طيوب عربية

فلنستمر بالكتابة فإنّ لها أثرا لن يُنسى

كتاب “حجر الفسيفساء”- سيرة روائية- للأسيرة المحرّرة مي وليد الغصين

اكتبْ يا هيبا، فمن يكتب لن يموت أبداً” (عزازيل، يوسف زيدان)

أنجزت الأسيرة الكاتبة مي وليد الغصين كتابها “حجر الفسيفساء“، لتتحدث عن تجربتها الاعتقالية التي امتدت إلى خمس سنوات ونصف في سجون الاحتلال. وسبق للكاتبة أن شاركت في الكتاب الذي أعدته الكاتبة العراقية هيفاء زنكنة بعنوان: “حفلة لثائرة: فلسطينيات يكتبن الحياة” (إي-كتب، لندن، 2017) بثلاثة نصوص، واحد منها أعيد نشره في كتاب “حجر الفسيفساء”، بعنوان “حنين”. وتبع هذين الكتابين كتاب ثالث بعنوان “ترانيم اليمامة” (مكتبة بلدية بيتونيا، 2021)، اشتركت فيه الكاتبة أيضاً ومعها أسيرات أخريات. وهذه الكتب هي خلاصة ورش إبداعية عقدت من أجل حث الأسيرات على أن يكتبن قصصهن، ومن بين هذه الكتب أيضا كتاب الأسيرة نادية الخياط “احترقت لتضيء” (وزارة الثقافة، رام الله، 2021).

للمشروع أهمية كبيرة لغير سبب؛ أولا لأنه يضيء على حياة الأسيرات بأقلام الأسيرات أنفسهنّ، فهن يكتبن عن تجاربهن، لما لهذا التجربة من خصوصية كونهن نساء أسيرات، فهذا العالم ما زال مجهولا، خاصة في أدب المعتقلات في فلسطين.

والسبب الثاني يعود إلى قلة كتب الأسيرات الكاتبات، فمن كتبن فيه من الأسيرات يعد قليلا بالموازنة مع ما كتبه الأسرى من الكتاب، لينضم هذا المشروع مع كتب أديبات فلسطينيات تحدثن في كتبهن عن التجربة الاعتقالية، كالمناضلة عائشة عودة في كتابيها “أحلام بالحرية” و”ثمنا للشمس“، والكاتبة وداد البرغوثي في رواية “البيوت” على سبيل المثال، وعربيا ما كتبته على سبيل المثال هيفاء زنكنة في كتابها “في أروقة الذاكرة“، ونوال السعداوي في كتاب “مذكراتي في سجن النساء“، وزينب الغزالي في كتاب “أيام من حياتي“، وغيرهنّ من الكاتبات اللواتي تعرضن لهذه التجربة عالمياً.

ولعل المرء يضيف سببا ثالثا؛ متعلقا بأسلوب الكتابة وطبيعتها وموضوعها، المتصل بالجانب الخاص بذاتية الأسيرة من مشاعر واحتياجات وآلام، إذ لا تستطيع كتابات الكتاب الأسرى الحديث عنه، ولا تصويره بالكيفية التي هي عليها بكثافتها المشاعرية التي تنمّ عن صدق الكتابة في التعبير عن الواقع المراد تصويره أو توثيقه، كما ستكتبه الأسيرات الكاتبات.

من ناحية أخرى، لا شك في أن هذه الكتب تساعد على اكتمال صورة عوالم السجن المخفية، تلك العوالم المؤلمة التي لا نستطيع نحن الذين لم نتعرض لهذه التجربة أن نتخيلها، فنتعرف عليها عند النساء والرجال على السواء، وطرق المقاومة في السجن، والتحايل على السجان ومحاولة العيش دون أن يكون للسجن أثر كبير. في هذه الكتابات تكتشف النفس قدرتها على المقاومة والتكيف معا، مع أن التكيف نوع من الإخضاع، لكنه الإخضاع القسري بالقوة الذي لا يُبدل الذات ولا أفكارها ولا يوهن من معنوياتها.

