من أعمال الكيلاني عون
المقالة

فقدان

إلى صديق

من أعمال الكيلاني عون
من أعمال الكيلاني عون


في العنوان أسى وحزن أيضا، يهزك الفقدان ويشتت عقلك ويمزق قلبك، لأنه يعني أنك فقدت ما لا تتوقع فقدانه، أن شيئا لا يقدر بسعر قد ضاع منك ولم يعد منك أو بقربك، شيء ليس هو بلحم أو دم أو عظم، لا يعرفه إلا من تذوق امتلاكه وخسارته، قربه وبعده، ارتواؤه وعطشه، شروقه وغروبه، ضحكه وعبوسه، وكي لا يصيبك الهم فلن أدخلك إلى ” فلم هندي ” تتنافس فيه الفواجع والدموع، هي فقط حقيقة من حقائق الحياة التي ليس لي أو لك إلا أن نقبلها وندافع عنها، هي حقيقة تحمل الحياة وتطورها من طفولتها وصباها ومراهقتها وشبابها ورجولتها حتى شيخوختها وعجزها ثم بداية دورتها من جديد، ذات يوم كنت أنت البدء والآن صرت أنت المنتهى،جيل يولد من جيل، الحياة هم زينتها لكنها زينة ليست من صنعك إلا عند نشأتها، أما عندما يصبح لها لسان فهي التي ستتولى صياغة زينتها التي تريد وتتمنى،المعنى أن ” زينة الحياة ” ينفصلون عنك لأنهم سيدخلون فضاء زمن آخر، زمن يمضي إلى الأمام عكس زمنك انت الذي يمضي إلى الخلف، بمعنى أن لغتك ليست لغتهم، أسئلتك وخواطرك وأفكارك خيالاتك وأمنياتك خطواتك ومكانك ووجهتك وغاياتك ألمك وفرحك أملك ويأسك أصدقاؤك وأعداؤك زمنك مكانك، طعامك وشرابك، كل هذا لا يعني لهم معنى، كل هذا يجعل المسافة بينكم تتسع وتتسع كل يوم يمضي من عمرك بل كل ساعة أو حتى ثانية، ولا مفر أمامك إلا أن تعترف بها وتحاول التعامل معها بصبر وتسامح، اتساع المسافة تغمره موجات تتعاقب من رماد العمر الذي كان ذات يوم نارا تتأجج، أنت تحاول مرة ومرتين مد جسر معهم لكنهم يبتعدون وفي النهاية تقبل ببعدهم وتتمنى أن يكونوا أفضل منك، وليس عليك أن تحتج أو تخرج في مظاهرة ترفع لافتة الدفاع عنك وعن زمنك، المسافة تخلق البعد والبعد يخلق الغربة والغربة تخلق الوحدة والوحدة تخلق الضياع،أنت قد تعيش لحظات أو ساعات ضياع قاتلة، لكن عليك ان تقبل فقد أخذت نصيبك من عمر حياتك،الآن جاء دورهم وأنت الذي هيأتهم لهذا،نظراتك للخلف ونظراتهم للأمام، أفكارك تتحسر على ماض يزداد بعدا كل يوم، أفكارهم تخطط للمستقبل وهو يزداد قربا يوم بعد يوم، خطواتك بطيئة وخطواتهم كالبرق، مخيلتك تتآكل ومخيلتهم تزدهر وتتسامى، زمنك هادئ وساكن وزمانهم صاخب وأحيانا مجنون أغنياتك ليست أغانيهم،أحلامك ليست أحلامهم، عالمك ليس عالمهم، أنت تتمنى مقعدا في حديقة هادئة وهم يندفعون في ملاهي الرقص والجنون، أنت تتكلم همسا وهم يصرخون احتجاجا وغضبا وعشقا،أنت من زمن الورق وهم من زمن الآي باد، هكذا، زمن يمضي وزمن يأتي، جيل يولد من جيل وقادم يزيح الحاضر، هذا هو تطور الحياة عبر أجيالها منذ أول
رجل مشى على الأرض.

مقالات ذات علاقة

الْبِنَاءُ الْحَقِيقِيُّ لِلذَّاتِ الْعَرَبِيَّة

علي بوخريص

إبــحـــار

أسماء الأسطى

فلسفة الضمير

المشرف العام

اترك تعليق