النقد

فخاخ السخرية في “توجس” فتحي نصيب

د. رجب عبدالوهاب (مصر)

من أعمال التشكيلي الكويتي محمود أشكناني

في لعبة سردية احترافية يجيدها دومًا الساخرون من محترفي السرد “يسحب” القاص الليبي فتحي نصيب قارئه في نصه القصصي “توجس” إلى “فخ” لا يكتشفه القارئ إلا مع توقف راوي القصة عن الحكي، والحقيقة أن مثل هذه “الفخاخ” السردية هي ما يمنح هذا النمط من النصوص السردية الساخرة جمالياته.

إن القصة أو “الفخ السردي”- إن صح التعبير- كغيره من الفخاخ لابد له من حسن التخطيط حتى يسقط فيه من يراد له السقوط، وهو التخطيط الذي أسسه القاص على المفارقة المؤدية إلى السخرية، والمفارقة تقانة قصصية يهدف القاص من وجودها النصي إلى الخروج على السرد المباشر وهو خروج يبعث على الإثارة والتشويق، وتعني في أبسط صورها القصصية- كما يقول النقاد- جريان حدث بصورة عفوية على حساب حدث آخر هو المقصود في النهاية، أو هي تصرف الشخصية تصرف الجاهل بحقيقة ما يدور حوله من أمور متناقضة لوضعها الحقيقي، وتكمن فنيتها في النصوص القصصية في كونها توفر لها وجود مستويين للمعنى في التعبير الواحد: المستوى السطحي والمستوى الكامن الذي يلح القارئ على اكتشافه إثر إحساسه بتضارب الكلام، وتمنح القارئ إدراكا للتعارض أو التناقض بين الحقائق، وتقدم له ذلك في شيء من التظاهر بالبراءة التي قد تصل إلى حد السذاجة أو الغفلة، أو من وجود ضحية متهمة أو بريئة أو غافلة، وهذا ما يجعل المفارقة منطوية على المضحك والمبكي معًا.

المفارقة تتجلى في “توجس” فتحي نصيب مضمونا وبناء منذ العنوان وحتى ختام القصة.

فعلى مستوى المضمون فإن القصة على بساطة حكايتها تثير قضايا مصيرية كبيرة، وتلك سمة من سمات النصوص القصصية الساخرة؛ إذ تكون ذات ظاهر يبدو بسيطًا، وباطن عميق يضرب في عمق قضايا واقعية وفلسفية مختلفة، وهو ما نجده في قصة “توجس” .

فحكاية القصة بسيطة في ظاهرها حتى إن من يقرأها يشعر أنه شاهد مثل هذه الحكاية في أحد الأفلام الكوميدية، فالراوي والأصلع يعتقد كل منهما أن الآخر يراقبه لنكتشف في النهاية أنه لا مراقبات، وأن كلا منهما سيطر خوفه عليه حتى جعله يعتقد بأنه ملاحق من الآخر وتنتهي الحكاية.

مع تلك البساطة التي تبينت ملامحها في الفقرة السابقة، فإن ثمة عمقًا في الرؤية وفي إثارة قضايا سياسية مصيرية بتنا نعاني منها في البلاد العربية التي تمر في العقود الأخيرة بمخاض عسير يستلزم تسليط الضوء من الأدباء على سلبيات الأنظمة السياسية البائدة لتلافيها في الحاضر والمستقبل، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى هذه الحكاية على أنها صوت ساخر من الأنظمة القمعية التي حولت شعوبها إلى شعوب مقموعة مسكونة بالتوجسات والهواجس التي جعلت كلا منهم يشك في الآخر للدرجة التي يصبحون فيها أسيري هذه التوجسات.

لا يتوقف تأويل الحكاية البسيطة في “توجس” عند البعد السياسي، بل إن ثمة بعدًا فلسفيًّا تطرحه حكاية القصة على بساطتها، وهو المتمثل في السؤال: إلى أي مدى يمكن أن تلعب المصادفة في حياة الإنسان دورا مصيريًّا سواء في إقناعه بالزيف على أنه حقيقة أو في كشف الواقع له، فالاعتقاد “غير الحقيقي” للراوي والأصلع بُني أساسا على المصادفة وعلى تكرارها، كما أن كشف الواقع بني على مصادفة الهروب من الأماكن المعتادة إلى مكان غير مألوف وإقدام الأصلع على الحديث مع الراوي، وإذا كانت القصة لا تجيب جوابا مباشرا عن هذا السؤال الفلسفي فإن أحداثها تؤكد أن كاتبها أراد أن يوحي لنا بدور كبير للمصادفات في حياة كل منا.

