من آثار قورينا
المقالة

فلاسفه فى ليبيا

… وكانت قورينا هناك فى قمة الجبل. تضخ حكمة وفلسفة مع روائح ازهارها البريه. احدى مدن العالم القديم.. الاسكندريه ولبده الكبرى وقرطاجه. كانت هناك. وفيها نشاْت العلوم ودور الحكمه والثقافه والرياضه والطب. كانت اشجار الجبل ونباتاته التى على مد النظر معملا حيا لاختبارات الادويه والعلاجات. وهناك ايضا نشاْت الفلسفه القورينائيه. فلسفه فى ليبيا.. واين؟ على قمة الجبل فى برقه ياسيدى. رجالها كرنيادس القورينائى وسونسيوس القوريقورينانائى وتلاميذهما. والاكاديميه وارسطو وافلاطون. مناقشات وحوارات. وثمة مذهب اللذه الذى طلع هناك بين اشجار السرو. والمشاؤون الفلاسفه. مدرسة المشائين الذين يمشون بوقار فى شوارع المدينه لحظات العشايا وبين الاروقه والوديان.. يتحاورون ويتناقشون ويتنفسون فلسفة وحكمه. وكان هناك تاريخ.. وكانت هناك حضاره نمت وتجددت.

وفى دراسة ممتازه للاستاذ محمد حمى عن المدرسه البرقاويه الفلسفيه واهميتها التاريخيه كتبها ونشرها فى مجلة الضياء ببنغازى عام 1957 يقول.. (فاْهمية هذه المدرسه هى انها حاولت لاول مره ايجاد فلسفه للنزعات الغريزيه الانسانيه الخالده.. فاذا وصلت الى مجرد نتائج سلبيه فى هذه الفلسفه وذلك لانها هى التى ابتداْت تاركة للحكماء مواصلة السير للوصول الى الناحية الايجابية لتحقيق الخير العام عن طريق اللذه.اقول ان (ارستيت) هو زعيم مدرسة برقه الفلسفيه.. تلك المدرسه التى استطاعت ان تناقش فى تطورها جانبا من الخير للانسان اغفله سقراط بعدم تحديده. وسواء كانت هذه المدرسه من اصل اغريقى او غيره فذلك لايهمنا بقدر ماهى برقاويه لازالت يعتبرها الفلاسفة علماء الاخلاق (القورينائيه) نسبة الى قرنه التى يتغنى بها شعراؤنا المعاصرون وتكون جزء من هذه الارض الطيبه التى اروتها دماء الاباء والاجداد ذودا عنها. وواجب الشباب ان يبحث فى هذا التراث الفكرى للبلاد ليقدم للعالم البرهان باْن العبقريه ليست وقفا على امة دون اخرى..).. فهل ثمة من يبحث؟

كانت قورينا وكانت الفلسفه والحكمه. جدل ونقاش وحوار لاينتهى بين اثينا المقابله فى الضفة الاخرى ويصل الى قورينا على قمة الجبل. ومدارس فى الفلسفه عريقه. وانتهى العالم القديم.. ونهضت حضارات اخرى واختفت ايضا. وقامت ممالك وسقطت دول. وحدثت فتوحات واندلعت حروب. وظلت الفلسفه عنوانا جميلا.. ام العلوم ومصدر الحكمه. برز المتكلمون فى الاسلام واستفادوا من اليونان والهند وفارس. فلاسفه فى البصره وبغداد والاندلس. ومدارس فى الفكر والفلسفه والحريه والمذاهب. اخذت واعطت دون تعصب. هكذا الحضاره.. هكذا العلم ياسيدى ملك لبنى الانسان الذين يمشون على اثنين والعقول فى رؤوسهم. ظهر ابن رشد والفرابى وابن سينا وابن خلدون وابن حزم. وقبلهم الاشاعره والمعتزله والماتوريديه وغيرهم. المنطق والجبر والحساب والتوحيد وعلم الكلام والموسيقى. مدارس وفلسفات ولدت وتلاقحت مع الشرق والغرب. واخذت من القدامى. لاتعصب. فلاسفه وحكماء ومتكلمون يفيدون العالم رغم الاختلاف وظلت الفلسفه ام العلوم والحكمه.

