من أعمال المصور أسامة محمد
قصة

فنجان حنظل

من أعمال المصور أسامة محمد
من أعمال المصور أسامة محمد

 

فتح عينيه على الدنيا فوجد وجه أمه الباسم، طفل وضيء الوجه، هادئ لا تسمع بكائه إلا نادرا، حين تنظر إليه يشعرك بأنه في عمر أكبر و المهد ليس في مستواه.

نشأ “نزيه سلام”في بيئة قاسية، ضنك عيش، مجتمع يحكمه قلة ظالمة،اضطهاد للضعفاء أمثاله و أمه التي لا تألو جهدا لتوفير مصروف دراسته و العيش المريح.

كان معلميه في المدرسة يلاحظون ذكائه المفرط و تفوقه، لكن لسوء الحظ لم يجد دعما من مجتمعه النامي، ربما كان خطأ وجود نبوغه في بلد بقبضة أغبياء. منذ كان صغيرا و هو لا ينفك عن التردد على المكتبات ينهل من الكتب معارف شتى، كالنار تلتهم الحطب يهضم الصفحات، تتشرب روحه الطموحة الأفكار، أحلاما كثيرة تحتويه يود رؤيتها واقعا، هذا الكم الهائل من المطالعة شجعه على تنمية و تطوير موهبة الكتابة لديه، فكان يكتب القصص و يعض الأشعار كنوع من الترفيه عن نفسه في أوقات الفراغ ثم راقت له الفكرة فقرر أن ينشر شيئا منها في الصحف و لاقت استحسان مسئوليها و ظل يكتب فيها كصحفي مثبتا جدارته على الساحة الثقافية المحدودة الأفق.

رغم نجاحه في تحقيق حلمه الصغير كصحفي لامع إلا أنه بقيت في قلبه حسرة، ففي الشهادة الثانوية و قبل الامتحان النهائي بإسبوع دخل المستشفى إثر مرضه الشديد الذي كاد أن يهلكه و حرمه من الدخول إلى كلية الهندسة، فقانون الكلية لا يقبل أصحاب النسب المتدنية و اضطر “نزيه” للدراسة مكرها في المعهد العالي قسم “التكييف و التبريد”.

أمر فظيع و حكم جائر قضى على حلمه العلمي و تفوقه الدراسي، رغم هذا اكمل دراسته في المجال الذي اختير له و دخل معترك الحياة اللا رحمة فيه مع محافظته على مكانته الصحفية و تنقله بين مختلف الصحف المحلية ذات المردود الضئيل لا يغني و لا يسمن من جوع، كما كان عمله في ورشة جاره لا يدر عليه مالا وفيرا، هي فقط بضعة دنانير تعينه و والدته و تكفيه مؤونة السؤال.

كان “نزيه” اسما على مسمى،لا يحب التملق و المداهنة، جريء في قوله،لا يخاف من مقالة الحق و جميع مقالاته دامغة تصيب أهدافها، تعري وجه الحقائق و تكشف الملابسات، كثيرا ما تعرض للمساومة من أجلها فيرفض، في أحد الأيام اتصل به شخص مسؤول و عرض عليه مبلغ طائل مقابل سحب مقال له فرد مختصرا: “دونها الموت”، و ذات مرة عرض عليه العمل في محطة تلفزية شرط أن يذيع ما يملى عليه فتمنع و أجبروه على ترك بعض الصحف وحاربوا إبداعه إلا أن هذا لم يفت في عضده و لم يثنيه عن مواصلة دربه و ركوب طموحه.

لعل في إصراره على النجاح سرا، قد يكون لأجل شعوره بفقد القيمة الإنسانية للمثقف في مجتمع لا يعترف بثقافة لا تجلب قوتا و إنما التجارة والسمسرة غير المشروعة هي سبيل نجاح المجتمعات الدونية وحكم السلاح وحده الفيصل لرقيها !. أو ربما يكون دافعه للاستمرار هو الانتقام من ذاته وممن اضاعوا مستقبله الحالم،أحب أن يثبت لهم “و إن اقفلتم في وجهي بابا فالأبواب الأخرى مازالت مشرعة”، أو شعور بالنقص يخالجه و يطمع في استزادة، فمن منا لا يشعر بذلك و يتمنى بلوغ الذروة على كل الأصعدة ويشار إليه بالبنان و تخلد ذكراه؟!.

أحيانا يكون للحب أياديه الخفية في جعلنا نثبت على نيل مأربنا و ضخ قوى النشاط و العزم في أرواحنا و “نزيه” كأي شاب في عنفوانه لا يخلو قلبه الرقيق من الحب و التنعم في ظله و استمد منه المقدرة على الصمود و المواجهة، فللأنثى سحرها المميز في حياة الرجل مما يجعله يغامر بعمره دون أن يشعر!!.

حب “نزيه” لم يكن ذاك الحب العابر الذي يعيشه أغلب المحبين، كان في حبه يبحث عن الطمأنينة، فلسفة الجمال، عشق المستحيل، تكافؤ العشق بين قلبين، حنان يفيض عليه نورا و نقاوة في الروح تمنحه سعادة لا تدركها الظواهر.

كانت ضمن أحلامه الياقوتية أن يؤسس صرحا ثقافيا إعلاميا يضم كل المجالات من صحافة و سينما و مسرح و موسيقا و فن و إذاعة، أخرى أن يحظى بمكانة عظمى عالميا، يتمتع بحياته و السفر، امتلاك أموال كثيرة ينفقها في أوجه الخير، كانت تأتيه العديد من العروض للعمل في أماكن مرموقة تحسن من وضعه المادي لكن عزة و أنفة تسكنان في قرارة نفسه. تأبيان الانصياع لغيره، منطلقا من مبدأ “اصنع مجدك بنفسك”. لهذا السيب فرت كل الفرص ونسيه أصدقاؤه و لم يعد يفتح أمامه مجال العروض، زد على ذلك خسارته لعمله في ورشة قطع الغيار فقد اغلقها جاره و سافر، لم يعد لدى “نزيه” سوى يراعه المتخبط في لجج الصفحات التي لا يقرؤها إلا القلة من الشعب، و طموحاته التي لا تجد في بيئته أرضا خصبة لتنمو و يجنيها في زهو و تفاخر.

الحياة باتت مستحيلة في بلده، صار كل واقعه عدم و انهمك في أحلامه يطبقها في خياله، هاربا إليها و منعشا روحه بتأملها، حينا يرسمها على الورق ويظل يبتسم مصفقا بحرارة لما انجزه، حينا تدمع عيناه و هو يرى من نافذته النجوم تهوي، تذكره بتحطم آماله، ما يخفف عنه مصابه جلوسه على شاطئ البحر شاكيا كآبته المريرة.

في إحدى الأمسيات ظلت أمه قلقة عليه، تتصل به فلا يرد، لا تدري ماذا تفعل؟ فيما كان “نزيه” يصارع الأمواج محاولا بلوغ شواطئ أوروبا جثة تحقق ما صبت إليه في محياها!!…

مقالات ذات علاقة

احسن اكلاب

محمد النعاس

في كنف هادئ

صلاح عجينة

خَــرْبَشَـــاتٌ صِبْيَـانِــيَّةٌ

خالد السحاتي

اترك تعليق