تتجاوب مع مفارقات المضمون التي ألمحنا إليها سابقا مفارقات على مستوى بنية الحكاية، فإذا بدأنا من العنوان “توجس” سنجده عنوانا ينطوي على مفارقة معنوية، إذ يحتمل أن يكون المراد منه دلاليا- وفقا لما ورد من معنى الكلمة في المعاجم- “الاستماع إلى الصوت الخفي” كما يحتمل أن يكون المعنى المراد منه “الإحساس بالخوف” وهذا التعدد في تأويل المعنى يضع المتلقي أمام “توجس” دلالي من العنوان نفسه، وهنا تبدأ حركة التوتر لديه فيندفع إلى متابعة القراءة علَّه يتخلص من توجسه.

وما إن يدخل المتلقي إلى القصة حتى يجد هذه المفارقات تتجلى في سردها، فالقصة- إن شئنا حصر عدد مشاهدها- سنجدها مكونة من أربعة مشاهد رئيسة هي: اللقاء بين الراوي والأصلع. وجلوس الراوي على أحد المقاهي واكتشافه جلوس الأصلع، ثم تغيير الراوي للمقهى واكتشافه وجود الأصلع وتكرار ملازمته له في عدة أيام ثم اعتكافه في بيته، وأخيرًا اختياره لمقهى بعيد عن بيته واكتشافه وجود الأصلع ثم كشف التوجس، والواقع أن المفارقات تتجلى دلاليا في كل مشهد من المشاهد الأربعة، ويكفي للتدليل على ذلك أن نقف على مشهد المفتتح ومشهد الختام.

ففي مشهد الافتتاح نبدأ مع الراوي الذي كان “سائرا في أمان الله سارحًا في ملكوته” إلى أن يصطدم بكتفي رجل “أصلع يرتدي نظارة سوداء” وهو مفتتح ينطوي على المفارقة التي تحملها أوصاف “الأصلع” فالرأس يميل إلى البياض ولعل في ذلك إشارة إلى خلو رأسه من الأفكار، ومع ذلك يرتدي نظارة “سوداء” تحجب عنه ضوء الشمس الذي يظهر الأمور على حقيقتها، ولعل ذلك هو سر التوجس الذي انتابه وجعله يظن أن الراوي يلاحقه ويتتبعه.

أما مفارقة المشهد الختامي فتكمن في اكتشاف القارئ للعبة القاص التي بينت حقيقة الراوي وهو شخص عادي يجلس على المقهى ويقرأ الصحف وحقيقة الأصلع وهما وجهان لعملة واحدة ساعتها يكتشف القارئ الذي بدأ يتابع الراوي في محطاته مع هذا الأصلع الذي يتابعه أنه وقع في “فخ” الراوي الذي استطاع أن يسحبه معه إلى من البداية ليصل به إلى حيث أراد في النهاية، وهو أننا جميعا بتنا مسكونين بالتوجس، وكأن عملية السرد تدور في فلك دائري يمكن أن ينطبق على كل منا.

إن المفارقة في قصة توجس حولت التداولي الحياتي إلى معطى لغوي ذي حمولات متزاحمة، يقترح اقتفاء حساسية الفعل الإنساني في ((واقع متخم بالمفارقات اليومية الساخرة ومجالات الحياة المختلفة، ووفرت لنا فرصة التقاط المفارقات ورسم صورة كاريكاتيرية سريعة نافذة لحالة شخصيتي القصة وهما في الحقيقة شخصية واحدة، فهي لعبة عقلية ذكية من أرقى أنواع النشاط العقلي، إذ هي على الرغم من أنها استراتيجية في الإحباط واللامبالاة وخيبة الأمل؛ فإنها في الوقت نفسه تنطوي على جانب إيجابي، فهي سلاح هجومي فعّال، وهذا السلاح هو الضحك الذي يتولد عن التوتر الحاد وليس عن الكوميديا، فلا يملك المتلقي أمامها إلا أن يبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي تُظهر إعجابه بقدرة الكاتب على التخطيط الناجح لنصه القصصي الذي اتخذ من السخرية عن طريق السرد وسيلة وهدفا في آن.


مقالات ذات علاقة

المرأة في كتاب القصص القومي لزعيمة الباروني – الجزء الأول

المشرف العام

قراءة في حكايات ليبية عن الهرب من الفاشية

المشرف العام

طوفان الصحراء

المشرف العام

اترك تعليق