المقالة

فلتكُن الخطوط زرقاء

ليس للكتابة من فائدة إن كانت مواربة، مداهنة، ومتماهية مع أدوات الضغط التي تملك القرار السياسي أو الفتوى، وليس للكتابة فائدة إن كان هدفها تجميل التجاعيد ورش السكر على الجراح، وملء الدمامل بالمساحيق حتى لا يظهر المرض الذي يختبئ تحت الجلد.

إن كان هدف الكتابة إطراب الحشود والسير على الاتجاهات المرصودة، وتجاهل المكبوت والمسكوت عنه واللامصرح به، وإن كان هدفها بالذات الاحتياط لئلا تنخدش أوهام الهوية، أو تحقيق المجتمع الأبوي، أو تزعج رمل الدين، فإنها حينئذ لم تكن كتابة، بل ستكون دفنًا تكريميًّا للحرية وللتعبير.

الكاتب الذي لا يجرؤ على نقض التابوهات، لأنه يخضع لرقباء خارجيين على ضميره الوطني، والكاتب الذي يعتقد أن الاستفزاز والمواجهة والاشتباك مع القارئ ستكلفه راحة البال والهناءة التي عاش فيها واستمرأها لعقود ليس بكاتب، إنه شخص مقلد يسير في مقدمة القطيع، الذي يعتقد أنه أفضل منه.

الكاتب الذي لا يطرح الأسئلة الجديدة، التي تتجاوز مفهوم العيش والأمان والسلامة من النقد، والذي لا يغامر باقتياد قلمه إلى المجهول، في رحلة شائكة ومضنية لا يعرف إلى أين ستوصله مع القارئ، هو في الحقيقة كاتب خشبي يعشق البقاء في الأقبية المنزوية، ويخاف من المسؤولية، بل هو كاتب يكرس للديكتاتورية وللتخلف والجمود، وهو راعٍ رسمي للتكلس والتقليدية.

والكاتب حين يغرق حتى الثمالة في اللون الأحمر، ويجعل منه علامته المقدسة لعدم السير للأمام، التزامًا منه بتعاليم شرطة الفكر ورقباء الضمير والمجتمع، وحين لا يشتهي أن يرتفع بالكلمات ويرتفع ويرتفع حتى يلامس السماء ليحيل اللون الأحمر إلى أزرق، هذا ليس بكاتب، إنه باختصار إنسان يعيد استنساخ الهيمنة والاستكانة والتختر في الفكر وفي السياسة وفي المجتمع وفي الدين.

على كل كاتب في ليبيا اليوم أن يكون طموحًا، وأن يبدأ في نسج مغامرته في الكتابة إلى الملتقى الليبي، وأن يعرف أن مغامرته ستكون دائمًا مجهولة العواقب، وأن يعلن منذ اللحظة رغبته في طرق الأبواب والرؤوس، والتقليد والاجترار، وأن يعلن أن ملته في الكتابة لن تكون بعد الآن عمودية، وأنه لن يتوقف إلا حين يلامس رأسه سقف السماء، فهل رأى أحدكم يومًا -وهو يحلِّق في طائرة- إشارة مرور حمراء في الفضاء؟!

مقالات ذات علاقة

الموضوعية: العلم، العمل والأخلاق

عمر الككلي

الفـراغ المـتاح

تهاني دربي

المثقف.. يكون أو لا يكون

رامز النويصري

اترك تعليق