أعتقد أنه من الضروري أن يقرأ الناس جميعهم أو أغلبهم بعض هذه الكتابات، لأن أي شخص في فلسطين معرض للاعتقال في أي لحظة، فهذه الكتب قادرة على أن تجعل الأسير أو الأسيرة أكثر معرفة بعالم الأسْر ومعاملة الأسرى، وبالتالي أقدر على الصمود.

علينا أن ندرك دائما أننا ما زلنا شعبا تحت الاحتلال من قمة هرم القيادة؛ حيث الرئيس في المقاطعة، وأعضاء الحكومة قاطبة، إلى هياكل الأجهزة الأمنية وعناصرها وأسلحتها ومواكبها، إلى كل فرد من أفراد الشعب، وهذا يجعل من قضية الصمود إستراتيجية وطنية، لا بد من أن تكون غذاء روحيا معرفيا يوميا ممنهجا في كل مفاصل الحياة الفلسطينية، في السياسة، والإعلام، والتعليم، والثقافة، والشأن الاجتماعي العام، ويشترك في تنفيذ هذه الإستراتيجة مثقفون، وكتاب، وأسرى محررون، ومعلمون، ومحاضرون جامعيون، وطلاب، لتكون قضية الأسرى هي الأولى، والأكثر أهمية في الواقع الفلسطيني، يلمس حضورها كل فرد، في كل اتجاه، وفي كل موقع، لتخليص الأسيرات والأسرى من هذا الوجع المستمر الذي يستنزف الأسير وعائلته، إن كنّا فعلا نرى أنّه لا بد من تحريرهم، وألا يكون الأمر مجرّد خطابات جوفاء تُنسى بعد فضّ السامر الاحتفاليّ المؤقت، لنترك الأسرى والأسيرات منسيين في “العتمة الباهرة”.

فليكتب كل أسير حكايته، ولتكتب كل أسيرة حكايتها، ولتكن هناك عشرات الورش الإبداعية لتدريب الأسيرات ورعاية كتابتهنّ، وليقرأ الجميع تلك الكتابات. مع أنّ الكتابة والقراءة دون فعل سياسي مقاوم أو عسكري كبير لن نجني منها حرية الأسرى والأسيرات، فليكن هذا النشاط الثقافي المتمثل في القراءة والكتابة والنشر، دافعا للضغط من أجل التحرك، لنصرة الأسرى من خلال المسيرات والاعتصامات، والبرامج التي تلفت نظر العالم إلى أن هناك إنساناً محروماً من أبسط حقوقه الإنسانية؛ لا يرى الشمس، ولا يعرف لون السماء، معتقل لعقود طويلة؛ بسبب مطالبته بحرية وطنه، وليعيش كما يعيش الناس على أرضه، وفي بيته دون أن يطالبه غريب محتل أن يبرز هويته الشخصية، بحثا عن مطلوب للمثول أمام محاكم محتل اختلت معه الموازين، وانتحرت بسبب ظلمه وتعسفه العدالة ذاتها.

مشروع كتابة الأسيرات والأسرى لتلك التجارب، قد يكون له الأثر الكبير إذا أحسنا التعامل معه، لإحداث الوعي اللازم للثورة المجتمعية النضالية؛ تحريكا لهذا الوضع القاتم الساكن. فلنستمر في الكتابة؛ فإن لها أثرا لن يُنسى على أقل تقدير لمن يقرأ تلك الكتب وتلك القصص، ما يجعل هذه القضية الإنسانية حية في نفوس الناس أجمعين، لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً.

مقالات ذات علاقة

حتى الموت أتفرّج

المشرف العام

الرسالة السابعة والأربعون: نحاربهم أيضاً بالأغاني والهاشتاج

فراس حج محمد (فلسطين)

ليس لدي ما أقوله

آكد الجبوري (العراق)

اترك تعليق