كانت هنا فى برقه مدرسه ليبيه للفلسفه فوق قمة الجبل عند السرو والبطوم والصنوبر والشمارى. وكان هناك تاريخ. ثم مرت الاعوام الطويله. الزمن يجرى. الحضاره تتجدد بعد ان تنتهى سابقتها. جاءت مدرسه اخرى ليبيه حديثه. تاْسست الجامعه الليبيه عام 1955. كان من بين اقسامها قسم الفلسفه. انشاْه ورعاه احد اساتذة الفلسفه الكبار.. محمد عبدالهادى بوريده.. بداْ القسم بطالبين وانتشر عدده. حاول بوريده الاستاذ والعالم ان يواصل القديم بالجديد. بادر باختيار واكتشاف وتشجييع بعض تلاميذه لدراسة الفلسفه والتخصص فيها وتوجيههم للبحث والدراسه فى مسائلها. كان يريد وضع حجر اساس لمدرسة فلسفية علمية متخصصه فى ليبيا. اختار من الدفعه الاولى عام 1959. ابراهيم الهنقارى ومحمد بالروين ومن الثانيه 1960 محمد احمد الشريف ومحمد حسنى شعبان ومن الثالثه 1961محمد عبد الكريم الوافى ومن الرابعه 1962 على فهمى خشيم ومحمد ياسين عريبى.

واصل البعض. منعت الاخر الاعباء الوظيفيه ومشاغل الحياه واشياء اخرى عن المواصله. كان الاستاذ بوريده فيلسوفا ومتصوفا وعالما بحق. ثم معه ومن بعده حضر فلاسفه وعلماء كبار.. محمود قاسم ومحمد على ابوريان وتوفيق الطويل واحمد قؤاد الاهوانى وعثمان امين الذى اسس الفلسفه الجوانيه فى مقهى العرودى وفى شوارع بنغازى الضيقه. وحسين سلامه الجوهرى. وعبدالرحمن بدوى الذى اهتم بتاريخ الفلسفه فى قورينا. ونورى جعفر وياسين خليل وحسام الالوسى وتوفيق رشدى وغوث الانصارى وعزمى اسلام وفتحى الشنيطى وعادل فاخورى وكريم متى.

علماء من مصر والعراق والهند ولبنان التقوا فى بنغازى وعلموا الفلسفه بها. المدرجات تعبق بالفلسفه بين الطلبه والطالبات وحديقة الكليه فيها يناقش الفكر الانسانى ومحاورات فى الجدل ومؤلفات فى المنطق والمثاليه ومابعد الطبيعه وفلسفة ديكارت وهيغل وماركس وفلسفة الاسلام واليونان والعصور الوسطى.. وارسطو وافلاطون وقورينا التى فوق قمة الجبل. فلسفة قورينا ومدارسها.. امتدت عبر التاريخ. . وصارت فى الجامعه الليبيه قسما ومنهجا ودراسات عليا ومحاضرات وفلاسفه عرب واجانب.. ومحليون يستفيدون ويفيدون.

ثم ظهر من الفراغ من ادعى التفلسف وقلب الفلسفه الى التفسير وجعل من نظريته المضحكه فلسفة ومنهجا!! صارت فلسفة الانهيار والتخلف والجهل تضرب ليبيا ليلا ونهارا. لم تعد الفلسفه اما للعلوم او مصدرا للحكمه. اضحت عنوانا للتندر والضحك. الان.. الان ياسيدى لدينا فلسفات وتفلسف من نوع اخر. عندنا فلسفة الحقد والانتقام والتشفى والحرب والانقسام.. والجدل العقيم والهرطقه الفارغه بين الزعماء ومدعى النضال الذين يجيدون الركوب فى كل الاوقات. فلسفة الكذب والخبث العقلى والفكرى وبقية الامراض. فلسفه تفتح زنزانة رهيبه فى قلب الوطن.. وفى دماغ المواطن. من لنا بقورينا.. والجامعه الليبيه من جديد.. ومدرج مثل مدرج رفيق.. واساتذه مثل من سبق.. من لنا باولئك الفلاسفه فى ليبيا الذين اعطوا من بين الصنوبر والبطوم.. وصفوف المدرجات.. ليعلموننا الحكمة والحوار وصوت العقل.. بحريه ودون خوف!!

مقالات ذات علاقة

المدينة

نجيب الحصادي

السياج الدوغمائي

أحمد معيوف

تاكو الفيس بوك

إبراهيم حميدان

اترك تعليق