس والجزائر والمغرب لم تقابلهم ولم تر وجوههم إلا في الصور التي أرسلوها إليك مع أفراد أسرهم وأصدقائهم وكنت تعرف رسالة كل واحد منهم من خلال رؤية خط يده على المظروف المرسل إليك وكنتَ تحس بسعادة غامرة تحتوي قلبك الصغير وأنتَ تقرأ ما خطت أيادي أصدقائك من سطور محملة بطيب المشاعر والأحاسيس الإنسانية على الرغم من سذاجتها.
ما معنى نهار غير عادي؟.

أن تستيقظ صباحاً، لتجد نفسك في سريرك الفردي، في غرفتك البحرية الصغيرة في بيتكم بالظهرة، ويصلك مضمّخاً بالحنو، صوتُ أمكَ قادماً من الحجرة المجاورة يدعوك لمشاركتها تناول وجبة الإفطار.

_____________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

المؤتمر: بين الشرعية والتشريع

أحمد معيوف

وطن الغزلان

مأمون الزائدي

حقول الحرية

فاطمة غندور

اترك تعليق