ديوان (كلامك سحر) للشاعرة د. هند الساحلي
النقد

فضاء الأنا المزيّنةِ بمجراتِ الأنت

مقدمة ديوان (كلامك سحر) للشاعرة د. هند الساحلي

ديوان (كلامك سحر) للشاعرة د. هند الساحلي
ديوان (كلامك سحر) للشاعرة د. هند الساحلي

أن نكتب مقدمةً لديوان شعر، فهذا جنون .. فالشعر صاعقةٌ تضرب الخلايا ، وكهرباء تلك الصاعقة لا تحتاج إلى تهيّيءٍ وتجهيز، تضربك فجأةً وأنتَ تقرأ، فالشعر هو من يعلن نفسه، فإن أتقن كانت الصاعقة، وإلا فلن نلتفتَ إليه، لذلكَ فإن كتابة مقدمة ديوان شعرٍ جديد، فعلٌ غير عقلاني، فعلٌ يقلبُ علاقة السببية، يعطيكَ التأثير قبل تقليب الجمر بيديك، لكننا نقبله كعادةٍ لحدث غير اعتياديّ.

وأن تكتب عن شعر امرأة لهو لعمري تورطٌ في مغامرةِ الانفعال والسماح لأن يصبح قلبك – وأنتَ الذي تحتاج إلى العقل لتكتب نثراً – محلاً لتساقط النيازك، لكنكَ في النهاية تُقدِم على هذه المغامرة تحت عنوان: التأمل فيما فعلت نارُ الشِّعر بصخورٍ أتعبت صاحبتها، أتعبتها حتى امتلكت القدرة على صهرها بألمها وتلقيها وجداناً يلسعُ الوجدان.
وأن تكتب عن هند الساحلي، صاحبةُ هذا الديوان، فأنتَ بالفعل تكشف عن سرِّ صهر الذات بالذات، والقدرة على نقل فوهة البركان من قلبها إلى قلبك، بل وتعلن فرحاً أنكَ وصلتَ بشِعرها إلى نقطةِ ارتكازٍ طالما بحثتَ عنها كي لترفع من روحك المثقلةِ بالهموم، إلى همومها هي التي استطاعت أن تطلقها فيكِ سربَ حمامٍ يناديكَ أن تلحقه في رحلةٍ فضاؤها الأنا المزيّنةِ بمجراتِ الأنت.

عرف الشعر النسائي في ليبيا – شأنه شأن كثير من شعر عربيات أخريات- أسماءٍ عديدة أبدعت معظمها؛ لكن أصواتُها كان تغريدةً قصيرة المدى عطاءً ووصولاً وتواصلاً، وذلك بسبب عدة ظروفٍ متداخلة أقلها الاجتماعية، ولعل أظلمها الاهتمام الزائف المشبع بالمجاملات وغياب النقد ووأد النصوص بعد تصفيقةِ الإلقاء والمصافحات التي يهدف أصحابها إلى ملامسة الظاهرة والابتعاد عن مضمونها نشراً ودراسةً واهتماماً، لذلك تورطت كثيرٌ من الأصوات في صناعة السراب، والبحث عن ظمأى داخل النص وخارجه، ولم نجد من يجدن صناعة الشلالات إلا قليلاً، مع ما تحتمل هذه الجملة الرمزية من تأويلٍ في تورط الكثيرات في مشروع القصيدة اللاشعر المبنية على مجرد الكلمات الفارقة والمدهشة بعيداً عن قوة التصوير المنطوقةِ بالإيقاع، فتلك التقنيات الأساسية داستها طرق النشر السريعة والسهلة، في غيابٍ شبه تام لحركةٍ نقدية بل ولذائقةٍ أصيلة، فالذائقةُ الآن تقزّمت حتى لامست الأرضية لتسمح بمرور القطارات السريعة الحاملة للبضائع والثقافات الأخرى والضجيج والفوضى غير الخلاّقة بالمرور.
قد لا يحتمل المقام هنا أن نسترسل في نقد تلك الظواهر، حتى نظلم الجيد منها، فقد قلت أن هناك أسماءٍ أبدعت، والمقام هنا ارتأيناهُ للحديث قليلاً مرحبين طوعاً بديوان هند الساحلي، كيف لا؟ وهو المستحقّ للكتابةِ عنه، فأقل ما نقول عن قصائدها.. إنه الشعر، الشعر الذي يترك مشاعل الضوء على أرض روحك، وينحت كالريح بعضاً من قلبك، إنه ديوانٌ يستحق أن نكتب عنه ونحتفي به، لأنه بالفعل ينبت كعشب وزهورٍ برية بين شقوق صخرةِ المشهد الأدبي الذي يحاول الضوء أن يزيحها بكلتا يديه.
تمتاز هند الساحلي بالكتابة على جدران الذات الموهنة، فالكتابة هنا فعل إصحاح بقدر ما هي فعل هدمٍ لتلك الجُدر ليدخل الضوء، تقنيات هند اللغوية والإيقاعية والتصويرية، ترفعها بالفعل لترتاد تسونامي الإبداع، ومع تأملنا في القطاع الطولي للذات في قصائدها، نرى أن البلورات الضوئية تسكن كثيراً منها، إذن هي ليست من كُتّاب الذات الراصدين لألمها، إنما هي تضع في يدها معولاً لفتح نافذة واستدراج ضوء.
والجميل أن هند لم تخرج من عباءةِ المجاملات والتلميع والتهليل، بل هي شاعرةٌ حقيقية خرجت من صومعتها التي نحتت فيها عطر الشِّعر، لتقدمه لنا – بعد إقلالٍ في النشر- نداءً خاصاً مصبوغاً بآهتها هي، وبحلمها هي، وبوجعها هي، وببوحها هي، والـ (هي) هي من لها القدرة على كشط التالف من فضاءاتنا لتسكننا الرؤى، كيف لا وهي من أجاد الذاتية والرومانسية والندائية طويلاً، مما يؤهلها لتشحن جمالياتنا بما هو (لنا).

ومع صدور هذا الديوان الذي نشكر بالفعل الذين كانوا من ورائه، نحتفي باسمٍ سيكتسب أهميةً في خارطتنا الشعرية بفعل ما يمتلك من أدواتٍ نافذة وعابرة للوجدان، وإن كان الكثيرون لا يعرفون هند الساحلي شعراً، بسبب ندرة تواجدها على خارطة المشهد الأدبي، فليستعدوا الآن لتحتلّ قلوبهم ووجداناتهم وهمومهم (هم) شاعرة هي … هند علي الساحلي.

(2/12/2012)

مقالات ذات علاقة

قراءة نقدية للقصة القصيرة جدا في ليبيا – القصة النسوية

المشرف العام

رفع اللبس أو شبهة الضياع

المشرف العام

كتاباتٌ شابة لا كُتاب شَباب

أحمد الفيتوري

اترك تعليق