طيوب النص

فن المقامة: مقامات الورد

المقامة الوردية في ذكر الصبا والطّللية

من أعمال التشكيلي العراقي سعد علي

عندما عرض عليه الحديث وأراد أن يستجمع شيئا من الكلمات التي يتوكأ عليها في المهمات الصعبة؛ أنصتَ جيدا ولم يقاطع المتحدث الذي ازداد حدة مع كل موقف.

قال الراوي: حدثنا سعيد بن مسعود في ليلة لا هي شاتية ولا هي صائفة بين بين .. إذ أخذتهم طريق طويلة، يغيب فيها البصر ويمتد النظر حيث الأصوات يرجعها الصدى ويستعذب الحديث تحت القمر ويدّكر بعد همِّ حديث ذكرى مصحوبا بشعر يكتسح ما انثنى في الصدر وتربع وأبكى .

تنهد الشاعر وهو يحرك عصاه الصغيرة التي أشبهت الناي؛ وما هي بناي على جمر تحرك لظاه عليه إبريق قهوة يفوح منها الزمن الذي أوشك أن يعبق بصحراء ابتلعت الدنيا وأحكمت قبضتها على من ولجها.

قال سعيد بن مسعود: أنْشِدنا مما سكتّ عنه أيها الشاعر .

همهم قليلا وأوجز في الإطراء ثم قال :

تراودنا العوالي ولا نطأها
وتغزونا الهموم فنستجيب
لها من كل قارعة أفول
تريب اللب فينا فيستغيبُ
أما وللذكرى لنا طروب
تعانق صمتها مشيٌ خبيب

كان مني في ليلة بيضاء، تسرد فيها الأنواء، وقائع حدثت وما هي بحادثة غير أنه ضرب من الباطل، وعزف للعاطل، ومناوئة الغابر بالحاضر، أن وقعت في عشق امرأة، لم تكن بالجمال الذي ينشده المنشدون ولا لها طرب يتعشّقه السامعون؛ هي صامتة طوال الوقت، بادية التنكيس كأنها تخشى النظر في العيون؛ منشغلة بما تحمله من كيس، أراها كلما هم العام بابتداء الأعمال، بين الحين والحين، تصحب طفلة كفلقة قمر شعرها أشقر وثغرها رضيب أحمر، تمشي الهوينى تحملها صباحا وتعود بها عند انكفاء الوقت من الظهر، فعرفت وقتي الذي يسمح لي بمؤانستها ومصافحتها والتحدث إليها، فانتظرتها على غير ميعاد، وكأن الوقت في مستهل الميلاد، سالبا الفؤاد محيرا الألباب، قلت في نفسي “يا رجل أمسك عليك نفسك، ولا تجعلها تعاين لهفتك، وحب ميلك، لعلها تمتحنك فيما أنت تخشاه وتظل خلفها بلا وقع يذكر ولاحس يُشْعر، انتظرتُها وقلت مما جال في نفسي :

أيا من طال انتظارُه
وغاب حِبُّه وجاره
كيف لرجل قوي
يسقط عند وصاله
وكيف لروح تبدّت
بعدما دارت وحارت
أي جميلة أخذتِ نفسي
عليك عليك
الزمِي رمسي
حين أموت في وقتي
حذاري أن تنكري سهدي
أنتِ المنى لو صار وصل
كيف لوعد قاده مطل

انتابني في المكان عطر فواح، سبق الأشباح، وأقام روحي وأقعدني من الغياب والتفكير والحَيرة والتدبير، فانتعشت روحي ووسْوَست أركاني، من أين هذا العطر وأي اتجاه ساقه والقدر، وكيف لي أن أميز بين الليل والنهار والصبح والإبكار، فقد عرفت معنى الغياب روحا وأدركت الضعف الذي يكر كبرياء رجل، عاش بين قومه بشأنه، ورُفِعت مكانته وطال إرثُه أن يصبح كطفل غرير يترصد الطرقات والأماكن المقفلات، يبحث عن وجه كمرآة روحه، ولم أعلم أمسا، أن يحدث ما يحدث لي أن أرى قيمة النفس بالحب حين كنت أنكر الضعف، وأكره الشعر الذي يضرب للعشق وما أراه إلا فعل ومِق جادله الوقت فأحسن إذلاله وأمعن في إخلاله .

