النقد

فى الأدب الليبى المعاصر:


شعراء يستحمون بجسد الشعر وساردون يلتهمون شهَد الكلمة

زيـد الـشـهـيـد / العراق

عُرفَ عن الأمم أنها تبنى تاريخها اعتماداً على ثقافتها المتشيدة من مهج وإبداعات وتطلعات مثقفيها… والتاريخ لا يحفظ فى ذاكرته الراحلة غوراً غير الانعطافات التى ترسمها توهجات الأبناء العائمين فى بحور المعرفة التى لا تعرف الانتهاء.

الثقافة فى عرفها الإنسانى تتوق إلى تواصلها مع الثقافات التى توازيها، وتسعى إلى تقارب النفوس التى تبغى رسم صيرورتها وتؤطر كياناتها لكى يكون مجرى هذه الانسانية فى دفقٍ واحد يضم هياجات البشرية ويعرض صدى تحولاتها ويفتح آفاق السعى نحو تواصلاتها التى لا ترتضى السكون، ولا تتقبل أيقونة الصمت. بل تبنى إرثها اليومى والغدى اعتماداً على تنامى ابداعاتها وخلق ابنائها. والادب الليبى شأنه شأن الثقافات الأخرى فى المضمار الأدبى ينحو صوب السعة الثقافية التى تلفت الانتباه وتشير إلى أسماء لجيل شرع يتكينن ليغدو ظاهرة ثقافية تثبت فاعليتها فى الوسط الثقافى العربى ليتواصل مع الماضى التليد للثقافات المتوارثة… من هنا صار الأديب الليبى يمد أذرع إبداعه إلى متنوع الآفاق، وصارت أسماء مبدعيه تتلاحق لتأخذ حصةً كبيرة من الشساعة المعرفية سواء على مستوى السرد أو الخلق الشعري، وصرنا كقراء متلقين نعيش مفتتح القرن الواحد والعشرين نتابع المشوار الليبى بعموم طاقته الجيلية. وإذا كانت الأسماء السبعينية من القرن الماضى وما قبلها قد أخذت حصتها من الباع الإعلامى فإن الأجيال اللاحقة استطاعت هى الأخرى وبحفرٍ على الصوان والنحت على الحجر أن تبرز لتقول صوتها المتميز.

الرحيل الشعرى.. الهيمنة على الساحة

فى مضمار جلوسنا فى مقاهى الأدب الليبى المنتشرة على قارعة طرق الشوارع الثقافية وتحرينا على المبدعين الحاملين لشارات الإبداع الأدبى تبين لنا أن الوسط الثقافى الليبى لا يشذ عن الأوساط الثقافية العربية فى بوحه واتخاذه الجنس الذى يريد. إذ الشعر سيد الساحة، وهو المهيمن بانفراد تاركاً مساحات محدودة للأجناس الأخرى التى ترفع لواء القصة والرواية والنقد؛ معتمداً على الإرث العربى من الشعر ومنحدراً من أعماق القرون التى كانت تجاهر بأن “الشعر ديوان العرب” وتاريخه وصورته وهويته إذْ يجرى من خلال هذا الشعر معرفة طبيعة الحياة العربية ومتعلقاتها السلوكية وحالتها الاجتماعية وما لها من مشرب ومأكل وملبس وحركة وتوقف ومحاورة وتبادل أفكار.

وبمدخلنا الأصولى من باب تاريخ الشعر المنتشر على قرون طويلة ومسارنا مع المهيمن منه زمنياً وأقصد به الشعر العمودى فى زمن تواربت أبواب على أنماط جديدة للشعر وتداخلت تجارب جاءت من اصقاع مختلقة من الذائقات والخلق فكان الحر منه وقصيدة النثر اللذان شرعا يزاحمان هذا الامتثال العمودى رغم لن الحر منه شرع يذوى ويذبل عوده ويهجره الشعراء.

