قصة

فيما تحمل الأرحام

واليوم وبعد تسعة أشهر من زواجهما أجرت تحليلها التاسع وكانت النتيجة لأول مرة ايجابية، لم يسعها المختبر الذي استلمت فيه النتيجة ولا خارج المختبر ولا الفضاء ولا كل الدنيا، فعانقته من الفرحة في المختبر وأمام الناس، وضمها هو إليه بفرحة تجاوزت المختبر والناس.. ركضا في الشارع معاً ولعبا كالأطفال معاً وضحكا حتى الثمالة أيضاً معاً.. يا سبحان الله كأن مجرى الأيام قد علق وعاد اليوم ليجري من جديد، أو كأن قيمة العمر مرهونة فيما تحمل الأرحام.

لذلك لم يكن حديثه الليلة لها وهو مستلقي على ظهره بجوارها كحديثه في ليالٍ مضت بل كان مختلفاً وجديداً.

سألها… “هل تريدين أن نتعرف على نوع الجنين ذكر أو أنثى أم نتركه حتى ساعة الوضع..؟ “

فسألته…”كما تريد”

وسألها مرة أخرى…”هل تتمنين أن يكون ولداً أم بنتاً…؟ “

فأجابته…”وأنت…؟ “

وسألها مرة ثالثة…”كم طفل يكفينا…؟”

فسألته…”كم تعتقد أنت…؟”

فأجابها…”أنا أريد الأولى بنت والثاني ولد والثالث والرابع….! “

فمدت يدها لتحجب فمه عن الكلام وقالت له “أشـشــشـــــ أنت لن تخسر شيء..! بنت وولد والبركة يا رجل وين يبارك الله”

فسحب يدها من على فمه بهدوء وقال “إن شاء الله بعد البنت والولد …ولدين آخرين وبنت أخرى فقط وسأسمي أنا الأولى على جدتها “فاطمة” والثاني على جده “سالم” أما البقية سيكون لك حرية تسميتهم”

ثم أضاف: “إذ بعد أنجاب فاطمة بسنتين لابد أن ننتظر قدوم سالم إلى البيت، وسيأتي سالم مع فاطمة ويملآن علينا البيت والدنيا، وسيأتي بعد ذلك أخوهم الثالث ليزيد في البيت وفي الدنيا حياة جديدة..عندها إذا أردت أن نتوقف عن الإنجاب لفترة من الزمن، حتى يكبروا الثلاثة ويرتدوا أرقام أكبر من قبل ويأكلوا كميات أكبر من قبل، نتوقف.

فقاطعته قائلة…”وهل تريد بعد هذا كله أن نفكر من جديد في أطفال جدد…!؟ “

فأجابها …”نعم ولكن بعد أن يكبروا…!”

ثم صمت قليلاً قبل أن يواصل..كأنه كان ينتظر رداً منها أو كأنه سرح في حركة أصابعها  على جسده التي ربما تنم عن رضاً، لذلك لم يصمت أكثر بل أردف يقول لها:

“بعد أن يكبر أطفالنا الثلاثة ويدخلوا المدرسة سيكون انتظارنا لقدوم الطفل الرابع من أروع ما يكون، لأننا تعودنا على وجود طفل رضيع بيننا.. لن نستطيع أن نصمد أمام وحشة المكان والأطفال جميعهم في المدرسة.. لن نستطيع دون زعيق ورائحة وضحكة طفل رضيع، ولذلك سنطلبه وسيأتي لا محالة وينام بيننا ويجلس بيننا ثم يزحف بيننا ثم يقف بيننا وحين يجري، سيكون لزاماً علينا أن نأتي له بمن يلعب معه في البيت، عندها يكون عدد أطفالنا خمسة، ونكتفي بهم عن كل الناس وكل الدنيا، ويكتفون هم أيضاً بنا، وعندها يا عزيزتي سيكون الشيب قد صار يتسلل إلينا دون أن ندري، بل دون أن نراه حتى ونحن نقف أمام المرآة، ربما لأننا أكتفينا بالخمسة حتى عن أنفسنا فأنسونا أنفسنا، يومها لن ندخل غرفة النوم متى نشاء كما كنا نفعل، بل سنتسلل إليها خلسةً عنهم كأن ما نفعله فيها حرام، وعندها ورغم وجود اللون الوردي في الغرفة، على الجدران والأثاث والمفارش وفي كل مكان في الغرفة، لكننا لن نراه لأننا لا نرى في البيت سوى هؤلاء الخمسة، وسنحرم أنفسنا من كل شيء لكي نسعدهم، حتى اللقمة التي نراها تملأ أفواههم تكون ألذ علينا من تلك التي في أفواهنا”.