قالت يا رجل: ألم تكن عاقلا فتتعقل، أهذا الذي ينبو منك شاهد على قلة حيلتك- وأعوذ بالله من قلة الحيلة- وتلك الرذيلة؟ حين انسلخ النهار ولفني الليل في الدثار، تقطع الطريق بين الفليق، والناس حولنا تتلفت وأنت بهذا الطول السمعمع، والعقل الملمع، والصولجان الممنع، أتسمح لشخصك أن تتبع عورات الناس، وتمشي كغرير بين الحياش؟! عجبي من هذا الصنيع وعجبا ثم عجب، لنظراتك التي ما برحت ظلي، تطوف كمن يبحث عن ضالة ينشد العباد، أي باب قرعته، بل أي طريق ولجته، انظر لحالك إلام صرت؟ وكيف فكرت؟ ثم بعد إذ ذاك قدرت.. اربأ على نفسك ولا تجهدها كل هذا الجهد، إني والله أشكوك إلى من يوقفك، حتى لا تتسرب نحوي الشبهات، حين تجلس النسوة والبنات ويحِكن من خيوط الأوهام والكلمات قصصا ما هي من الحق إن هن إلا كصويحبات زليخة يا لها من حقيقة، مرة كعلقم على أرملة رحل زوجها، ولها منه طفلة غضة، تخشى الليل أكثر من أي شيء مضى، حين يبدو الكرى، ويغشى النعاس آمنة من الناس فتطوف أنت بين السرادب كالخنّاس، اذهب! إليك عني وإلا كان من أمرك كيت وكيت.

حدثنا سعيد بن مسعود وهو يهم بصب القهوة وهي مرة كمرارة العود، لقد جفاني الرقاد، ولأول مرة أشعر أن الحب من أمرِّ الأقدار، وما يصاب أحد بمثل قدري حتى تكون نفسه هالكة، وروحه سامدة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، مذبذب في الحياة، تقودني الملامة وتتلقفني السلامة، على حين مرة أظن أنني سأسلم الروح، وإذ بالصبح تنفس، والطير يهسهس على غصن مائل، مالت به زيزفون صغيرة، على شبّاكي الكبير، وكنت كلما بان الصباح وسكت الديك عن الصياح رأيتني أتأمل وجهها على صفحة السماء ، فتنبري لي الذكريات وأشغل نفسي بما مضى وفات، أقول يا رجل لماذا لم تطرق بابها، وتعينها على مصابها، وتصبح من أهل بيتها ورفادها.

ثم جمعتُ نفسي، وأسررت ما انتويته من قصدي، وكنت في ذلك اليوم حسن اللباس، عطر الأردان والإحساس، قادتني قدماي إلى حيث بيت رجل ضرير، صاحب حكمة ندية، وكلمة طرية، وقياس ومقياس، لا يبدي قولا حتى يعي رده، ولا يرد ردا حتى يدرك موقعه، طرقت ثلاث مرات، وشعرت أنه يقترب من الباب بعد أن نهر طفلة تلهو بالمضراب ، وكان في بيت ابنه الذي مات وغاب، في إحدى المعارك والغلاب، وهذه الأحوال من تلك الأسباب، سلمت عليه فرد الجواب، ورحب واستجاب، قائلا منذ حين لم يطرق بابَنا ضيف ولا طلاب، أهلا بك وحياك، ابن كريمٍ وأحباب.

ثم سكت المتحدث حتى ظننا أنه ندم على ما قدم.

غيّر جِلسته معتدلا، متكئا على ركنه الأيمن ووجهه نحو أعناق الأشجار، وقال: بعد أن اطمأنت نفسي، واستمْرأ الجواب حسي، بدأت بقصتي كما عليكم طرقتها، وقلت له أيها الرجل الرشيد، في الوقت العصيب، الذي لا نقوى فيه على قول ما نريد، وتخوننا العبارة والمجيب، إن من أمري أنني هويتها، وشغف قلبي بها، وزاد وزن حياتي، وليتني قبلها كنت أعمى حتى إني لم أتمن رؤيتها، ولا صدفة الوقت جذبتها، فكيف لي من رأيك؟

تنحنح الرجل قليلا، مسح على لحيته المسترسلة، ثم أسند ظهر للحائط، قائلا: من أرادَ طلب، مدركا القرب، لأن المبتغى يعلو بالرتب، وأنت رجل أفنيت شبابك في التَّسفار، والتنقل بين الديار، حتى كان من أمرك أن تعشق من لم تتوقع رؤيته، ولا في الطريق طلته، ولكن والحالة هذه أقول لك ابحث عن أهلها، نذهب في طلبها، وتكون لك فوزا، ولمرادك نيلا!