وفى الساحة الشعرية الليبية العمودية يتحرك الشاعر صلاح الدين غزال بقوة وبجموح يعتمد الثقة فلا تأخذه فى العمودى لومة مُحدثٍ أو نزق شاعر غر ف. هو ينحاز صوب البحور الشعرية الفراهيدية كليّاً وينأى بتوجهه عن الحداثة التى تتوازى بهويتها مع هوية الشعر الحر وقصيدة النثر. والأخيران التهما عقوداً عديدة من عمر الشعر العربى ابتدأت من العقد الرابع للقرن الماضى دخولاً إلى القرن الواحد العشرين فتترجل قصيدة النثر طاردة الشعر الحر على ساحة ثقافية خصبة تمسك رايتها وصولجانها أجيال الشباب التى تنظر إلى حركة التاريخ المتسارعة وتعكسها مرآة الشعوب التى تتواصل بسرعة برقية عبر شبكة الاتصالات العالمية.. صلاح الدين غزال إذاً يدخل عصر الاتصالات النيزكية برداء الزخرف العربى القديم وهيكلية الشرق التى ترى إلى إرثها بعين التقديس فتناهض الذى يمسه، وتقف بعناد بوجه الذى يجافيه.. صلاح الدين يدخل حومة الغزل بتناص مع “جميل بثينة” وميدان المعركة بشجاعة عنترة، ومسوح التقى مع زهير بن أبى سلمي، ودروب النبوغ مع النابغة الذبياني، ودهاق الكؤوس والخمريات مع الأعشي، وفيوض الحماسة مع عمرو بن كلثوم.. وفى قوة عنفوانه يسوق الكلمة ويتساوق معها ليعرض قوة بأسه ومقدرته فى الخطوب جميعاً ومنها خطوب الشعر التى هى معركة فى عالم يُقتحم بهجمة كتابية شعرية تندفع عبر مواقع البث الانترنيتية:

أَنَا العَنِيـدُ فَمَنْـذَا اليَـوْمَ يَجْهَلُنِـي

فَلْتَسْأَلُوا الخَطْبَ وَالإِفْحَامَ عَنْ بَأْسِي

كَمْ خُضْتُ حَرْبـاً وَكَمْ جُشِّمْتُ مَذْبَحَةً

وَكَـمْ شَرِبْتُ دِمَـاءً دُونَمَـا كَـأْسِ

وفى تصويره لحالة السرمد الذى يسعى البشرى لنيله وحيازته بعد مماته كأملٍ مبتغى يشير الغزال إلى أن هذا السرمد العصى المنال لا يحوزه المستسهل والقادم من آفاق البساطة والحياة المارة على سهوب الاعتياد، إنما من خوض الأهوال ومواجهة المواقف العسيرة التى تحاج إلى مهج تحمل جيوش القلوب الصابرة الصلدة؛ والدماء عربون وحبر لنيل الخلود وليس الجلوس على مصاطب الانتظار لعل الله يمر فينتشله برحمته. فالانتظار موت وهويته الصمت، والرهص حياة وهويتها الهياج والموار والتحرك بلا نأمة سكون أو عثرة خمول:

كم دمٍ قد سال فى الأرض وكم

مهجةٌ قد هزّها نزعٌ شديدْ

إنّما الموتُ هو الصمت هُنا

وحياةُ الخُلد تؤتى للعنيدْ

وفى إبداعات قصيدة النثر وتوجهها صوب ذائقات الأجيال الشبابية التى تريد أن تنفتح على عوالم جديدة استطاع العديد منهم من إقامة صرح لهذا النوع من الإنتاج الشهرى على الساحة الأدبية الليبية وتمكنوا من أن يقولوا ما يثير الاهتمام ويجعلوا العين الفاحصة تتحرى أعمالهم وتسعى من أجل ان تكتشف فيها عظم الهياج الذى يمور فى الدواخل. ولقد قرأت نصوصاً كثيرة للشاعر عبد الوهاب قرينقو فاكتشفت أن ما يكتبه يُعد من التدوينات التى تلفت الانتباه. فهذا الشاعر يتخذ خطى بودلير فى تعاطيه مع المفردة وتماهيه مع ما تنضحه، كما أنه يعطى رسماً للنص بشكل يريد فيه الخروج عن بدايات الأسطر المتبعة مستعيناً برسم الفراغات ومستخدماً الفوارز والنقاط كمتممات لوجود المفردة فى السطر المستخدم. وهو الذى يجعل الشعر وسيطاً لتحاوره مع الاشياء: المطر/الفراشة/الشباك/العشب/التجلي/البكاء اصفراراً/الكتاب مطراً. ففى نصٍّ له يحمل شعار “ولادة قطرة” حيث العنوان ممهِّد لصورة سردية تتقاطر من اسطر النص فحوى حكاية يلفّها الدهش وتعطرها الحيرة؛ فثمة الترادف فى النص بين العصفورة والشعر/العشب وغرفة الذاكرة /الكتاب والطاولة، والمفردات المتراقصة بين النقاط والفوارز وانسنة الاشياء بحوارية سردية تنتهى إلى قصيدة تمّيز شاعراً كعبد الوهاب قرينقو وتجعل له صوتاً خَلقياً يمنحه هوية الشعر بامتياز:

ولادة قطرة
عصفورةٌ تدق على شفافية الزجاج،
فيُشّرع الشعرُ نافذته على حديقة التجلِّي،
… ولكن عقارب الحديقة تدُبُّ على العشب..
يتطاير الفراشُ فزَعاً
فتدخل واحدةٌ إلى غرفة الذاكرة
وتُقبَلُ كلاجئة.