فقاطعته قائلة “ولكن…!” ثم صمتت ولم تكمل…

انتظرها قليلاً وحين طالت السكوت عاد ليكمل هو حديثه ويقول لها:

“سنحلم معاً من منهم سيكون الطبيب ومن منهم سيكون المهندس ومن منهم سيكون الكابتن ومن هي (الأبلة) والمحامية، ويوم يأتي خطيب لفاطمة وهي لازالت في العشرين من عمرها، ستقولين لي لا لا إنها صغيرة لا أريد أن أعطي أبنتي وهي صغيرة لم يحل عليها الزواج بعد، يومها أنا أيضاً سأتردد في زواجها لكنني في النهاية سأزوجها لأنني أخشى عليها من موت اسمه العنس، وستبكي أنت وسأبكي حتى أنا ليلة زفافها، ونشعر أننا فقدنا شيئاً عزيزاً علينا وجميلاً كان معنا، ونعزي أنفسنا بأنها سُنة الحياة، ويكبر سالم وتكبر مساحة صوته ويكبر الشعر في وجهه ويفوح العرق منه ويغدوا سالم شغلنا الشاغل، فنفكر كيف نزوجه ومن نزوجه ومتى نزوجه، إلى أن نقرر أن يكون ذلك في الصيف القادم، ويتزوج تلك الفتاة التي أختارها وأحبها كما أحببتك أنا وربما أكثر، ويغادر سالم البيت ويسافر خارج البلاد، ومع نهاية كل مكالمة هاتفية يدقها لنا من الخارج، تسهم عيناك في الفراغ حيناً ويسحّان دمعتان مالحتان”

 ثم صمت فجأةً وبهدوء التفت نحوها ليتأكد بعد أن سمعها ترشف رشح أنفها، وعاد ليواصل حديثه قائلاً لها:

“وبسهولة تتخلف الأيام والأشهر والسنين من تحت أقدامنا، وتخلف معها في الوجه خطوط وفي الشعر بياض وفي العظام وهن وفي الحماس فثور، وتخلف أيضاً في البيت فراغ أكبر بعد أن يتزوج منهم من يتزوج”

 وفجأةً مرة أخرى توقف عن الحديث بعد أن سمع أو كأنه سمع نشيج خافت، فالتفت نحوها بهدوء ليتأكد ثم عاد ليواصل قائلاً:

“وهكذا يتزوج من كانوا يوماً في البيت أطفالاً، ونزفهم من البيت بالزغاريد ونودعهم الواحد تلو الآخر ويفرون بعيداً عنا كالطيور، وسأقترح عليك عندئذ أن نسعى إلى إغراء أصغرهم بالبقاء معنا بقية العمر، وأقول لك أننا لن نفلح في ذلك إن لم نزوجه من بنت عمه”

وتوقف عن الحديث مرة ثالثة للحظات والتفت نحوها بعد زاد نشيجها وعاد من جديد ليواصل لكنها قاطعته “أسكت بالله عليك”.

لم يسكت بل واصل حديثه دون توقف حتى النهاية هذه المرة:

“سندعو أصغر أولادنا لزواج من بنت عمه وسيقبل ويتزوج ونفرح لأننا نجحنا في ذلك، حينها أكون أنا قد تجاوزت السبعين وتجاوزت أنت الستين ولم يبقى من أطفالنا الخمسة من هو قريب منا سوى أصغرهم، الذي لن يطول به الوقت حتى يصبح يتحفز للخروج من حياتنا إلى حياته، وحين نشعر بذلك ونشعر أننا صرنا عبئاً عليه، نأذن له بالخروج فيفر هو الآخر ونبق أنا وأنت والله ثالثنا، كأول يوم أو أول عام تزوجتك فيه، عندها سننتظر يوم الجمعة ليزورنا فيه منهم من يزورنا.. سننتظر الجمعة كانتظار الأطفال ونعد بعد الجمعة الأيام على أصابع اليد كالأطفال..السبت والأحد..و..و…والخميس وليلتها لن ننام لأنهم سيأتون لزيارتنا، وتتكرر زياراتهم وتتكرر ولن نملها بل نزداد شوقاً لها، ومع مرور كل عام يأتون ومعهم أطفال جدد منهم من يشبهك ومنهم من يشبهني”.

وقبل أن يختم كلامه استدار نحوها بكل طوله وعلى جنبه الأيمن، غنى لها أغنية فرنسية قديمة تقول كلماتها

 “..هل تعرفين كيف يكون الحب بعد الستين.

هل تعرفين كيف تكون الحياة بعد أن يكبر أولادنا ويذهبون.

سوف تغزلين الصوف وأبقى إلى جوارك أمسك بالخيوط.

وأحدثك عن أيام مازالت ذكراها معي…”

سمنو: 3\10\2008

مقالات ذات علاقة

قصص قصيرة جداً

إبراهيم الككلي

رسالة من الصحراء

المشرف العام

الساعة الحائطية

إبراهيم دنقو

اترك تعليق