من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
قصة

فحمة التاقزة

السقيفة الليبية

محبوبة خليفة

من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.

بدتْ علامات الريبة على وجهها. لم ترتحْ لهذه الزيارة ولا لهذا الطلب ولا ممن يطلبنَهْ، لكنها لم تردَّ في حياتها طلباً لأحد فكيف اذا كان هذه المرة من (شبابات)* يحاكين القمر وطلّته على الدنيا في ليالي الصيف وأُنسها.. تجربة جديدة؟ لم لا؟ فلتخضها…

تعرف أمهاتهن ومواعيدهن في العشيات الطويلة لذلك الفصل الجميل و(ومقعد الشاهي)* وصحبتهن اللطيفة واسئلتهن الكثيرة والمتنوعة حسب الحال. هذه تسأل عن بناتها وحظهن، وأخرى عن نتيجة إمتحان إبنها هل ستفرح أم ستغتمّْ كما يحدث دائماً، أما السؤال الحائر والمتداول عادة فتعرفه وكثيراً ماتكون متأهبة للإجابة المُجهَّزة بعناية امرأة خبيرة بأحوال النساء؛ فلان وفلان وفلان -أزواجهنَّ- يحفظون العهود والمودة أو، وآه من أو هذه، لو أنها نطقتها أو أوحتْ بها…

كانت تجمع كل حبات التاقزة في يديها المضمومتين، وتقرِّبها لفمها وتتمتم بصوتٍ خافتْ فيسود الوجوم وتزداد حالة التأهب والترقب، ودقات القلوب الواجفة المنتظرة، أما هي فتسعدها هذه الهيبة التي تكتسبها من هذه الحركة…

لا أحد متأكد مما تقول لكن الجالسات حولها متيقنات أنها ربما تردد بعض آيات من القرآن أو بعض أذكارٍ أو أدعية غير أن من يعرفها جيداً سيشك في هذا، فالسيدة لا تفك الخط ولا تعرف القراءة. كانت ليديها الخبيرتين حركة تحفظها عندما تلقي حبات التاقزة، تخفي الفحمة* ببراعة وحِرَفية في باطن كفها وحالما ترمي بالحبات تُلقي الفحمة بعيداً عن باقي الحبوب وخارج نطاق قراءتها لتوحي لهنَّ أن لا خطر يحوم في الأفق فتنفرج الأسارير ويقبلنَ على الشاهي والكاكاوية، وخبزة التنور، والكعك الدرناوي الشهير المصاحب عادة لهذه الجلسات، الواقعة بين العصر وقبيل المغرب، فلا يصحُ عند الآذان واختلاط ساعات النهار الأخيرة ببعض ظلام قادم في الأفق أن يكنَّ خارجَ بيوتهن فالمشاغل كثيرة وتنتظرهنَّ؛ الغسيل على الحبال ولا يجب أن يبقى حتى ينزل عليه الطلّ* فيغيرِّ رائحته الزكية؛ تجلبها خلطات المسك و(الزرقينة)* التي تضفي على بياض الملابس الليبية الرجالية لونٌ لطيف (بياضٌ مُشْرَبٌ بزرقة خفيفة) هكذا كان ذوق الناس في ذلك الزمن الجميل والطيب…

تسيطر على مريديها ومريداتها بقطعة صغيرة من الفحم تلعب بها كما تشاء وكما تحدد من أهداف. إن رغبت في بث قليلٍ من القلق حرّكتها إلى وسط كفيها المطبقين على التاقزة وألقتها فتُصدِر شهقات من الجالسات وتزيد حالة الحيرة، فترفع أكمام ثوبها زيادة في بث الوهم والخوف وتُخفِض رأسها وكأنها تقترب موبخة هذه الفحمة ومافعلته في صويحباتها…

تلتقط البضاعة كلها وتعيد خلطها بين كفيها وتقرّبها من فمها وتهمس بتعاويذها أو بلا شيء -فلا أحد يعرف- تتلمس بباطن كفها فحمةالتاقزة لتعيدها لصوابها!! على طرفي اليدين وتلقي تاقزتها مجدداً فتبتعد الفحمة ويجلو الحال وتنقشع الغيمة فتهلل صاحبة الطلب وتعود الأجواء الصاخبة وتتصدر بطلتنا الجلسة الطيبة من جديد وقد إمتلكتهن جميعهنَّ…

تنفضُّ الجلسة ويتبادلن المحبة والمواعيد القادمة ودعوتها للبقاء مع احداهن حتى الصباح فبيتها بعيد (والصباح رباح)*…

في ليالي الشتاء الطويلة تضيف الى مهنتها الأصلية موهبة أخرى -لكن دون مقابل- أمرٌ آخر محببٌ لكل أهل البيوت الذين يُسْعَدونَ باستضافتها. ستتناول عشائها مع من ستنام عندهم، وتجمع تاقزتها، تحصيها حبةً حبة، بعض حبات كبيرة من الملح والفول واصداف بحرية وازرار ملونة لا يعرف احد لما ترمز، وخرزٌ ملفتُ اللون، ثم وهي القطعة الأهم فحمة التاقزة* القطعة الوحيدة التي لا أنيس لها، متفرِّدة بلونها ورمزيتها التي يخشاها الجميع فهي إن توسطت الحبات كانت نذير شؤمٍ وإن إقتربت من إحداها كان الهمُّ على الأبواب، قد يدخل وقد يبقى خارجها حسب درجة اقتراب الفحمة من بقية الخرز والحبوب، وإن جاء مكانها خارج دائرة الحبات إنفرجت أسارير الجميع وساد السرور الجمع الطيب، المنقاد لزمنه، بكل مافيه من بساطة وأوهام تسيطر وتعشش وتجد القبول عند الكثيرين والكثيرات…