الكتابُ
يبكى اصفراراً
فيقفز إلى سطح الطاولة،
غلافه الثقيل ينفتح إلى اليمين
فتتراشقُ صفحاتهُ الداخليةُ
ببطءٍ تُفتحُ أيضاً إلى اليمين
…………. هل الهواءُ يقرأ ؟
ماهذا الهراء ؟ !

…… اللعنة !
من فتح زجاج النافذة ؟
نسيمٌ غيرُ عليلٍ
يُطّرِزُ على منديلِ الليل برقاً
ليندلقَ ماءُ الكتابِ مطراً
فتبتلُ الفراشة وتُصابُ بالزكام،
… ولكن
إحدى عقارب الحديقة
تناولهُا منديلاً مبتلاً
ما كادت أن تُلامسَهُ
حتى صعقها التيار..
……… يا إلهى ! !
كيف هَطَلَ الغيثُ داخلَ غرفتي؟.

وفى دخولنا إلى عوالم رامز النويصرى الخالق الذى له قلمه الإبداعى فى مجال النقد والحضور المهم فى الأدب الليبى نستطيع وبسهولة أن نتحسس صدى موهبته المتعددة المناحى والتى منها عرض بضاعة القلب بسلال الشعر فنتلقى نحن القراء نتاجه الشعرى بتملٍّ وئيد. فرامز شاعر له استخدامته الصورية الشعرية التى تقدمه مبدعاً وقراءاته النقدية التى لها تميزها “إضافة إلى إدارة موقع الكترونى مؤكداً يأخذ منه الجهد والوقت.”. وهاتان الصفتان “النقد والشعر” انّما تجمع شخصية أدبية متميزة لها حفرها الواضح والراسخ على جدار الإبداع الثقافى الليبي. وفى مجموعته “مباهج السيدة نون” يغدو الشعر احتفالية كبيرة مرةً بموهبة شاعر له قدرة جمع الوطن ليبيا بمنعطف كبير من منعطفات القلب ومرات بعشقه الفاضح لطرابلس وغنجها الذى تكايد به انفتاح البحر. وطرابلس حكاية طويلة تبدأ بالشوارع وتفصيلاتها مروراً بالبضائع وعارضيها وبائعيها ومستعرضيها/بفتياتها الرافلات على بهاء الزرقة المناغية لهن على مرمى نظر، ولا تنتهى إلا والبحر فى غيضٍ من أنه لم ينل منها الكثير فيما السفن والمغادرون محملين بالعبيد والزيت والصور الخزينة فى الذاكرة النارية التى لا تريد النأى عن خطى المدينة ولا تعبأ بالشاعر الذى يريد أن يدون بواعث هياج عشقى لانثناءاتها بقلم الشوق الذى يفقده بسبب الشده الذى يتلبسه فلا يستعين إلا بواخز القلب الذى يترك له الجراح العصية على الشفاء:

جافة مساءات طرابلس،
ومليئة بالخطيئة
شوارعك.
تعلك الشعر غانية بشرفة الرشيد
كثيرون يمرون
وغير عابئ بفراغ الأحلام المفترشة
إذ تنال منى العيون
وأعرف أنك لا تملين الإعادة مثلي
هى عادتك،
ما غادرت بعد سفنهم
سيحملون العبيد
وزيتك الأخضر، سيغادرون
عن فتياتهم
وسنحمل الخطيئة إلى فراشنا، صباحاً
هناك مغادرون جدد
والكثير من البقايا الذى يمجها المالح
فتعيدين اجترارها غصباً
وبذا.. تبدأ القصة من جديد.
فى الركن الشرقي، تسكن حبيبتي
فى الركن الغربي، تسكن حبيبتي
فى المنتصف،
حيث المحور لا يحدده إلا قمر متخم بالأرقام
أكون،
أعاندها كى تفيق،
فتطلق صبيانها
فلا أهرب، وأبيعهم بعض الكلام
والحلم، والورق
وأبحث فى جيبى عن قلم
فأدرك أنه رافق آخر المغادرين
فأنزع دبوس قلبي
وأصنع خنصرك محبرةْ
وأدعوهم.
وغير عابئ بفراغ الأحلام المفترشة
إذ تنال منى العيون
وأعرف أنك لا.