ما قولك؟

شعرت بالاضطراب من فرحة الجواب، وقلت أنا رجل أنعم الله عليّ بنعم كثيرة، ولكن حرمت نعمة الأهل، فما لي غيرك..عندي أخت باعدت بيني وبينها الأقطار، ولا أدري أي مكان هم فيه حتى الآن وأي قرار، فزوجها رجل من التجار، ولا أستطيع أن اصطحبها في هذا المضمار، وما أراك إلا أبا مقربا وقلبا للسر حافظا، فوليتك أمري هذا حتى تنجزه.

ضرب الرجل على كتفي المحاذية له، بعد أن تحسسني حتى استقرت يده الدافئة على علائق قلبي، وكأن شيئا من البرد أرجف قلبي، فقمتُ بعد أن قبّلتُ رأسه، وأقسمتُ عليه شفقة ألا يقوم، وأردتُ أن أخرج من الباب ولكن … سكت سعيد حتى كدنا أن ننهره، وبعد هذا المقام أن يجن جنوننا عن باقي الحكاية، قال صاحبه المقرب، ثم ماذا حدث..

سمعت نفَسَه يتوالى ووجهه من الحَيرة يتوارى!

حدثنا قائلا – كأن العبرة تخنقه:

وحين هممت بالخروج إذ بها تقف عند دالية عنب وطفلتها حولها تلعب، وأنا في قلق وصدمة، رأيت دون أن تراني، شعرا أشقرَ منسابا، وذراعين كأنهما قباب بياض وامتلاء، خصر رجراج قامتها من الوصف ما يجعلني أخرس أشعث يجوب كدرويش أدركه العشق فذاب! وآهٍ من غلبة الوجد والغياب، وجه مستدير، أبيض منير، عينان بالحب نضاختان، كحلهما يريب النفس أهي إنسية أم جنية، ثغرها دائم الابتسامة، كأنه الشمس تشرق في الليل فتكشف الويل. وويلي ثم ويلي أن أكون في بيتها، ثم لا أدري إلا حين انصرفُ أنه مكانها ومستقرها وزمامها. ليتني لم أسرع إلا بعد أن سألت عنها أولا؛ فكيف لي أن أخطبها ممن كان سيخطب لي؟!

تنهدتُ كثيرا، حيث لم تراني ولم أشأ لها كذلك، فأسررت في نفسي سرا وقلت يا رجل أرسل في طلبها وخطبتها، وكن على بينة من أمرك دون أن يشعر الشيخ بك، ولكن للوقت حدته، فهو يقتل ولا يشفع وليتني أسرعت وما أبطات، وليتني أنجزت وما قعدت، مرّ شهرٌ وكنت أفكر كيف أخاطب جدَّ ابنتِها، بعد أن كنت أريده أن يسعى معي في أمر امرأة وإذ هي كنته أرملة ابنه الوحيد، طال بي نزال الفكر، ووسوسة النفس، هل سأقول له إن مطلبي عنده، أم أقول له أني أخطأت حين أخبرته أن مكانها بعيد وإذ هي أقرب من القريب !

إن الحَيرة يا أصدقائي لتصيب النفس بالضعف، وتنقص مقدار الروح فتصبح بين فتور وزحف، كأنك ناشط من عقال حينا وحينا بين الموت واللقف، تضرب بك الآراء ويرديك الإصغاء، والزمن بين غاء وغاء !

على رأس الثلاثين يوما رأيت طربا وزينة، فقلت في نفسي ما غرك يا رجل! ما هذا الاحتفال؟ سألت أحد الصبيان الذين يلعبون ويمرحون، ما خطب المكان، فأجابني وليته لم يجب! إنه عرس أفنان !

كان اسمها أفنان، وأنا الذي أدور حول بيتها منذ أعوام، لم يطرأ ببالي ذكر اسمها أو حتى العنوان، لم أدرك أن يكون لك معشوق تجهل مكانه والبيان. ليتني لم أشأ ولم أدرك ما الحياة ولا الأيام، ليتني متّ قبل هذا أو تلقفتني مجاهل الطريق والأكوان، وأي درب يقودني الآن بعد أن ذقت الهوى ووعيت الجوى.

سكت حتى أنه بكى ثم أطرب فقال:

وطوق طوقت به نفسي ** ليتني أعاين رمسي

من جمال ماله وصال ** أيها العاذل يكفي

خذ من القول معنى ** إن معنى الحب مكني

يؤذي روحك يبتغيها ** ثم بعد إذ ذاك يمضي

إنني بين الهوى والردى ** ميت لم أعد أجدي

مقالات ذات علاقة

صدور العدد صفر من أم الربيع

المشرف العام

كنت بيَّاعا شقياً في أرضي

المشرف العام

حماقات العابر

مفتاح العماري

اترك تعليق