ستضع عدَّتها المباركة في جراب احمر اللون وتلفه بعناية وتودعه تحت الثوب في منطقة الصدر مباشرة يحجزه ويمنعه من السقوط حزامها الملون الجميل الذي يلتفُّ حول خصرها ليظهر لباسها المكون من الثوب ذي الكم الواسع المكون من قطعتين من قماشٍ ملون يبدو للناظر، وبقية الثوب قطعة من البوبلين او القطن الناعم يناغم لونه لون الجزء العلوي منه لكنه لا يُرى فالرداء(الحرام) لا يظهره، فسيلتف على البدن ثم تُلفّ حوله القَشْطَة أو الحزام ألابيض لسيدات المدينة والملون للقادمات من المناطق التي تلتف حول درنة كما يلتف الحزام على خصر نساءها…

ستبدأ السرد المحبب بذكر رسول الله فتصلي وتسلم عليه وعلى صحبه وترسل حُبها لمن حولها -نساء وأولاد الأسرة- وتختار حكاية أو اثنتان من رصيدها الذي لا ينضب (نقارش،وشمس اطياح وامنا الغوله، واحميدة بالسلطان، والنسري والياسمين، وسبع صبايا وعويشة بنت الحوّات وعين تاجرنا عين مرا، وغيرها الكثير والطريف)*…

يسود الجالسات الصمت الكامل إلا من شهقات خوف أو إعجاب أو حنق وغضب على شرٍ ما احتوته أحداث الخرّافة، أو ضحك متواصل إن اختارت خرافة مليئة بالصورالمضحكة(كوميديا)بمصطلاحات هذاالزمان…

ينفضُ الجمع وقد نام نصفه ويتمنون لها ليلةً طيبة وتتمدد هي على (الطرّاحية)* التي تجلس عليها -يوضع عليها نطعٌ في ليالي الشتاء الباردة- تتغطى ببطانية أهل البيت الجربية* (كبارة)* للضيفة وقدرها العالي، أليست هي من تحتفظ بأسرار البيوت وترسل بتاقزتها رسائل إطمئنانٍ أو تحذيرٍ أو حتى خوف وتوجس لأهلها بل أنها كانت برمية واحدة من فحمتها قادرة على خلق إعصارٍ داخل هذه البيوت أو ترسل بها نسمات هادئة تنعش النفوس وتحييها بعد موات…

هكذا كانت تعيش أيامها لا شيء يزعجها ولا جديد يغير من معطيات حياتها اليومية إلا ما حدث ذلك النهار، دق باب بيتها وليس من العادة أن يزورها أحد. كانت هي من تبادر وتعرض خدماتها بمقابل مادي بسيط ومعنوي كبير ويعنيها كثيراً فهي تحضى بمكانة في القلوب الواجفة التي تقع تحت سيطرة حبات تاقزتها وسطوتها… فتحت مستفسرة عمن عند الباب، فأجابتها صبية يافعة أن نحن ياخالة، فزاد استغرابها وأسرعت تفتح بانزعاج وقلق. كن بالباب فتيات في أوج الصبا الذي يدق أبواب الشباب وجماله وعنفوانه ورعونته… تعرفهن جميعاً فهن بناتُ النساء اللاتي تزورهن وتمنحهن بركات التاقزة وأخبارها…

مالذي يجري!! (كنكن ياك لا حرّ لا شرّ ؟)* تساءلت بلكنة هي مزيج من لهجة أهل المدينة ولهجات المناطق حولها.. رددنَ مجتمعات (مافيه شي ياعمة،بس نبّوا نعرفوا بختنا)!!

________________________________________

* شبابات: الصبايا الغير متزوجات.

* مقْعَدّ الشاهي: جلسة شاي.

* الطَلّ: الندى الليلي.

* الزرقينة: مادة زرقاء اللون تذاب في الماء في آخر مراحل الغسيل الأبيض فتشع بلونٍ يميل الى طيفٍ ازرق جميل.

* الصباح رباح: تعبير شعبي عن أن تأجيل الأمر إلى الصباح أفضل.

* أشهر الحكايات التي سمعناها من جداتنا في درنة. إستعنت بشقيقاتي وبعض الصديقات لتسمية عناوين الخرّاف.

* الطراحية: تشبه الفراش لكنها اصغر حجماً للجلوس عليها.

* كبارة: تقدير وتكريم.

* البطانية الجربية: بطانية عالة القيمة منسوجة على النول حمراء اللون بخطوط خضراء وزرقاء جانبية.

* كنكن: ماذا بكن.

* ياك لا حرّ لا شرّ: أو لا سو لا سويّة: المعنى واحد.. وهو التساؤل بجزع هل من سوءٍ ما.

(ملاحظة): هذه الحكاية هي نتيجة صور تتداعى أمام ذاكرةٍ مليئة بحب تلك المدينة التي تمتلك قلبي، لم أقصد بها شخصية بعينها ولا نسجتُ هذه الحكاية وعنيت بها أحداً بعينه إنها رؤيتي لما عشته وعايشته وأحكيه بقلمي وببعض خيالٍ لابد منه لتكتمل شروط القصِّ.

مقالات ذات علاقة

مدمن الجزر

محمد النعاس

أجـداب !!

الصديق بودوارة

اللـذة الـقاتـلة

محمد عياد العرفي

اترك تعليق