ويتمثل الغزل المائى الشفيف ويتبارى فى حوارية صامتة أو هى أقرب إلى متوالية الهمس. هذه الحوارية التى تتلّقى من اللغةِ رغبتها فى الانسكاب على الورق من دورق الروح المعتلجه بالوله.. غزل كهذا هو الذى نُعدّه اليوم متلائماً ومتوائما مع طبيعة الغزل التى تختلف عن الصراخ الكاذب فى حومة اللوعة المفتعلة. إن صلاح عجينة ينعطف بنا فى هكذا نص عن جادّة البوح المعتادة ليدخلنا إلى رياض ٍمنسرح مفتوح، يعانق فيه الكلمة بعناق اللذاذة المنسابة الهادئة كما هى نسمة البحر لحظة استرخائه لا ساعة مجونه. وهو يوظف الكلمة الرخية ليحيك منها قصيدة غزل عذب تتوافق والغزل المعاصر رغم أنه يتناول ما تناول الآخرون فى وصف العيون والخدود والشفاه التى تتوازى وفعل اللثم وتحقيق إثم القبل كتحقيق لصناعة الحب التى لا يجيدها كائن مَن يكون معتمدًا فى توصيفه وسرده على نغمة خبيئة من روحية الموشح الاندلسى حيث تعطّر فضاءات المفردات وهى تتشكل فى عِقد شعرى يبث فوضى سهامه الضوئية على صدر الذائقة القرائية للمطالع الذى سينتشى وهو يمر جوّالاً فى دروب النص.

ذات مـرة
والفجر، إذا طالعك استتر
يا أنت عنوانها أنا
زمانك قد صيغ من مهجتى
وابتهل..
وشغبى بوسائد الزهو قد ارتسم..
عيناك بطاقتان
من تنكر إليهما أحسبه خبل..
وقدك الممشوق
إن داعبته العيون زعل
وثغرك شتيت حلو
جمرة الفتنة إذا ابتسم
وخداك الأسيلان
طموح النسيم حوارهما.
والفجر.. إذا طالعك استتر
يا زهرة ريحانها فى خيالى يفوح
أقولك
فى زمن لثامه أنتِ
بسركِ مجذوب أنا.

وفى حالة رسم الخطى وفرز الهوية وتشكّل المنحى فى المضمار الشعرى يتحرك الشاعر الشاب محمد مسعود القذافى فى تدوينات شعرية قد يطالعها المتلقى فيظنها مفككة غير مترابطة فيعيب على الشاعر هذا البناء الصيرورى غير المألوف لشعر يجافيه الكثيرون، لكن أيضاً يتمتع به الاخرون… نصوص محمد مسعود آتية من أرخبيلات عقله الباطن، فتتناثر ببراءتها، هى الهاربة من ذلك الرواق. وأظن انه لا يتلاعب بالمفردة ولا بالصورة وهو يقدمها إلى النشر لأنّه يفضلها هي، هى كما ولدتِ من رحم الحلو اليقظوى الذى يعيشه أو من تداعيات الواقع الذى يتعامل مع مفرداته… لذلك، انا أقرأ نصوص محمد مسعود أكبر فيه شجاعته بتقديمه النص بلا خشية من أن تطاله يد النقد أو تلوكه أفواه الامتعاض.. هكذا فعل رامبو!.. رامبو كان خارجاً عن أطر الخشية من الآخرين، ولا منصتاً لتعليقاتهم التى لو أنصت لها لأعادته إلى التيار المألوف الذى حتما سيضيع فى اجتراراته. إن نص “عصا الراعي” لهو من النصوص المتميزة التى تؤرخ لولادة شاعر سيرتقى صومعة الشعر بصولجان الإبداع المميز والذى يُشار له على أنّه خالق جديد بحداثة ترسم له مساراً وللأدب الليبى منعطفاً. ان ما نقرأ فى نص محمد مسعود يعيدنا بالرؤية التناصية إلى أشعار سان جون بيرٍس الشاعر الفرنسى الحائز على جائزة “نوبل” للعام 1960 ورائعته “أنا باز” مع أنى على درجة أقرب من اليقين أن محمد مسعود قد لا يكون يعرف بيرس أو لا يكون قد لفت انتباهه من قبل. وهو فى نصه هذا يتحاور مع ذات الشاعر التى تريد أن ترى كل شيء وتحوز كل شيء مع أن المنال عسير وليس بالامكان حيازة ما يريد الشاعر وتحقيق كل ما رسمه وتّمناه. كما يعرض ان ما ينزفه الشاعر من تضحيات قد يبنى جداراً لكنه لا يستطيع لأن يصنع عالماً متكاملاً ومدناً متخيلة تتمثل برفّة رمش.

