قصة

فورة 17 فبراير

من رسوم_مرج المصراتي

ما إن دخل الفصل حتى وقف الجميع، فابتدرهم بابتسامة كبيرة:

ـ صباح الخير يا أولاد، صباح الخير يا بنات.

ـ صباح الخير يا أستاذنا العزيز.

ـ ما شاء الله ما شاء الله، مصحصحين اليوم، ولاّ عشان سبت بس؟

ضج الفصل بالضحك، فقال هو مستطرداً:

ـ ناولوني الواجب المدرسي يا شاطرين، يله.

فوجئ بالوجوم يرتسم على وجوه الكل، والحيرة تبدو في الحركات العشوائية التي ندّت عن البعض.

حك أحدهم رأسه بالقلم، تظاهر آخر بالتشاغل بالبحث في حقيبته، وثالثة تنظر صوب رفيقتها بالمقعد، كأنها تستمد منها شجاعة ما، في حين راح ولد بالمقدمة، يربط خيوط حذاءه المربوط بإحكام.

ـ هل كان الواجب صعباً لهذه الدرجة؟

ـ ………

ـ تكلموا، هل كان صعباً لهذه الدرجة؟

وعندما لم يرد أحد، هتف بقوة وهو يطرق بيده على الطاولة:

ـ هل أتحدث مع الحائط، قلت لكم هل كان الواجب صعباً لهذه الدرجة؟ تكلم أنت يا مصطفى، هيا.

ـ ولماذا أنا بالذات يا استاذ؟

ـ ماذا؟ كلكم مطالبون بالواجب المدرسي يا مصطفى.

ـ ……..

ـ تكلم، هل أديت ما طلبته منك الاسبوع الماضي؟

ـ كان صعباً للغاية ما كلفتنا به يا أستاذ.

ـ سبحان الله، وهل أسهل وأجمل من هكذا عنوان، لتكتبوا تحته 50 كلمة فقط كموضوع للإنشاء؟

قالها ونظر إلى السبورة، يبحث عن طبشور، التفت يميناً ويساراً، لكنه انتبه إلى أن عنوان الواجب ما يزال موجوداً.

قال مؤنباً:

ـ العنوان كما تركته على السبورة يوم الخميس الماضي، لم يتغير، ولم يمحه أحد.

ـ ………

صاح بضجر بعد أن سأم منهم:

ـ افتحوا كراساتكم جميعاً على صفحة الواجب، وضعوها جميعاً على الطاولة هيا.

بتثاقل وخوف تحرك الأولاد والبنات، يضعون الكراسات تباعاً، فجلس هو إلى طاولته يتصفحها واحداً واحداً.

ـ الكراس الأول، عبد الباسط، لنرى ماذا كتبت.

شُحب عبد الباسط، وهو يسمع المعلم يقرأ ما كتب بصوت عالٍ.

ـ كان في مدينتنا محلات الفاتح من سبتمبر للكبدة والفلافل، أحذيه الفاتح، مصنع الفاتح للألبسة النسائية، جزيرة دوران الفاتح، الفاتح للإلكترونيات، صحيفة الجماهيرية، ثم صارت: محلات 17 فبراير للكبدة والفلافل، أحذية فبراير، مصنع فبراير للألبسة النسائية، جزيرة دوران فبراير، فبراير للإلكترونيات، صحيفة فبراير.

تطلّع فيه المعلم بقلق شديد، ثم التفت للكراسة الثانية.

ـ ابتسام، لنرى ما كتبتِ هنا.

عمي الحاج عبد القادر، كان صديقاً لزوج عمة ابن أخت خادمة صفية فركاش بالرضاعة، والتي توفيت من 14 سنة، قُتل الاسبوع المنصرم ووجدت جثته مشوهة وملقاة على الطريق، لأنه من أزلام الطاغية.

أزاح المعلم كراس ابتسام جانباً، والتقط بحنق وضيق بالغين كراس منصور.

ـ جارنا عصام، الذي قضى 8 سنوات بغوانتانامو، والذي كان يردد دائماً، أن القرآن لم يُثبت أن الأرض كروية، وأن أحداً لا يمكنه النفاذ من الأرض ليهبط على القمر ولا على المريخ، وأن الأفلام التي تبثها أميركا لوكالة ناسا عن الفضاء، ما هي إلا أفلام مختلقة، الهدف منها ضرب الإسلام ورميه بالتخلف، خرج من السجن يوم 22 أغسطس رمضان 2011، يمتشق اليوم سلاحه، ويمنع نساء الحي من الخروج بلا حجاب.

قلّب المعلم كراسات الواجب أمامه بعشوائية، وانتزع واحدا من المنتصف، وفتحه ناظراً إلى مريم.

ـ كلما أردنا زيارة أخوالي خارج المدينة، تفتشنا كل بوابة نمر بها، ويكون علينا كي نمر بسلام، أن نعلن خجلنا جميعاً من حمل اسم عائلتنا، والمدينة التي نحمل لقبها، ونعلن براءتنا منها ومما فعل أهلها، رغم أن أبي وجدي ولدا خارجها.

انتزع المعلم كراساً آخر كان لعبد الله، الذي يجلس قبالته تماما، وعندما نظر إليه، انكمش الولد على نفسه للفور.

ـ لنرى ماذا كتبت أنت أيضاً.

يردد أبي كلما شاهد بعض الثوار يجوبون الشوارع، حاملين الأسلحة وعلم الاستقلال: فبرايرين ادفنقي زايد،،،،،،، كاسكوات أحرف مالقايد*.

رمى بالكراس جانباً، وهب واقفاً يزعق في الجميع أمامه:

ـ ما هذا الهراء الذي رأيته بكراساتكم؟ طلبت منكم كتابة 50 كلمة فقط عن ثورة 17 فبراير، أيعقل أن تكتبوا كل هذا عن الثورة التي حررت البلاد من الطاغية…….

لكنه قطع عبارته بغتة، عندما لمح الجميع يهزون رؤوسهم بقوة، وكأنهم يدفعون عن أنفسهم تهمه ما.

ـ ماذا، لماذا تهزون رؤوسكم هكذا كالبلهاء؟

تكلم الجميع تقريبا وهم يشيرون للسبورة من خلفه فلم يفهم شيئاً.

ـ ماذا، ما بكم، لا تتكلموا جميعاً، أنت هنا قل ماذا هناك؟

ـ أنت لم تطلب منا أن نكتب شيئاً عن ثورة 17 فبراير يا أستاذ، أبداً.

ـ ماذا؟

قالها بتوبيخ شديد واستنكار، وهو يتراجع مشيراً للسبورة قائلاً:

ـ انظروا جميعاً العنوان لم يُمحَ بعد….

لكنه سكت مبهوتاً، كان العنوان مكتوباً بخطه الأنيق وسط اللوح: اكتب 50 كلمة عن فورة 17 فبراير.

وفاء البوعيسي

———————————

* الأغنية الواردة بنهاية القصة، أرسلها أحد الأصدقاء لي مؤخراً، ولا أعرف مؤلفاً لها غير الواقع الذي يشاهده الليبيون عياناً.

مقالات ذات علاقة

إرهاصات الموت

الثور

أحمد يوسف عقيلة

الْمنْجَل

أحمد يوسف عقيلة

تعليق واحد

ناجي الككلي 23 مارس, 2013 at 17:15

قالوا قديما ان اسوء انواع الثورات ما كان محركها الجهل لا العلم والجوع لا الوعي نحن شعب ثار لكنه للاسف كان محرك ثورته الظلم الجارف والقهر بالاضافه طبعا الي الجهل

رد

اترك تعليق