اترك عصا الراعي
أيها المهذب..
كف عن الدوران
عن الخروج الأعمى من الحلم.
اترك عصاك..تهش بها قطيعا
من أطفال.
تقطع وعدا مبجل
لا يتحقق إلا بصعود مأساتك.
تنسج عباءتك بشعب من يقين.
تصل خيط شمس بآخر من وهم جميل.
كلما انتشيت..منحتك الظهور صحرائها..
فأدميتها أحلاما.
فلتهدى وردة لزمنك الذى لم يشهدك من
رحمه تولد.
لا شيء يعدك فأنت
خارج النهاية….
لا وهم يسندك
لا لون يواريك.
فطاقية الإخفاء ليس هى
ما تحتاج…بل خوذة تحميك.
مرآتك اختلفت
وصاغك الاختلاف سؤالا زئبقيا
يا ابن المطلق.

الجهد السردى.. إثبات وجود لحركة وئيدة

ففى الخطاب السردى حيث يتنامى الفعل فى صورة الخلق المحكى يمكن الاشارة اليوم إلى محمد الأصفر كطاقة إبداعية شكَّل ظاهرة النزق الروائى على الساحة الخطابية السردية، تفجَّر إبداعاً، وتواصل كتابةً فبات يشار له بالبنان ويثير زوبعة التناقض فى الآراء فيما اذا كانت طريقته الكتابية تتوافق ومسار الخطاب السردى المعروف أم تنفيه هو الذى جاء متأخراً فى طرح مشروعه الروائى فأحسن وأتقن، ونهض فانتصب، وتخلص من إخفاقات التجربة الشبابية التى يصاحبها عادة التعثر وقلة التجربة؛ فأصدر رواياته العديدة “المداسة، ومذاق الصبر والشرمولة، ويانا علي” وقصصه القصيرة التى تمثله هو وحده. واستطاع بجهده الذاتى قافزاً من على شتى معوقات النشر والإصدار ليطرح مشروعه الروائى بكل جدية.

وجاء معه بعض من مجايليه عبد الله الغزال مقدماً روايته “التابوت” هذه التى فازت بجائزة الشارقة للعام 2004، ثم أحمد الفيتورى الذى يمارس النقد كحرفة متقدمة على بقية الاجناس الادبية لكنه يقدم روايته “سريب” وعاشور الطويبى وهو شاعر وأيضاً يخوض فى تجربة القص برواية “دردانين” ونجوى بن شتوان وهى تسعى لاثبات جدوى المرأة فى لا اختلافيتها مع الرجل فترشق الادب الليبى برواية “وبر الاحصنة” وتجيد فى طرحها، وسليمان زيدان فى رواية “أزرار”، وقبلهم كان احمد الفقيه وإبراهيم الكونى وخليفة حسين مصطفى ومحمد عقيلة العمامي.

وفى النصوص السردية القصصية جاء محمد زيدان ليشكل بنصوصه التى أخذت لها حيزاً مكيناً، مثبتاً أن له صوته الذى يتوازى مع الأصوات القصصية الناجحة والمثيرة للانتباه، كذلك أحمد يوسف عقيلة حيث البحث الريفى والعيش اليومى بالتفاصيل التى تشكّل ملمحاً وصفياً وسردياً لحياة تبقى فى حاجة لسبر غورها والدخول فى ماهياتها وأحاجيها. ولا نذهب بعيداً عن السرد الشبابى فنرى إلى القاص عوض الشاعرى وهو يتكئ على ثقافة ذاتية جمعها من قراءاته الكثيرة وهو لمّا يزل شابّاً تمتد أمامه فراسخ الثقافة وتجارب الكتّاب الكبار. ولقد قرأت له عديد النصوص فأعجبت به وبطاقته الإبداعية التى تبشر بسارد ليبى سيكون له الصوت العالى والواضح فى مسار الجهد العربى السردي. كذلك القاص محمد العريشية حيث يتابع نشر نصوصه عبر الصحافة ومواقع الانترنيت، وليس بعيداً عنه القاص حسين بن قرين الذى بدأ جهده الأدبى بنصوص آثر أن تكون بطيئة الظهور فهو يخشى الارتداد من عصفة نقد تأتيه من هذا الاتجاه أو ذاك فتراه يقل فى نشره ويستفيد من التجارب التى يطالعها فى مضمار مطالعاته اليومية.

مقالات ذات علاقة

المقهور.. انعطاف في كتابة فن القصة القصيرة

عبدالسلام الفقهي

رجـفـة الاشـعـاع

المشرف العام

قراءة سيميائية في لوحة الفنان عدنان معيتيق

أمينة هدريز

اترك تعليق